لهيب الأحاسيس: قصة ليست رومانسية (لكاتبها مصطفى محسن)

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وآله وصحبه إلى يوم الدين.أما بعد،
فإن الفاضل المبارك مصطفى محسن هو ممن انتفعت كثيرًا بمطالعة كتاباتهم منذ 2016م وحتى اليوم، وظلت بعض كلماته راسخة في ذاكرتي لما تحمله من قوة ودلالة.
إحدى هذه الكلمات هي قوله: "لكي تثني الحديد الصلب بكل سهولة، كل ما عليك أن تفعله هو أن تسخنه إلى درجة الاحمرار، عندئذ سيَلِين ويصبح من السهل ثنيُه، ثم عندما يبرد سيتصلب في شكله الجديد"، وهي معبرة بما يكفي لنقلها دون تعليق.
ولتتم الفائدة، فقد نقلت القصة التي تتضمن هذه الكلمة كاملة، ليعم الانتفاع بها. فجزى الله صاحبها خير الجزاء، ونفعنا جميعًا بما نقول ونسمع.
--
النص الأصلي:
"لهيب الأحاسيس: قصة ليست رومانسية=====================
نظر إليها بعينين مغرورقتين بالدموع قائلاً: “أهو الفراق إذاً؟؟”فأجابت مقاومة مشاعرها المتضاربة: “أنت تعرف أن الأمر ليس بيدي، أنت تعرف وضع والدي السياسي، وسمعة والدك تهدد العمل الإسلامي بالخطر، وقد حكم الشيخ بالتفريق بيننا و...”[١]فقاطعها محتداً: “ومن الذي نصب الشيخ قاضياً بيننا؟؟!! ومن الذي قال إنه قد أحسن تقدير الموقف؟؟!”قالت بصوت متحشرج وعينين دامعتين: “سامحني، ليس الأمر بيدي”
هنا ازدادت مشاعره غلياناً، وبدأ يفقد إحساسه بالعالم الذي يجري حوله، بل من كل شيء إلا من فكرة واحدة...
*****
هرول أحمد مسرعاً ليلحق بزملائه في حصة العلوم. كان أحمد يعشق مادة العلوم، لطالما استهوته التجارب العلمية والغرائب التي يطلعهم عليها المدرس. هرول لكي لا يتأخر على موعد الحصة، رغم أنه يعرف أن المدرس لا يعاقب أحداً، لكنه خشي أن يفوته جزء من الإثارة العلمية!
ما أن دخل الفصل حتى دخل مدرس العلوم معه. وبعد أن حياهم وحيوه، وقف أمام التلاميذ ممسكاً بقضيب معدني سميك سائلاً إياهم: “من منكم يستطيع ثني هذا القضيب بأصبعين؟”نظر إليه التلاميذ مشدوهين ولم يردوا منطقاً، وكذا فعل أحمدفقال المدرس وعلى وجهه ابتسامة ذات مغزى: “لكي تثني الحديد الصلب بكل سهولة، كل ما عليك أن تفعله هو أن تسخنه إلى درجة الاحمرار، عندئذ سيَلِين ويصبح من السهل ثنيُه، ثم عندما يبرد سيتصلب في شكله الجديد”
*****
“آآآآآآآآآآآآآآآه!!!!!”صرخ الشيخ من ألم الكهرباء السارية في جسده عبر أسلاك عديدة! ولم يكن ما أصابه من ألم الكهرباء بأقل من الفزع الذي أصابه من تلك النظرة الشامتة التي في عيني العسكري المسؤول عن تعذيبه، ومن التلذذ الذي في عيني الضابط الذي يقف بجواره“هاتقول ولا إيه يا عم الشيخ؟؟”“والله العظيم ما اعرف حاجة! أنا من البيت المسجد ومن المسجد لل... آآآآآآآآآه”“مانتا هاتقول يعني هاتقول يا ابن *** الكلب!”
