قضية انبثاق الروح القدس من الاب والابن.. الأب كاليستوس وير
قضية انبثاق الروح القدس (Filioque)
لكن هناك نقطة لا يتفق الشرق والغرب حولها وتتعلق بعقيدة الثالوث: إنها مسألة إضافة كلمة (والابن) على الدستور. وقد رأينا أي دور حاسم كان لهذه الكلمة وحدها في مضمار الانشقاق المؤسف الذي عانى منه العالم المسيحي {راجع: (الكنيسة الأرثوذكسية في الماضي والحاضر)، للمؤلف، منشورات النور (الناشر)}. إلا أنه لو وضعنا جانباً الأهمية التاريخية لقضية (والابن) هذه، فما هو مداها في المجال اللاهوتي ؟
كثيرون من الناس اليوم ومنهم بعض الأرثوذكسيين يميلون إلى اعتبار النزاع غامضاً، تقنياً، وقد يذهبون إلى حد رفضه على أنه لا يستحق الاهتمام. من الناحية اللاهوتية الأرثوذكسية التقليدية لا يوجد سوى جواب واحد: المسألة تقنية وكجميع المسائل المتعلقة بلاهوت الثالوث غامضة ولا شك، ولكنها ليست مجردة من الأهمية. وبما أن عقيدة الثالوث تقع في قلب الإيمان المسيحي، فإن أي اختلاف يسيطر في اللاهوت الثالوثي يؤدي بلا أدنى ريب إلى إحداث انعكاسات على مختلف أوجه الحياة المسيحية والتفكير المسيحي. لنحاول إذاً أن نوضح بعض النقاط المتعلقة بهذا النزاع.
جوهر واحد في ثلاثة أقانيم. الله واحد، والله ثلاثة: فالثالوث القدوس هو سر الوحدة في التعدد وسرّ التعدد في الوحدة. والآب والابن والروح القدس هم (واحد في الجوهر) (Homoousios)، إلا أن كلاً منهم يتميّز من الاثنين الباقيين بخصائص أقنومية. (فالإلهي غير قابل للتجزئة في أجزائه) {غريغوريوس النازينزي، Orations، 31، 14} لأن الأقانيم (يتَّحدون بلا التباس، وهم متميزون، لكنهم غير مجزئين) {يوحنا الدمشقي، في الإيمان الأرثوذكسي 8،1}، (والتميّز والوحدة كلاهما أيضاً متضادان) {غريغوريوس النازينزي،Orations، 25و17}.
ولكن إذا كان لكل أقنوم ميزاته الخاصة، فما الذي يجمع الثالوث القدوس ؟ عن هذا السؤال تجيب الكنيسة الأرثوذكسية، وفقاً لآراء الآباء الكبادوكيين أن الله واحد لأن الآب واحد. وفي التعبير اللاهوتي الآب هو (علة) الألوهة (ومصدرها). وهو مبدأ (arche) الوحدة بين الثلاثة. وفي هذا المعنى تتحدث الأرثوذكسية عن (ملكية) الآب (monarchie). أما الأقنومان الباقيان فيرجع أصلهما للآب ويحددان حسب علاقتهما به. الآب هو مصدر الألوهة، وهو غير مولود ولم ينبثق عن أحد. والابن مولود من الآب منذ الأزل (قبل كل الدهور على حد تعبير دستور الإيمان)، والروح القدس منبثق من الآب منذ الأزل.
ابتداء من هذه النقطة يبدأ الخلاف مع اللاهوت الكاثوليكي. يرى اللاهوت الكاثوليكي أن الروح القدس انبثق من الآب والابن منذ الأزل. وهذا يعني أن الآب لم يعد المصدر الوحيد للألوهة وأن الابن هو مصدر آخر لها. وبما أن مبدأ الوحدة في الألوهة لا يعود محصوراً من جراء ذلك بأقنوم الآب، فإن الكثلكة تجد مبدأ الوحدة في الجوهر الخاص بالأقانيم الثلاثة. في الأرثوذكسية مبدأ وحدة الله مبدأ شخصي، وهو ليس كذلك في الكنيسة الكاثوليكية.
