الجري وراء الشهرة

عزة الكميانينلاحظ أن هناك غيرة بين مشاهير (السوشل ميديا) إذا قُدِّمت لشخص دعوة للقاء أو مناقشة أمر ما ولم تقدم للآخر!!البعض يسعى للشهرة بكل الطرق، والبعض الآخر زُجَّ به في الشهرة غصبًا عنه – لأنه شغل منصب مرموق وظهوره في الإعلام شيء حتمي دائمًا أو وظيفته تحتم عليه الظهور في شتى وسائل الإعلام أو للجمهور باستمرار- وهناك أيضًا من ينأى عن الشهرة ويبذل قصارى جهده حتى لا يقع في فخها، وسأضرب مثالًا بنفسي، بالرغم من أنني جاءت لي عروض كثيرة للمشاركة في لقاءات إذاعية وتلفزيونية وملتقيات ثقافية للحديث عن إصداراتي وعن تجربتي الكتابية أو للحديث عن أحد المواضيع الاجتماعية إلا أنني أقدم اعتذاري في كل مرة باحترام، ولا يوجد سبب لعدم المشاركة إلا أنني لا أريد الظهور والشهرة، أحب العيش بعيدًا عن الأضواء.البعض يسعد حينما يذهب إلى أي مكان والكل يشير إليه، بينما أنا أنأى بنفسي عن ذلك، وأشعر بالربكة وكأنني أحمل لقبًا أكبر مني، وخاصة حينما أحضر مجلس نسائي فتعرّفني إحداهن قائلة: هذه الكاتبة والروائية عزة الكمياني، أو حينما أجد أحدًا يعرفني في مكان ما، فيسعى للتعريف بي للآخرين, ظنًا منه أن هذا يسعدني، بينما أرى أن هذا مُربك جدًا! فأن تحمل لقبًا ينبغي عليك أن تكون على قدر هذا اللقب، فتشعر بثقله، بينما حينما تمضي دون ألقاب فأنت تشعر بالخفة، وتظل على سجيتك دون أن تخشى شيئًا.بالتأكيد أن أي شخص يسعى للتميز، ولكن بالنسبة لي التميز بالأخلاق، والذوق، وبطريقة التصرف الصحيحة، وبالعمل الجاد، وليس بحمل ألقاب هي أكبر من حجمنا.ربما لا يفهم البعض لما هذا الرفض لكل العروض التي يسيل لها لعاب الكثيرون، هناك أسباب كثيرة لا أود الخوض فيها، وربما البعض لن يتفهمها، ولكن أحد هذه الأسباب أن الظهور إعلاميًا سوف يكلفني جهدًا كبيرًا، وسوف تصبح المسؤولية أكبر، وربما إذا فتحت الباب سوف تنهال عليّ العروض أكثر وأكثر، ولن أستطيع الرفض لأنه سيخلق حساسيات كثيرة، وسوف يتساءل البعض: لما قبلت دعوتهم ولم تقبل دعوتنا! وأنا لست مهيَّأة جسديًا ولا نفسيًا لذلك، يكفيني تعب وهم الكتابة.وكم من عروض تلقيتها ذهبت بسرعة لنساء أخريات لأنني رفضت العرض، والمضحك في الأمر أن البعض يقول: إن رفضت العرض فسيذهب لفلانة، وأرد قائلة: فليذهب، هي اختارت الشهرة، وأنا اخترت الانضواء بعيدًا عنها.وأكثر من يصاب بالخيبة كلما رفضت عرضًا هم أفراد أسرتي، حتى أنني في الشهر الماضي جاءني عرض للمشاركة في برنامج تلفزيوني - بمقابلٍ مادي - ورفضت كالعادة، وقبل أشهر قدمت لي دعوة للمشاركة في مؤتمر عالمي، وتقديم ورقة في موضوعٍ ما، ولكنني ضحكت يومها، وقلت: (أول أظهر في برنامج صغير وبعدين مؤتمر، لا لا يمكنني ذلك).وقد تعرَّضت لضغط من أسرتي الحبيبة للموافقة، وحاولوا إقناعي بشتى الطرق، قلت لهم: أنا لا أحتاج للإقناع بقدر حاجتي لإبعاد الخوف عني من فوبيا الشهرة. فعلًا أنا أعاني من فوبيا الشهرة، يُخيفني الأمر جدًا أن أصبح مشهورة، ويعرفني الناس في كل مكان أذهب إليه مثل الممثلين والمذيعين ومشاهير العالم! حتى لو كانت شهرة محدودة فإني لا أريدها.