وبعد انتهاء جلسة التعذيب، ألقاه ذلك العسكري في الزنزانة مع الباقين، فانزوى في ركن يبكي ويرتعد. فاقترب منه رجل ذو لحية طويلة شعثاء يظهر عليه علامات الشقاء:“إنت هنا ليه يا شيخ؟”“والله العظيم ما اعرف!”“احكيلي إيه حكايتك”“ولا حاجة، خارج من درس العقيدة لقيت البوكس مستني، أخدوني وحبسوني في الحجز ٣ أيام متغمي وعريان، وبعد كده عمالين بيكهربوا فيا! ولا أعرف حاجة عن أهلي ولا هما يعرفوا حاجة عني!”“إنت اتكلمت في الجهاد أو التكفير أو تعرف حد بيتكلم فيهم؟”“لا أبداً والله عمري! ده أنا حتى بادرس عقيدة وفاهم المواضيع دي كويس!”“هما الكفار دول كده، بياخدوا عاطل في باطل!”
شرد ذهن الشيخ وكلمة واحدة تتردد فيه
*****
“لكي تثني الحديد الصلب بكل سهولة، كل ما عليك أن تفعله هو أن تسخنه إلى درجة الاحمرار، عندئذ سيَلِين ويصبح من السهل ثنيُه، ثم عندما يبرد سيتصلب في شكله الجديد”
*****
كان عبد الناصر عدواً صريحاً لكل ما هو إسلامي، فهو الذي اعتقل الآلاف الإخوان، وأمر بإعدام سيد قطب، وقام بإلغاء المحاكم الشرعية، وكان يتهكم على الشعائر الإسلامية كالحجاب، وكان يشيع العري والفجور وشرب الخمر، وترك خلفه تراثاً من الكفر والفجور لاتزال آثاره مرئية إلى الآن
ولكن نشأت من بعده ناشئة من الفتية الغيورة على الإسلام الحاملة لرسالته، كانوا يدعون إلى التوحيد والسُّنة والعودة إلى الإسلام الصافي الخالص، جعلوا أكبر اهتمامهم بالعقيدة الإسلامية، ومن هنا بدأ مفهوم (السلفية) في الانتشار، وانطلق دعاتهم يواجهون ما أصاب أمتهم من تنحية لشرع الله وسلوك للطريق الديمقراطي المعارض لأصول التوحيد. ولكن...
*****
“لكي تثني الحديد الصلب بكل سهولة، كل ما عليك أن تفعله هو أن تسخنه إلى درجة الاحمرار، عندئذ سيَلِين ويصبح من السهل ثنيُه، ثم عندما يبرد سيتصلب في شكله الجديد”
******
انتهت الإجراءات الرسمية بسرعة وبدون تعقيدات، إلا أنها خلَّفت وراءها نفساً مشتعلة بمزيج مشتعل من الحزن والكراهية والغضب والرغبة في الانتقام! نظر إليها نظرة أخيرة بعينين كفوَهَتَي بركان يتطاير منهما الحمم مما أثار رُعبها! ليست هاتان عينَي زوجها السابق الذي عرفته متديناً وديعاً صافي النفس محباً للعلماء! هاتان عينا رجل ينوي الشر. قالت هذا رغم أنها لم تسمع ما كان يقول لنفسه في هذه اللحظة:“إن ذلك الشيخ الذي حرمني من زوجتي لهو منافق مجرم! هم جميعاً كذلك! ولن تمر جريمته هكذا من غير ثأر!”