ولكن ماذا تعني كلمة (منبثق) ؟ ما من شيء يمكن تفسيره إلا إذا فهم جيداً معناه. تؤمن الكنيسة بأن المسيح عرف مولدين: مولداً أزلياً، وآخر محدداً في الزمان. ولد من الآب (قبل كل الدهور) كما ولد من العذراء مريم في عهد هيرودوس ملك يهوذا وأوغسطس إمبراطور روما. كذلك ينبغي بالطريقة نفسها إجراء تمييز جلي بين الانبثاق الأزلي للروح القدس وبين رسالته الزمنية، أي إرساله إلى العالم: فالانبثاق يخص العلاقات الموجودة في الألوهة منذ الأزل، والرسالة تخص علاقة الله بالخليقة. وحينما يقول الغرب إن الروح القدس منبثق من الآب والابن، وتقول الأرثوذكسية إنه منبثق من الآب وحده، فإن كلاً من الطرفين لا يشير إلى الفعل الخارجي للثالوث تجاه الخليقة، بل إلى بعض العلاقات الأزلية الموجودة في الألوهة، وهي علاقات كانت موجودة قبل وجود العالم. ولكن في حين أن الأرثوذكسية لا تتفق مع الغرب حول الانبثاق الأزلي للروح القدس، فإنها تتوافق معه بشأن رسالة الروح القدس إلى العالم وتقول بأن الروح القدس مرسل من الابن وأنه فعلاً (روح الابن).
والموقف الأرثوذكسي مرتكز على قول المسيح: (ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي ينبثق من الآب، فهو يشهد لي) (يوحنا، 26:15). المسيح يرسل الروح القدس، لكنّ الروح القدس ينبثق من الآب: هذا ما يعلّمنا إياه الكتاب المقدس، وهذا هو مضمون الإيمان الأرثوذكسي. على أن ما لا تعلّمه الأرثوذكسية وما لم يقله الكتاب المقدس أبداً، هو أن الروح القدس ينبثق من الابن.
والموقف بالنسبة للغرب هو أن الروح القدس ينبثق أزلياً من الآب والابن. وخلافاً لذلك أكد القديس فوتيوس الكبير أن الانبثاق الأزلي هو من الآب وحده وأن الإرسال إلى العالم هو من الابن. لكن الكتّاب البيزنطيين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر – نخص منهم بالذكر غريغوريوس القبرصي بطريرك القسطنطينية من السنة الـ1283 إلى الـ1289 وغريغوريوس بالاماس – ذهبوا في ذلك أبعد ممّا ذهب إليه فوتيوس الكبير، محاولين ردم الهوة بين الشرق والغرب. إنهم اتفقوا ليس فقط على القبول بالرسالة الزمنية، بل كذلك بالظهور الأزلي للروح القدس بواسطة الابن. وحيث تحدّث فوتيوس عن مجرد علاقة زمنية بين الابن والروح، فقد وجدوا علاقة أزلية. لكن غريغوريوس القبرصي وغريغوريوس بالاماس يشاطران فوتيوس الرأي حول النقطة الأساسية: فالروح القدس يظهر بواسطة الابن، لكنه لا ينبثق من الابن، والآب هو الأصل الوحيد والمصدر الوحيد والعلة الوحيدة للألوهة.
تلك هي مواقف كل الكنيستين في خطوطها العريضة. ولنر الآن ما هي اعتراضات الأرثوذكسيين على الموقف الغربي. زيادة عبارة (والابن) تؤدي إلى ازدواجية في الألوهة أو إلى بدعة شبيهة ببدعة سابليوس {سابليوس أحد هراطقة القرن الثاني، ادّعى أن الآب والابن والروح القدس ليسوا بأشخاص ثلاثة مختلفة، بل مظاهر أو أشكال مختلفة للألوهة الواحدة}. ويتساءل الأرثوذكسيون، لو كان الابن كما الآب، مبدأ الألوهة ومصدرها، أفلا يكون قد وُجد إذّاك مصدران مستقلان أو مبدآن مختلفان في الثالوث ؟ حتماً لا، لأن ذلك يوازي الاعتقاد بوجود إلهين. وبالتالي فإن مجمعي ليون (1274) وفلورنسه (1438 – 1439) عنيا عناية فائقة في مجال الإقرار بأن الروح القدس منبثق من الآب والابن، (كما من مبدأ واحد) (Tanquam ex uno principo). ولكن من وجهة النظر الأرثوذكسية، هذا لا يكفي ويبقى الأمر شائكاً، إذ في حين يتجنب هذا التفسير الازدواجية في الألوهة، يبقى أن أقنومي الآب والابن يجري ضمهما وخلطهما. الآباء الكبادوكيون كانوا يرون في (الملكية) الخاصة المميّزة للآب، فهو وحده المبدأ ضمن الثالوث. لكنّ اللاهوت الغربي ينسب تلك الخاصة للآب والابن على حدّ سواء، فيمزج بذلك بين الأقنومين ليجعلهما أقنوماً واحداً. أليس ذلك نوعاً جديداً من (السابليوسية) أو بالأحرى (وحشاً شبه سابليوسي) {P، G،cii 289 B} على حدّ تعبير القديس فوتيوس.