وخاصة أن الشهرة باتت سهلة جدًا، حتى لو لم تعمل شيئًا مفيدًا للعالم، وأكثر ما يخيفني من الشهرة أن تبجَّل أعمالي وينظر لها على أنها أعمالٌ عظيمة، وهي لا تستحق ذلك إلا لأنني أصبحت مشهورة. وأكثر ما أخشاه أن تنسيني الشهرة نفسي، فالحياة وحدها تجعلنا نخرج عن أطوارنا، وعن ذواتنا، فإن أضيفت إليها الشهرة ازداد الأمر تعقيدًا، وقد رأيت بشرًا كيف ضخَّمت الشهرة ذواتهم، وانسلخوا عن قيمهم، بالرغم أنهم لم يقدموا للبشرية شيئًا مفيدًا، أو ربما قدَّموا ولكن أشياء دنيوية لا قيمة لها في الآخرة حيث يختلف مقياس العمل والميزان عن المقاييس الدنيوية.ولا زلت أذكر حينما أخبرت أحد الأخوة كيف منعت التصوير أثناء توقيع كتبي، تعجب قائلًا: أول مرة أرى شخصًا مثلك، أتعلمين ماذا يعني أن تنشرِ رواية رائعة؟! يعني أنكِ يمكن أن تدخلِ من أوسع أبواب الشهرة. كنت أريد أن أقول له: أعلم ذلك، وأعلم أنه بعد الدخول من باب الشهرة سوف يمكنني ساعتها الدخول من الأبواب الشرفية أيضًا، وأن أحقق مكاسب كثيرة، وأعلم أيضًا أن ذلك قد يسبب الكثير من المشاكل والمتاعب، ولكنني لم اشأ أن أشرح له أكثر، علمًا أنه رجلٌ متدين، وكان من المفترض أن يعلم أن المشاكل التي تقع فيها المرأة إذا دخلت من باب الشهرة تكاد تكون أكبر وأعظم من لو دخله رجل، ولأنني لا أريد أن أشرح أكثر اكتفيت بالرَّد عليه: ولكنني لا أريد هذه الشهرة!العجيب أنني حينما رفضت التصوير أثناء توقيع كتبي، عرَّف البعض نفسه بأنه صحفي، لكنني قلت لهم باحترام: أنا أرفض نشر صوري. قالوا: نريد أن نكتب عن الرواية. قلت لهم: حسنًا هذه الكتب صوروا واكتبوا عنها. ولكن عندما دخلت حسابات بعض الجهات التي صوَّرت الكتب وجدتها لم تنشر شيئًا عن كتبي، ونشرت فقط عن الكَّاتبات اللاتي رضين تصويرهن، وكأن صورتي أهم من الكتاب الذي ألّفته!ولكي لا أعمم، هناك حساب واحد نشر خبرًا وصورة عن حفل التوقيع، لا أعلم لما تصرفوا هكذا، ربما وجدوا أن رفضي للتصوير إهانة لهم، لأنه للأسف لم يعد أحد يهتم لخصوصيات الآخرين ورغباتهم، المهم انتشار حسابات تلك الجهات على حساب نشر صور البشر أيًا كانت، متبرجة أم محتشمة، أم أن نشر الصور تم برضا أولئك البشر أم لا، لم يعد كل ذلك ذا قيمة، فمجرد نشر صورة واحدة في أي موقع سوف تنتشر حتمًا في كل مكان، حتى لو أن الشخص لم ينشرها سوى في حسابه الشخصي، ولا يرضى انتشارها بشكل واسع.أو ربما رأوا أن نشر صورتي أهم من نشر كتبي، فالصورة سوف تحصد (لايكات) كثيرة بينما صورة كتاب كم يا ترى سوف تحصد! وهم بالنسبة لهم جمع (اللايكات) أهم من كل شيء.لست ممن يرضين أن تتناقل صورهن، فما أن ينشرن حرفًا من نصٍ أو قصيدة حتى نشرن صورتهن معها، لكي تحصد مئات (اللايكات) أو ربما الآلاف!