أفئدة تهوي إليهم: ما وثقه أدب الرحلة عن الحج


توثيق الأسفار بالكتابة عنها ووصف ما شاهد فيها سُمي بأدب الرحلة، والذي يعد من أهم فنون الأدب العربي، وأكثرها تسلية للقاريء وقربًا لنفسه، وكان من أهم أغراض السفر والتنقل قديمًا في عصر ما قبل الحداثة؛ الحج. كتب الأدباء والمستشرقين عن رحلتهم للأراضي المُقدسة، حكوا في هذه الكتابات عن جغرافيا المكان وطبيعته، وكيف يتطور الأمر من كاتب لآخر بحسب الفترة الزمنية التي حج فيها البيت، من حيث الطريق وافتقاده للأمن قديمًا، ثم تيسير سُبُله حديثًا، ووسيلة السفر وتقدم المرافق، وكذلك البيئة وثقافتها، وعاداتها، ولكن أهم ما وثقوه، كان الأثر العميق، والعجيب للمكان في قلوبهم..
منذ ألفي عام قبل الميلاد، رجل بأمة، استقر في قلبه إيمان شديد، حين اطمأن قلبه أن القادر على جمع أجزاء الطير المذوحة من قمم جبال مختلفة، قادر على أن يستجيب دعوته حين ترك زوجته ورضيعها بوادٍ غير ذي زرع بأن يجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم، وقد كان، بدعاء امرأة صالحة اسمها هاجر، وسعيها بين جبلين لعل أحد يغيثها، وبمعجزة، ضرب طفلًا الأرض بقدمه، فكان زمزم. بامرأة وطفل ودعاء ومعجزة قامت حضارة..

الكاتبة المصرية نعمات أحمد فؤاد تنقلت عبر دول العالم، أوروبا وأمريكا وتركيا والمغرب وليبيا وغيرها، ووثقت هذه الرحلات في كتابها (رحلة الشرق والغرب) وأهم ما تناولته في كتابها رحلتها إلى الحجاز عام 1982م، ومما ترويه في كتابها: "في هذا البيت الله وحده الأكبر، وهو وحده الأعلى، وهو وحده الأعظم، هنا تسقط الأقنعة، كل الأقنعة تسقط الزيوف، حيث الإنسان كل الإنسان، لا يستثنى غني أو متعلم أو ملك أو أمير، الكل فب هذا البيت صغير صغير، والعظمة لك، ضعيف ضعيف، والقوة لك، عاجز عاجز، والحول والطول لك.."، وتقول في وصفها للسعي بين الصفا والمروة: "المكان نهران، أحدهما للسعي والآخر للعودة، وفي الوسط نهران آخران للمرضى وأصحاب الكراسي، وهنا.. رأيت ألوانا من البر، ابنا يدفع الكرسي سعيا بأمه بين الصفا والمروة، وأبا يحمل ثلاثة من صغاره في الكرسي ويدفعه أمامه، إنه لون من العطاء، وما أقدر الآباء على العطاء.. ليت الأبناء يعرفون."

أكثر ما يثير في الحجاج الشجن والوجد، أن في كل أثر يمرون به وقف نبي، فيقول الكاتب أنيس منصور عن رحلته إلى الأراضي المقدسة: "من الذي لا يحاول أن يسير في نفس الطريق الذي سار فيه الرسول العظيم ، في هذا الطريق إلى غار حراء سار الرسول أكثر من ألفي يوم، طالعا نازلا، متفكرا متأملا خفيفا بصفاء روحه وثقيلا بهموم قومه وكل الناس.. أريد أن أرى، أن ألمس، أن أتذكر، أن أسترجع، أن أكون على مقربة من مكان تغيرت فيه الدنيا، فهناك كان الرسول وحده..مع الله .." كذلك يصف أحمد حسن الزيات شعوره وهو يقتفي أثر النبي وأصحابه فيقول: "إن في كل بقعة من بقاع الحجاز أثرا للفداء ورمزًا للبطولة، فالحج إليها إيحاء بالعزة، وحفز إلى السمو، وحث على التحرر، وتذكير بالوحدة.. هنا غار حراء مهبط الوحي، وهنا دار الأرقم رمز التضحية، وهنا غار ثور منشأ المجد، وهذا هو البيت الذي احتبى بفنائه أبوبكر وعمر وعلي وعمرو وسعد وخالد، والغطاريف من بني هاشم وبني أمية، وتلك هي البطحاء التي درج رمالها قواد العالم وهداة الخليقة."
ومن الصور العظيمة التي وصفت المكان، هو وصف عباس العقاد، الذي سافر إلى أرض الحجاز عام 1946م، لحمام الحرم، فيقول: "منظر ثالث أخذني بجماله في جوار البيت الحرام، هو منظر الحمام الآمن الوداع في ذلك المقام، لا يخشى ولا يفزع، بل يظل طوال نهاره في طواف على الأرض وطواف في الهواء. وأعجب ما سمعت ورأيت أنه يطوف حول الكعبة ولا يعلو عليها فرادى ولا جماعات. وقد سمعت بهذه الخاصية في حمام البيت قبل أن أراه، فلما رأيته في طواف العمرة وطواف الوداع، تحريت أن أتعقبه، في كل مذهب من مذاهب مطاره، فإذا هو كما سمعت، يطوف ولا يتعدى المطاف إلى العبور. أدب الناس في هذا المقام المهيب نعرف سره ونعرف مصدر الوحي منه إلى القلوب الآدمية، أما أدب الطير في هذا المقام فسره عند الله.."
أنيس منصور، عباس العقاد، أحمد حسن الزيات، علي الطنطاوي، ابن القيم، ابن عساكر، كلهم ذهبوا إلى هناك ووثقوا رحلاتهم، فيما نسميه أدب الرحلة، لكن أحدهم وصف رحلته بالخيال، هوى فؤاده، فكتب:"دعاني لبيته.. لحد باب بيته
وأما تجلى لي.. بالدمع ناجيته"
"مكة وفيها جبال النور
طالة على البيت المعمور
دخلنا باب السلام
غمر قلوبنا السلام
بعفو رب غفور
فوقنا حما الحِمى
عدد نجوم السما طاير علينا يطوف
ألوف تتابع ألوف
طاير يهني الضيوف بالعفو والمرحمة"
هذا جزء من القصيدة التي كتبها بيرم التونسي، وغنتها السيدة أم كلثوم على ألحان رياض السنباطي.
الملايين ذهبوا إلى الأراضي المقدسة، وسواءًا كانوا أدباء وثقوا رحلاتهم، أو محبون عاديون، وثقوا رحلاتهم أيضًا بالحديث عنها مع أصحابهم وعائلاتهم وجيرانهم، لم يذذهبوا فقط لأداء أحد أهم أركان الإسلام الخمسة، ولكنه نداء غريب في النفس، يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى هناك..   
تقرير لـ بدر السروي منشور في موقع اليوم الجديد.



 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on February 10, 2020 06:30
No comments have been added yet.