ولندرس عن كثب تهمة شبه السابليوسية هذه. للاهوت الثالوثي الأرثوذكسي مبدأ في الوحدة شخصي، لكن الغرب يجد المبدأ الوحدوي في جوهر الله. ويبدو للأرثوذكسيين أن الطبيعة المشتركة تطغي في اللاهوت الكلامي اللاتيني على الأقانيم وأنه ينظر إلى الله ليس بتطلعات ملموسة وشخصية، بل كجوهر يميّز فيه علاقات متنوعة. هذا النوع من التفكير يبلغ ذروته مع القديس توما الأكويني الذي ذهب إلى حدّ الخلط بين الأقانيم والعلاقات (Personae sunt ipsae relationes) {الخلاصة اللاهوتية، 1، السؤال 40 البند الثاني}. ذلك من شأنه – عند المفكرين الأرثوذكس – أن يعطي فكرة فقيرة عن الشخصية. فالعلاقات، كما يقولون، ليست هي الأشخاص. إنها الخصائص الشخصية للآب والابن والروح القدس. وكما يقول غريغوريوس بالاماس: (إن الخصائص الشخصية ليست الشخص، لكنها تميّز الشخص) {مذكورة في ج. مايندورف، (مدخل لدراسة غريغوريوس بالاماس)، ص294، باريس، 1959}. والعلاقات، على الرغم من أنها تشير إلى الأشخاص، لا تستنفد بأي حال سرّ كلّ منهم.
والمدرسة الكلامية اللاتينية، في تشديدها على الجوهر إلى هذا الحد، على حساب الأقانيم، هي أقرب لأن تجعل الله فكرة مجرّدة. فيصبح كائناً بعيداً، غير شخصي، يُبرهن على وجوده بالحجج الماورائية، ويصبح إله الفلاسفة وليس إله ابراهيم واسحق ويعقوب. والأرثوذكسية بخلاف ذلك أقل شغفاً بالبراهين الفلسفية حول وجود الله. فالمهم ليس ما يبديه المرء من آراء بشأن الألوهة، بل المهم أن يجد لنفسه لقاء مباشراً ومعاشاً مع إله حيّ وشخصي.تلك بعض الأسباب التي من أجلها ينظر الأرثوذكسيون إلى زيادة عبارة (والابن) على أنها خطرة، إذ تخلط بين الأقانيم وتهدم التوازن الصحيح بين الوحدة والتعدد في الألوهة، وتشدد على وحدة الإله على حساب ثلاثيته. فيعتبر الله بمثابة جوهر مجرّد أكثر مما يعتبره شخصية حيّة.
ثم إن زيادة عبارة (والابن) تولّد لدى الكثيرين من الأرثوذكسيين انطباعاً بأن الروح القدس في التفكير الغربي، أصبح خاضعاً للابن، إن لم يكن نظرياً فتطبيقياً على نحو أكيد. فالغرب لا يولي الانتباه الكافي لعمل الروح القدس في كلّ من العالم والكنيسة والحياة اليومية لكل إنسان.
ويرى المؤلفون الأرثوذكسيون أيضاً أن هاتين النتيجتين الناجمتين عن زيادة عبارة (والابن)، أي تبعية الروح القدس والتركيز المتطرّف على وحدانية الله، أدتا إلى خلق تشويه في العقيدة الكاثوليكية المتعلقة بالكنيسة. وبما أنه لم يُكترث في الغرب لدور الروح القدس، أخذ يُنظر إلى الكنيسة على أنها مؤسسة من مؤسسات هذا العالم تحكم حسب منطوق السلطة الزمنية. وكما أنه شدّد على وحدانية الكنيسة على التعددية فيها، وقد نجمت من ذلك مبالغة في المركزية وأهمية بارزة جداً للسلطة البابوية.
