لأبي . . . مع التحية !

لأبي . . . مع التحية !





ها أنا عدت مجدداً لأكتب لك، لقد أخبرتك في رسالتي السابقة بأنني كبرت جداً، و أصبحت أكثر حكمة وحذر باتخاذ قراراتي، و أصبحت أكثر صبراً وتقبلاً لما يبدر من البعض كما أنني أخبرتك بأنني بقيت داخل ميدان الحياة لأخوض التجارب المؤلمة، و الآن سأخبرك عما حدث في هذا الميدان مجدداُ.





يسعى الجميع للوصول لبيئة ينتمي إليها، وهذا ماحدث معي حينما كنت أتسلق تلك الجبال الوعرة، و أتجاوز كل المعيقات لأجل اللجوء لهذه البيئة، وعندما وصلت إليها لم اتمعن ولو بالقليل لأدرك بأنها بيئة لا تلائمني أبداً، و إنما انسجمت وتكيفت بها بشكل ما، وما أعنيه بأني تكيفت يبدو بأنني رميت نفسي بالأسفل لأصبح كما يريدون فقط. وبالفعل، أصبحت كما يريدون تماماً أي أنني لا أقبل بضعفهم وكنت السند الداعم وطاقة الوقود لحياتهم، و أفعل ذلك دون ملل أو أي ضجر وغضب!





كان المكان مُضاء بالكامل، يشتعل بالنور والأمل كنت أشعر بأنه يستحق هذا العناء للوصول، ولم أدرك بأن هذا النور يشع من داخلي، كانت روحي خفيفة بشكل لا يمكن وصفه، وكانت الحياة جميلة جداً بتلك الألوان الباهية.





كنت أمارس الحياة بأجمل حالاتي ولم أسمح لنفسي بأن تضعف أبداً ولو بدى لي الأمر أنه ثقيل للغاية، كنت انهض بسرعة فائقة لأمنع نفسي من الوقوع بهذا الشعور، اعتقدت بأن ذلك هو الصواب ولكن في الحقيقة هو أنني حرمتها من الوقوع بهذا الشعور.





بينما كنت أنهض، كان هناك من يتكئ علي ولم أكن أهتز أبداً بل أبذل قصارى جهدي لربطهم بهذه الحياة. عجباً!! كانوا يواجهون ضعفهم وهم متكئين بينما لم أسمح لنفسي حق الراحة ولو بالقليل، بل كنت أرغم نفسي على النهوض في كل مرة لأنني قوية لم أسمح لنفسي بأن تعيش الألم، ولكن كما أخبرتك يبدو بأنني رميت نفسي للأسفل عندما كنت أحاول اللجوء لهذه البيئة.





عندما كنت أحقق إنجازاتي لم أرى سوى الابتسامات المُزيفة، ومع  ذلك تجاهلتها ودفعت نفسي للأمام دائما، و دفنت بأعماقي كل التعب والمشاق والألم و أرغمته على الصمت والهدوء، و بالطبع لم أبالي لما سيحدث بعد!





بينما كنت أمشي وأحقق العديد من الإنجازات، وبينما كنت أركض دائماً خلف أهدافي الجديدة، كان التواكل والاتكاء يزداد يوماً عن يوم، بدأت بالانحناء ولم أتمكن من السقوط، ليس حماية لنفسي أو لمنعها من الوقوع، بل حماية لأولئك الذين يستندون على ظهري راجين بأن أمدهم بالقوة، حينها أدركت للمرة الأولى بأنني بشر ولا يمكن البقاء على نفس الوتيرة دائماً، حينها شعرت بالثقل الذي أوشك على أن يقيدني بالأغلال، لا يمكنني التقدم ولا العودة، لا أستطيع الاستقامة ولا السقوط، يوما عن يوم بدأ الثقل يزداد على كاهلي، بدأت بالاختناق ولكن لا أمتلك حق التنفس، و إن كان لدي هذا الحق فإنه سيسقط كل من اتكئ علي، حينها سأشعر بالذنب و أعتب على نفسي مجدداً!





يوجد أمامي خيار واحد الآن وهو الصبر، لك أن تتخيل كم أصبحت هذه البيئة المشعة بالأمل، بيئة مظلمة بل تحولت إلى كهف مرعب، لم يبقى بداخلها نور يضيء ولا أمل أتمسك به، لم أجد سوى الصخور أحاول الاتكاء عليها لكيلا أنحني أكثر. بدأ الأمر يضيق بداخلي أكثر ودعوت الله بأن يقوي لي ظهري لأتمكن من حملهم، ويعطيهم ما يريدون ليخف هذا الحمل عني، فقط لأنجو من هذه الظلمة و لأستقيم، لم أجد من يحاول الامساك بي لأشعر بالمساندة، كنت بحاجة ماسة لهذا الشعور ولكن لم أشعر به مع الأسف. . .