*****
“وبهذا، تكون النتيجة النهائية لانتخابات رئاسة جمهورية مصر العربية، التي جرت يومي ١٦ و١٧ من يونيو سنة ٢٠١٢، هي كالآتي:....ما حصل عليه كل مرشح:الدكتور أحمد محمد شفيق زكي: ١٢,٣٤٧,٣٨٠، بنسبة ٤٨،٢٧٪الدكتور محمد محمد مرسي عيسى العياط: ١٣,٢٣٠،١٣١ بنسبة ٥١,٧٣٪
*****
"بسم الله الرحمن الرحيم... شعب مصر العظيمإن القوات المسلحة لم يكن فى مقدورها أن تصم آذانها أو تغض بصرها عن حركة ونداء جماهير الشعب التى إستدعت دورها الوطنى وليس دورها السياسي على أن القوات المسلحة كانت هي بنفسها أول من أعلن ولا تزال وسوف تظل بعيدة عن العمل السياسي.ولقد إستشعرت القوات المسلحة -إنطلاقاً من رؤيتها الثاقبة- أن الشعب الذى يدعوها لنصرته لا يدعوها لسلطة أو حكم وإنما يدعوها للخدمة العامة والحماية الضرورية لمطالب ثورته ... وتلك هى الرسالة التى تلقتها القوات المسلحة من كل حواضر مصر ومدنها وقراها وقد إستوعبت بدورها هذه الدعوة وفهمت مقصدها وقدرت ضرورتها وإقتربت من المشهد السياسى آملة وراغبة وملتزمة بكل حدود الواجب والمسؤولية والأمانة.....اتفق المجتمعون على خارطة مستقبل تتضمن خطوات أولية تحقق بناء مجتمع مصري قوي ومتماسك لا يقصى أحداً من أبنائه وتياراته وينهى حالة الصراع والإنقسام ... وتشتمل هذه الخارطة على الآتي:- تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت.- يؤدى رئيس المحكمة الدستورية العليا اليمين أمام الجمعية العامة للمحكمة.- إجراء إنتخابات رئاسية مبكرة على أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الإنتقالية لحين إنتخاب رئيسً جديد.- لرئيس المحكمة الدستورية العليا سلطة إصدار إعلانات دستورية خلال المرحلة الإنتقالية.- تشكيل حكومة كفاءات وطنية قوية وقادرة تتمتع بجميع الصلاحيات لإدارة المرحلة الحالية....حفظ الله مصر وشعبها الأبى العظيم ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
*****
“لكي تثني الحديد الصلب بكل سهولة، كل ما عليك أن تفعله هو أن تسخنه إلى درجة الاحمرار، عندئذ سيَلِين ويصبح من السهل ثنيُه، ثم عندما يبرد سيتصلب في شكله الجديد”
*****ظلت كلمة “هؤلاء الكفار” تتردد في ذهن الشيخ، ظل يفكر فيها طويلاً، ناسياً سنوات من طلب العلم وتحرير عقيدة أهل السنة والجماعة بعد أن أصابته صدمة الاعتقال والتعذيب والسجن
“لا شك أن هؤلاء جميعاً كفار! هل تصدر هذه الأفعال من مسلمين؟؟ هذا يسب الدين، فهو كافر بالإجماع، وهؤلاء يساعدونه على كفره، فلا شك أنهم كفار مثله، هذا الجهاز بأكمله كفار مرتدون بلا ريب!” قال لنفسه بصوت خفيضسمعه صاحبه فقال مؤكداً: “هذا المجتمع كله: أليس يعرف ذلك ويسكت؟ أليس يرضى بهذا الكفر؟ أليس من رضي بالكفر كافراً؟”فأجابه بشرود: “بلى، هذا مجتمع كافر لا مقام لنا فيه”
*****
“لكي تثني الحديد الصلب بكل سهولة، كل ما عليك أن تفعله هو أن تسخنه إلى درجة الاحمرار، عندئذ سيَلِين ويصبح من السهل ثنيُه، ثم عندما يبرد سيتصلب في شكله الجديد”
*****
في تمام السادسة، بدأت قوات الداخلية المصرية في التحرك تجاه ميدانَي رابعة العدوية والنهضة، إنذارات صوتية، ثم قنابل غاز مسيل للدموع، ثم سيل لا ينقطع من الرصاص الحي والقنابل، الجثث تتساقط، الدماء تسيل، الصراخ يتعالى، كل من في منزله يريد النزول لينقذ إخوانه ولا يستطيع، كل من يحاول إنقاذهم يكون من نصيبه رصاصة في الصدر أو في الرأس..