لكن هناك نقطة لا يتفق الشرق والغرب حولها وتتعلق بعقيدة الثالوث: إنها مسألة إضافة كلمة (والابن) على الدستور. وقد رأينا أي دور حاسم كان لهذه الكلمة وحدها في مضمار الانشقاق المؤسف الذي عانى منه العالم المسيحي {راجع: (الكنيسة الأرثوذكسية في الماضي والحاضر)، للمؤلف، منشورات النور (الناشر)}. إلا أنه لو وضعنا جانباً الأهمية التاريخية لقضية (والابن) هذه، فما هو مداها في المجال اللاهوتي ؟
كثيرون من الناس اليوم ومنهم بعض الأرثوذكسيين يميلون إلى اعتبار النزاع غامضاً، تقنياً، وقد يذهبون إلى حد رفضه على أنه لا يستحق الاهتمام. من الناحية اللاهوتية الأرثوذكسية التقليدية لا يوجد سوى جواب واحد: المسألة تقنية وكجميع المسائل المتعلقة بلاهوت الثالوث غامضة ولا شك، ولكنها ليست مجردة من الأهمية. وبما أن عقيدة الثالوث تقع في قلب الإيمان المسيحي، فإن أي اختلاف يسيطر في اللاهوت الثالوثي يؤدي بلا أدنى ريب إلى إحداث انعكاسات على مختلف أوجه الحياة المسيحية والتفكير المسيحي. لنحاول إذاً أن نوضح بعض النقاط المتعلقة بهذا النزاع.
جوهر واحد في ثلاثة أقانيم. الله واحد، والله ثلاثة: فالثالوث القدوس هو سر الوحدة في التعدد وسرّ التعدد في الوحدة. والآب والابن والروح القدس هم (واحد في الجوهر) (Homoousios)، إلا أن كلاً منهم يتميّز من الاثنين الباقيين بخصائص أقنومية. (فالإلهي غير قابل للتجزئة في أجزائه) {غريغوريوس النازينزي، Orations، 31، 14} لأن الأقانيم (يتَّحدون بلا التباس، وهم متميزون، لكنهم غير مجزئين) {يوحنا الدمشقي، في الإيمان الأرثوذكسي 8،1}، (والتميّز والوحدة كلاهما أيضاً متضادان) {غريغوريوس النازينزي،Orations، 25و17}.
ولكن إذا كان لكل أقنوم ميزاته الخاصة، فما الذي يجمع الثالوث القدوس ؟ عن هذا السؤال تجيب الكنيسة الأرثوذكسية، وفقاً لآراء الآباء الكبادوكيين أن الله واحد لأن الآب واحد. وفي التعبير اللاهوتي الآب هو (علة) الألوهة (ومصدرها). وهو مبدأ (arche) الوحدة بين الثلاثة. وفي هذا المعنى تتحدث الأرثوذكسية عن (ملكية) الآب (monarchie). أما الأقنومان الباقيان فيرجع أصلهما للآب ويحددان حسب علاقتهما به. الآب هو مصدر الألوهة، وهو غير مولود ولم ينبثق عن أحد. والابن مولود من الآب منذ الأزل (قبل كل الدهور على حد تعبير دستور الإيمان)، والروح القدس منبثق من الآب منذ الأزل.
ابتداء من هذه النقطة يبدأ الخلاف مع اللاهوت الكاثوليكي. يرى اللاهوت الكاثوليكي أن الروح القدس انبثق من الآب والابن منذ الأزل. وهذا يعني أن الآب لم يعد المصدر الوحيد للألوهة وأن الابن هو مصدر آخر لها. وبما أن مبدأ الوحدة في الألوهة لا يعود محصوراً من جراء ذلك بأقنوم الآب، فإن الكثلكة تجد مبدأ الوحدة في الجوهر الخاص بالأقانيم الثلاثة. في الأرثوذكسية مبدأ وحدة الله مبدأ شخصي، وهو ليس كذلك في الكنيسة الكاثوليكية.