خف الحمل عني بعد مدة لا تعد قصيرة أبداً، ولكن هل سأتمكن من الاستقامة و الوقوف مجدداً ؟ هل سأنجو من هذه الأغلال؟





لازلت مهتمة بالوقوف والاستقامة والصمود، ولم أبالي بالذي يحدث بأعماقي، لم أهتم به أبداً. . .





وما إن حاولت الوقوف مجدداً، سقطت دون الاستناد على أي شيء، ولكن استحقيت هذا السقوط، لأن روحي منهكة للغاية، و قلبي مثقل بالهموم، و عقلي متعب جداً، الحقيقة المُرة هو أنني ذبلت تماماً، و لم يبقى بداخلي سوى الجفاف، انطفئ النور الذي بداخلي، و انتهى وقود الحياة، عندما كان داخلي ربيع مزهر أصبح الآن جفاف قاحل، كنت أبحث عن يداً تمسك بي لأتمكن من النهوض، ولم أجدها، تحول هذا المكان إلى كهف مرعب مليء بالوحوش، بعد ما امتصوا النور الذي بداخلي، لم يروا بأن هناك أي حاجة ماسة تربطهم بي، لذلك لا حاجة بأن يمسكوا بيدي من جديد. يبدو أن ذلك كان من الأساس ولكن لم أحسن الرؤية أبداً، بعدما امتصوا الجمال والأمل واللطف، تمكنت من الرؤية بوضوح، حينها شعرت بالخوف وبدأت عيناي بالبحث عن مكان آمن تلتجئ إليه، ولم أجد الأمان أبداً، حينها تبقى لي خيار واحد فقط وهو النجاة ولن يكون إلا بطريقة واحدة فقط وهي الهرب!





أبي، هل يمكن أن يكون طوق نجاتنا من أحبتنا هو الرحيل عنهم؟





يبدو أنه يحدث، عندما لم أجد سوى هذا الخيار ولرغبتي الشديدة بأن أنجو و أطهر روحي من هذه الشوائب، أرغمت نفسي على النهوض للمرة الأخيرة، رجوتها للمرة الأخيرة بأن تستجمع ما تبقى منها من قوة لتساعدني على النهوض، قدمت لها عهداً بأنني سأعتني بها جيداً لكن المهم الآن هو النهوض والابتعاد أشد البعد، نهضت مثقلة ولكن لا بأس، روحي تبكي لأول مرة استمع لهذا الصوت بالرغم من وجوده إلا أنني استمعت إليه عندما فقط لم ترى عيني سوى نفسي، وضعت يدي على قلبي لا أعلم هل اعتذر أم لأشعر بالأمان!





بعد ذلك، دون أن أنظر للخلف و لدافع النجاة القوي، مع روحي الجريحة، و قدماي المثقلة، وقلبي المنهك بحثت عن مخرج لأركض إليه دون توقف، و إذا بنور يشع في نهاية الطريق، دفعت نفسي نحو الأمام ولا أشعر بشيء سوى التقاط أنفاسي، ركضت نحو هذا النور مع بصيص من الأمل، رميت نفسي من هذا الجبل الذي قضيت سنوات عمري للوصول إليه و الآن اقفز منه دون تردد هرباً من كل تلك الشوائب والسموم التي سممت لي روحي، لأقع في أرض نقية طاهرة والربيع في كافة أرجائها، الهواء النقي يضرب جسدي المنهك، الربيع الذي أراه الآن هو الربيع الحقيقي، لأن داخلي قاحل و رؤيتي صادقة الآن، بالرغم من اختلاف طرق الوصول لتلك البيئتين إلا أن السقوط بالنسبة لي كان أسهل لأنني لم أتالم أبداً،





بل نجوت على الأقل!





حسناً ولكن من أرى حولي الآن؟





لا أجد سوى أشخاص يرتدون البياض، أولئك الذين أحبوني بصدق وبلا شروط، ودعموني بلا ملل، وتقبلوني كما أنا عليه، وبكل إنجاز لي أشعر بصدق أحاسيسهم، والأهم لم يبحثوا عن سبب هروبي من هذا الكهف، ولم يبحثوا خلفي عنه، ولم يصدروا حكماً علي بأي شيء، إنما أمسكوا يدي بشدة وبقوا بجانبي كإخوة. [image error]





[image error]
٢٤ / ٦ / ٢٠٢٠

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on August 13, 2020 06:38
No comments have been added yet.