فيخدعن أنفسهن أنهن قلن شيئًا عظيمًا، بالرغم أنهن يعلمن أنه لولا وجود صورتهن لما التفت إلى نصوصهن سوى قلة، هم عشاق الحَّرف فعلًا، وليس عشاق الصور والبحلقة والمدح والغزل، ثم من ورائهن يسبوهن ويتكلموا عليهن وعلى شرفهن، وهم لا يعلمون أنهم واقعون في نفس الحفرة؛ فمن يصفق للباطل ويشجعه فهو آثمٌ أيضًا، وكذلك الحديث من ورائهن والوقوع في الأعراض يجلب الكثير من الإثم، لكن للأسف يتم تجاهل ذلك.فإذا كان الرجل ينشر صورته مع زوجته وهم يتحدثون عن وضاعته ودياثته، فما بالكم بمن تنشر صورها وحدها، وما حدث قبل أيام يبرهن أن المجتمع يحتاج لسنوات ضوئية حتى يتغاضى عن نشر النساء صورهن، وحتى يصبح الأمر عاديًا لا يستحق الالتفات، وهذا بعد أن ينسلخ آخر فرد في المجتمع من دينه وأخلاقه، فهناك دائما ستجد من يتهمونه بحارس الفضيلة!هذه بعض الأسباب التي تجعلني أتوارى عن أضواء الشهرة، فراحة البال والسكينة لا تُشترى بالمال، أريد ان أذهب إلى أي مكان دون أن يعرف أحد من أكون، أجلس في مطعم بأريحية دون أن أجد أحدًا يتهامس تلك الكاتبة الفلانية، أو أذهب للتسوق دون أن يلتفت لي أحد، أو أحضر فعالية أو أمسية دون أن يشعر بي أحد، وأريد أن أسافر دون أن يلتفت لجواز سفري أحد، فالصور تُحفظ في الذاكرة أكثر من الأسماء، وكلما ازداد المرء شهرة كلما تعرض لضغوط كبيرة من منظمات وجهات كثيرة، ومن لا يعرف هذه الضغوط فليقرأ سير المشاهير، فمعظمهم كانت نهاياتهم مأساوية، وبالرغم من أنني لم أصبح مشهورة بعد إلا أنني قدم لي عرضًا لتوجيه قلمي بمقابل مادي، ولكن لأن قلمي لا يمكن أن يوجهه أحد رفضت.فبينما أرى الآخرين يبذلون قصارى جهدهم للدخول من باب الشهرة ويتضايقون إن لم يشتهروا ولم تقدم لهم الدعوات، ولم يستقبلوا استقبال الملوك والملكات! أنا أبتعد وأنأى بنفسي عنها، وأتخذ دائمًا موقعًا قصيًا عنها حتى لا تصيبني أضواءها، التي ربما تعميني يومًا عن أشياء كثيرة.لقد حصَّنت نفسي جيدًا ضد الشهرة، ولكنني بالتأكيد أريد لكتبي أن تشتهر، ولكلماتي أن تصل لأبعد مدى، ولكن لا أريد الشهرة لنفسي، ربما تكون معادلة صعبة، فمعظم الكُّتاب المشاهير اشتهروا بسبب برامجهم التلفزيونية أو مقابلاتهم الصحفية أو حتى تعرّفهم على شخصيات مرموقة في المجتمع، أو بسبب وظائفهم التي كانوا يشغلوها، وكل ذلك أدَّى إلى حصولهم على جوائز كثيرة، وانتشار كتبهم التي بيعت منها الملايين، وتخليد أسماءهم مع العظماء، ولقد قال لي كثيرون: إذا لم تشتهرِ فلن تشتهر كتبك. وربما هذه المقولة صحيحة نوعًا ما، ولكنها ليست شرطًا، فلدي أمل أن أصل للعالمية يومًا ما دون أن أضطر للظهور إعلاميا أو نشر صوري في كل مكان، وكله بيد الله تعالى، أريد أن تصل كلماتي لأنها تستحق أن تصل، وليس لأن فلانة المشهورة هي من كتبتها أو نشرتها، ساعتئذ سأتيقن أن كتاباتي تستحق فعلًا.
29 إبريل 2019م
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on December 13, 2019 06:50
No comments have been added yet.


عزة محمد الكمياني's Blog

عزة محمد الكمياني
عزة محمد الكمياني isn't a Goodreads Author (yet), but they do have a blog, so here are some recent posts imported from their feed.
Follow عزة محمد الكمياني's blog with rss.