ولكن ماذا تعني كلمة (منبثق) ؟ ما من شيء يمكن تفسيره إلا إذا فهم جيداً معناه. تؤمن الكنيسة بأن المسيح عرف مولدين: مولداً أزلياً، وآخر محدداً في الزمان. ولد من الآب (قبل كل الدهور) كما ولد من العذراء مريم في عهد هيرودوس ملك يهوذا وأوغسطس إمبراطور روما. كذلك ينبغي بالطريقة نفسها إجراء تمييز جلي بين الانبثاق الأزلي للروح القدس وبين رسالته الزمنية، أي إرساله إلى العالم: فالانبثاق يخص العلاقات الموجودة في الألوهة منذ الأزل، والرسالة تخص علاقة الله بالخليقة. وحينما يقول الغرب إن الروح القدس منبثق من الآب والابن، وتقول الأرثوذكسية إنه منبثق من الآب وحده، فإن كلاً من الطرفين لا يشير إلى الفعل الخارجي للثالوث تجاه الخليقة، بل إلى بعض العلاقات الأزلية الموجودة في الألوهة، وهي علاقات كانت موجودة قبل وجود العالم. ولكن في حين أن الأرثوذكسية لا تتفق مع الغرب حول الانبثاق الأزلي للروح القدس، فإنها تتوافق معه بشأن رسالة الروح القدس إلى العالم وتقول بأن الروح القدس مرسل من الابن وأنه فعلاً (روح الابن).
والموقف الأرثوذكسي مرتكز على قول المسيح: (ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي ينبثق من الآب، فهو يشهد لي) (يوحنا، 26:15). المسيح يرسل الروح القدس، لكنّ الروح القدس ينبثق من الآب: هذا ما يعلّمنا إياه الكتاب المقدس، وهذا هو مضمون الإيمان الأرثوذكسي. على أن ما لا تعلّمه الأرثوذكسية وما لم يقله الكتاب المقدس أبداً، هو أن الروح القدس ينبثق من الابن.
والموقف بالنسبة للغرب هو أن الروح القدس ينبثق أزلياً من الآب والابن. وخلافاً لذلك أكد القديس فوتيوس الكبير أن الانبثاق الأزلي هو من الآب وحده وأن الإرسال إلى العالم هو من الابن. لكن الكتّاب البيزنطيين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر – نخص منهم بالذكر غريغوريوس القبرصي بطريرك القسطنطينية من السنة الـ1283 إلى الـ1289 وغريغوريوس بالاماس – ذهبوا في ذلك أبعد ممّا ذهب إليه فوتيوس الكبير، محاولين ردم الهوة بين الشرق والغرب. إنهم اتفقوا ليس فقط على القبول بالرسالة الزمنية، بل كذلك بالظهور الأزلي للروح القدس بواسطة الابن. وحيث تحدّث فوتيوس عن مجرد علاقة زمنية بين الابن والروح، فقد وجدوا علاقة أزلية. لكن غريغوريوس القبرصي وغريغوريوس بالاماس يشاطران فوتيوس الرأي حول النقطة الأساسية: فالروح القدس يظهر بواسطة الابن، لكنه لا ينبثق من الابن، والآب هو الأصل الوحيد والمصدر الوحيد والعلة الوحيدة للألوهة.
تلك هي مواقف كل الكنيستين في خطوطها العريضة. ولنر الآن ما هي اعتراضات الأرثوذكسيين على الموقف الغربي. زيادة عبارة (والابن) تؤدي إلى ازدواجية في الألوهة أو إلى بدعة شبيهة ببدعة سابليوس {سابليوس أحد هراطقة القرن الثاني، ادّعى أن الآب والابن والروح القدس ليسوا بأشخاص ثلاثة مختلفة، بل مظاهر أو أشكال مختلفة للألوهة الواحدة}. ويتساءل الأرثوذكسيون، لو كان الابن كما الآب، مبدأ الألوهة ومصدرها، أفلا يكون قد وُجد إذّاك مصدران مستقلان أو مبدآن مختلفان في الثالوث ؟ حتماً لا، لأن ذلك يوازي الاعتقاد بوجود إلهين. وبالتالي فإن مجمعي ليون (1274) وفلورنسه (1438 – 1439) عنيا عناية فائقة في مجال الإقرار بأن الروح القدس منبثق من الآب والابن، (كما من مبدأ واحد) (Tanquam ex uno principo). ولكن من وجهة النظر الأرثوذكسية، هذا لا يكفي ويبقى الأمر شائكاً، إذ في حين يتجنب هذا التفسير الازدواجية في الألوهة، يبقى أن أقنومي الآب والابن يجري ضمهما وخلطهما. الآباء الكبادوكيون كانوا يرون في (الملكية) الخاصة المميّزة للآب، فهو وحده المبدأ ضمن الثالوث. لكنّ اللاهوت الغربي ينسب تلك الخاصة للآب والابن على حدّ سواء، فيمزج بذلك بين الأقنومين ليجعلهما أقنوماً واحداً. أليس ذلك نوعاً جديداً من (السابليوسية) أو بالأحرى (وحشاً شبه سابليوسي) {P، G،cii 289 B} على حدّ تعبير القديس فوتيوس.