مئات، بل آلاف القتلى، أنهار من الدماء، جرحى لا يجدون من يسعفهم، قوات غادرة لا تراعي ديناً ولا مروءة، نار مشتعلة من كل جانب، كل هذا ليس في ميدان قتال، بل في ميدان اجتمع فيه متظاهرون سلميون فرغوا قبل قليل من صلاة الفجر
فيالها من صدمة!!
*****
“السياسة تعتبر لعبة، وليست لعبة بمعنى تهريج, لكن لعبة بالدين، لها قواعد وقوانين تحكمها, فالسياسة تقوم على المصالح ولا تعرف المبادئ, تعرف القاعدة المكيافلية: الغاية تسوغ الوسيلة, وما أكثر الأساليب الحزبية والسياسية المعروفة, والواقع في عامة البلاد الإسلامية أن دخول هذه الحلبة والمشاركة في هذه اللعبة يستلزم دفع ضريبة, والسلفية بالذات إذا دفعت هذه الضريبة فسوف تفقد أهم مقوماتها وأهم أسباب وزنها وثقلها واستقامتها على الشرع الشريف, وهذه الضريبة ثمنها فادح, وسوف نوضح هذا إن شاء الله تعالى فيما بعد, ونوضح أن السلفيين لا يستطيعون أن يدفعوا هذه الضريبة”
--محمد إسماعيل المقدم
***
“لكي تثني الحديد الصلب بكل سهولة، كل ما عليك أن تفعله هو أن تسخنه إلى درجة الاحمرار، هناك سيَلين ويصبح من السهل ثنيُه، وعندما يبرد سيتصلب في شكله الجديد”
*****
وقف المحاضر أمام الطلبة الذين يتأهلون ليمارسوا عملهم كاستشاريين نفسيين محدثاً إياهم قائلاً:“إن النفس البشرية من أعقد المخلوقات في هذا الكون، ولا يبعد أن تكون أعقدها على الإطلاق. هذه النفس هي عبارة عن مجموعة متمازجة من الأفكار والاعتقادات والمبادئ والأحساسيس، تتفاعل مع بعضها البعض طول الوقت، ولا تكاد تستقر على حال، وهذا مُشاهد معلوم.
“إن المبادئ التي تعتنقها هذه النفس تختلف باختلاف درجات تمسكها بها، لكن بينها قاسماً مشتركاً واحد: أنها مهما بلغت من الصلابة، فإنها مع التسخين (نقص أو زاد) تلين ويسهل تشكيلها، فإذا بردت احتفظت بشكلها الجديد، وصعب إعادة تشكيلها بعد ذلك.”
هنا اشرأب إليه عنق أحد الطلبة لهذه العبارة الأخيرة! تذكر تلك العبارة التي قالها له مدرس العلوم منذ سنوات طويلة عندما سألهم عن كيفية ثني الحديد بأصبعين، إلا أنه لم يربطها قط بالنفس البشرية وبما يصيبها من تقلبات مفاجئة، فشرد ذهنه طويلاً ولم ينتبه إلى أن انتهت تلك المحاضرة الطويلة
عندما همّ المحاضر بالخروج، لحقه أحمد بسرعة ليسأله:“أستاذ، هناك أمر عجزت طويلاً عن أفهمه ويسبب لي اضطراباً شديداً وقلقاً بالغاً وحسرة عظيمة”فالتفت إليه الأستاذ مرعياً إياه انتباهه:“تفضل يا أحمد”“يا أستاذ، هذه التقلبات العجيبة التي تصيب معظم المنتمين لما يسمى بالتيار الإسلامي! لا أرى فئة إلا وأصابها تقلب شديد، الشيوخ، الشباب، العلماء، الدعاة، السياسيون، العامة، كلهم أصابتهم تقلبات شديدة، بالأمس كانوا يدعون إلى أمر، واليوم إلى ضده، ومنهم من أمضى عمره يحارب منهجاً وفكراً، فإذا به صار هو من يأمر أتباعه بالتضحية بحياتهم في سبيله! حتى الشباب الذين نظن فيهم الوعي، نراهم يتقلبون كموج البحر! ليس يعنيني الحكم على أي من المواقف بالصواب أو بالخطأ، ولكن الذي يؤلمني هو هذا الاضطراب! لماذا يا أستاذ؟!!”
صمت الأستاذ لحظات كأنه يستجمع أفكاره، ثم تنهد تنهيدة تعبر عن ما يجول في صدره كذلك، ونظر في عَينَي تلميذه وقال بصوت متزن:
“الأمر يا أحمد يحتاج إلى تصور صحيح للمشهد حتى نفهم ما جرى. فدعني أقص عليك بشيء من التفصيل، ثم بعد ذلك نحلل الوضع الراهن.
“بعد عقود من القهر والكبت والإحساس بالغربة وتغييب الدين، وبعد سنوات وسنوات من النضال والصبر على الأذى والابتلاء والإحساس بالغربة، فجأة وجد ’الإسلاميون’ أنفسهم في حرية لم تكن تحلم بها نفوسهم! في لحظة غير متوقعة وجدوا أن الطاغية الأكبر الذي طالما وطأت أقدام جنوده أحلامهم وأجسامهم قد تنحى عن الحكم، وانفتحت السماء بسيول من الحريات غير المنتظرة! فكانوا كمن انتقل مباشرة من جو شديد الحرارة إلى جو شديد البرودة، وهذه هي لحظة الصدمة!
“في أوقات الصدمات، تكون المشاعر شديدة للغاية حتى إنها لتطغى على الفكر والعقل، أتذكر ماذا أصاب الفاروق -رضي الله عنه- لحظة صدمته بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذه هي لحظة الصدمة. وهذه الصدمة هي التي أصابت ما يسمى بالتيار الإسلامي! هذه الأحاسيس الناتجة عن الصدمة هي النار اللازمة لإذابة حديد المبادئ والمعتقدات
“هل سمعت عن جماعة التكفير والهجرة؟ هذه جماعات نشأت في السجون تحت وطأة التعذيب والاضطهاد الشديدين في سجون عبد الناصر، حيث كانت المعتقلات هي البيئة الخصبة لنشوء تلك الأفكار، حيث أدى التعذيب الشديد إلى إذابة المبادئ التي دخل بها البعض لتحرك في اتجاه تكفير المجتمع بأكمله من غير رابط ولا ضابط من عقل ولا شرع. وفي المقابل، إحدى الجماعات التي اشتهرت بالعنف، عندما دخل أعلامها في فرن التعذيب شديد الحرارة ذابت مبادئهم وانصهرت وتمت إعادة تشكيلها في قالب جديد من أجل الدفاع عن جلاديهم وألفوا في ذلك ونظّروا له.