ولندرس عن كثب تهمة شبه السابليوسية هذه. للاهوت الثالوثي الأرثوذكسي مبدأ في الوحدة شخصي، لكن الغرب يجد المبدأ الوحدوي في جوهر الله. ويبدو للأرثوذكسيين أن الطبيعة المشتركة تطغي في اللاهوت الكلامي اللاتيني على الأقانيم وأنه ينظر إلى الله ليس بتطلعات ملموسة وشخصية، بل كجوهر يميّز فيه علاقات متنوعة. هذا النوع من التفكير يبلغ ذروته مع القديس توما الأكويني الذي ذهب إلى حدّ الخلط بين الأقانيم والعلاقات (Personae sunt ipsae relationes) {الخلاصة اللاهوتية، 1، السؤال 40 البند الثاني}. ذلك من شأنه – عند المفكرين الأرثوذكس – أن يعطي فكرة فقيرة عن الشخصية. فالعلاقات، كما يقولون، ليست هي الأشخاص. إنها الخصائص الشخصية للآب والابن والروح القدس. وكما يقول غريغوريوس بالاماس: (إن الخصائص الشخصية ليست الشخص، لكنها تميّز الشخص) {مذكورة في ج. مايندورف، (مدخل لدراسة غريغوريوس بالاماس)، ص294، باريس، 1959}. والعلاقات، على الرغم من أنها تشير إلى الأشخاص، لا تستنفد بأي حال سرّ كلّ منهم.
والمدرسة الكلامية اللاتينية، في تشديدها على الجوهر إلى هذا الحد، على حساب الأقانيم، هي أقرب لأن تجعل الله فكرة مجرّدة. فيصبح كائناً بعيداً، غير شخصي، يُبرهن على وجوده بالحجج الماورائية، ويصبح إله الفلاسفة وليس إله ابراهيم واسحق ويعقوب. والأرثوذكسية بخلاف ذلك أقل شغفاً بالبراهين الفلسفية حول وجود الله. فالمهم ليس ما يبديه المرء من آراء بشأن الألوهة، بل المهم أن يجد لنفسه لقاء مباشراً ومعاشاً مع إله حيّ وشخصي.تلك بعض الأسباب التي من أجلها ينظر الأرثوذكسيون إلى زيادة عبارة (والابن) على أنها خطرة، إذ تخلط بين الأقانيم وتهدم التوازن الصحيح بين الوحدة والتعدد في الألوهة، وتشدد على وحدة الإله على حساب ثلاثيته. فيعتبر الله بمثابة جوهر مجرّد أكثر مما يعتبره شخصية حيّة.
ثم إن زيادة عبارة (والابن) تولّد لدى الكثيرين من الأرثوذكسيين انطباعاً بأن الروح القدس في التفكير الغربي، أصبح خاضعاً للابن، إن لم يكن نظرياً فتطبيقياً على نحو أكيد. فالغرب لا يولي الانتباه الكافي لعمل الروح القدس في كلّ من العالم والكنيسة والحياة اليومية لكل إنسان.
ويرى المؤلفون الأرثوذكسيون أيضاً أن هاتين النتيجتين الناجمتين عن زيادة عبارة (والابن)، أي تبعية الروح القدس والتركيز المتطرّف على وحدانية الله، أدتا إلى خلق تشويه في العقيدة الكاثوليكية المتعلقة بالكنيسة. وبما أنه لم يُكترث في الغرب لدور الروح القدس، أخذ يُنظر إلى الكنيسة على أنها مؤسسة من مؤسسات هذا العالم تحكم حسب منطوق السلطة الزمنية. وكما أنه شدّد على وحدانية الكنيسة على التعددية فيها، وقد نجمت من ذلك مبالغة في المركزية وأهمية بارزة جداً للسلطة البابوية.
Published on December 25, 2019 07:31
No comments have been added yet.