“أسمعت القصة التي قصصتُها عليكم اليوم كمثال للتقلبات النفسية المفاجئة؟”
فأجاب أحمد في حرج: “الصراحة لا، كان ذهني شارداً”
فأكمل الأستاذ متفهما: “كان ذلك الشاب معروفاً بتيدنه وحُبه للصالحين، وكان يحب زوجته حباً بالغاً، إلا أنه، ولظروف تتعلق بسمعة أبيه السيئة، وبما يؤدي إليه ذلك من شوشرة على أبيها ال‍داعية والسياسي المعروف، قضى أحد الشيوخ بالتفريق بينهما، فكانت صدمة لم يحتملها، خاصة مع إحساسه البالغ بالظلم، ففي لحظة قصيرة زال كل ما كان يحمل في نفسه من حب للعلماء والشيوخ وقرر أن ينتقم من ذلك الشيخ، ولولا أن الله سلم لكانت سكينُه قد ذبحت ذلك الشيخ كما تذبح النعجة! أرأيت كيف أن الصدمات والمشاعر العنيفة يمكنها أن تغير تقلب معايير الإنسان رأساً على عقب؟”
“ وهذا هو ما حصل تماماً مع من تشكو حالهم يا أحمد، لقد تعرض هؤلاء لعدد من الصدمات كان لها الأثر البالغ في التنازل السريع عن المبادئ التي قامت عليها دعواتهم عقوداً كاملة: صدمة الحرية المفاجئة، ثم صدمة الوصول إلى السلطة، ثم في مقابلهما صدمة الانتزاع المفاجئ للسلطة، وصدمة المذبحة البشعة التي لم تكن تخطر على بال أحد التي أصابت إخوانهم! تماماً كمن قُذِف فجأة في مغطس من الماء المثلوج، ثم نُزع منه وألقي في قِدر من الماء المغلي! ومع كل صدمة ترى انثناءً جديداً للمبادئ والمقالات، وانتقالاً من ضد إلى ضده، وقليل من الناس من يسلم من مثل هذا، فالنفس البشرية واحدة، والأمر لا علاقة له بكون فلان شيخاً أو عالماً أو غيره، بل بما نعرفه (بالاتزان الانفعالي)، والذي لا يتمتع أكثر الناس بقدر كاف منه يؤهلهم للثبات في مواجهة تلك الصدمات.
“إن تغيير المبادئ المبني على تأمل عقلي أو معطيات جديدة هو من الظواهر الصحية ومن لوازم المنهجية العلمية، أما تغييرها في لحظات الانفعال الشديد، فهذا يجب أن تعلم أنه ليس إلا من تأثير تلك الخصيصة من خصائص النفس البشرية: أنها في لحظات الانفعال العارمة تلين تماماً كما يلين الحديد عندما يتعرض للنار. فإنها مع التسخين (نقص أو زاد) تلين ويسهل تشكيلها، فإذا بردت احتفظت بشكلها الجديد، وصعب إعادة تشكيلها بعد ذلك.”
هنا أطرق أحمد برأسه قليلاً، ثم رفعها إلى أستاذه ناظراً بعينين زائغتين، وقال بصوت خفيض: “أشكرك يا أستاذ، فقد أجليت لي ما كان مصدراً لهمٍّ شديد”
فأجابه الأستاذ ناظراً إليه بعينين أبويتين: “لا شكر على واجب يا أحمد. أنت صاحب رسالة وصاحب هدف، فأرجو أن تمارس دورك المهني والأخلاقي في توعية الناس لهذه المفاهيم، فنحن في مرحلة تحتاج إلى الاتزان الانفعالي أكثر من أي وقت مضى، فأدِّ ما عليك تجاه أمتك وانشر الوعي وساعد الناس في الخروج من هذا التيه الذي وقعوا فيه، وأجرك على الله”
“سأفعل بإذن الله يا أستاذ، سأفعل، شكر الله لك”
*****
تمت بحمد الله
[١] هذا السطر وحده هو جزء من قصة حقيقية لشخصية معروفة
هذه القصة تابعة لمقالتَي:مرحباً بكم في مزرعتي السعيدةhttps://www.facebook.com/mustafaelmasry/posts/10202681653101515ولماذا أكتب عن المزرعة السعيدةhttps://www.facebook.com/mustafaelmasry/posts/10202686541343718"
تم النص بحمد الله.

الخميس 1441/2/18هـ
2019/10/17م

 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on October 17, 2019 23:04
No comments have been added yet.


البراء بن محمد's Blog

البراء بن محمد
البراء بن محمد isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow البراء بن محمد's blog with rss.