الساحر.. وصندوق


Image result for high fantasy towerكان يا مكان، في قديم الزمان، ساحر عجوز يسكن وحيدًا برجَه العالي، لا تُرى قمته من الأرض.
عمره ألف عام. أمضاهم منهمكًا بين كتب التعاويذ، أو مرتحلًا بين أركان الأرض. تتابع عليه الملوك والدول. عاصر وقائع كثيرة، واكتسب خبراتٍ تملأ كتبًا سكنت رفوف مكتبته حتى كساها التراب. ثم نظر إلى علمه، واستأثر به. لم يجد في الأرض من يحتمل عبأه.
حدث كثيرًا أن طُلب منه إنقاذ شعب، أو شفاء مريض، إنهاء مجاعة، أو نصرة جيش. حينما يطغى فساد الناس على كل شيء، وتصطبغ حياتهم بالأسود، يسألونه فرصة ثانية. حينما تفقد أضعف الجيوش آخر أمل في النصر، يطلبون منه المدد. حينًا نجح، وحينًا لم يحالفه الحظ. لكنه كان دومًا موجودًا، ولذلك كان كل أهل الأرض شاكرين.
في إحدى الليالي الطويلة، التي يقرر فيها أن يترك الناس يتحملون مسؤولية أفعالهم قليلًا، ليالٍ يمضيها ساهرًا قارئًا كتبه العتيقة، انتهى من إحدى الصفحات وظل يحدق بها، ولم يقلبها. قصة ملكٍ كنز الكنوز، وخزنها، وأغلق عليها الأبواب، ثم بحث عن مشعوذٍ يلقي عليها تعويذة تمنع عنها من كان من غير نسله. مات الملك مع أولاده في وباءٍ مفاجئ، وأمست الكنوز حبيسة سجنٍ لن ينفتح أبدًا. جال بعقل الساحر خاطرٌ غريب: وماذا بعد كل ذلك؟ ما المعنى والفائدة؟ ما الذي يتركه وراءه إن مات اليوم؟
يحمل في فؤاده الكثير.. كنزٌ مدفون لا يحفظ خريطته سواه. هل سيموت معه، ويُغلق عليه أبواب القبر فيستحيل إخراجه بعدها؟ علمه لا يستحقه أحدٌ من بني البشر، لكن جمعهم يحتاجه. معضلة لم يخطر على باله مثلها من قبل.
ترك كتبه، وجلس على كرسيه يفكر حتى نام مهمومًا. استيقظ عند بزوغ أول خيوط الفجر وقد زاره الحل في حُلم. أمضى الشهور التالية بحثًا عن التعويذة المناسبة في كتبه العشرة آلاف.
وجدها.. سافر شرق الأرض وغربها بحثًا عن المقادير المناسبة. اضطر لقتال السباع والتنانين، بعد أن حاول إقناعهم بمنطق لم يستوعبوه أنه لا يريد لهم أذىً. وبعد معاركه، اعتذر لهم في أدب، وأخذ ما ابتغى أخذه، ورحل. عاش مع قبائل بدائية لم تتعلم اللغة بعد ولم يستقم لهم لسان، وعلموه كيف يتكلم بقلبه. كيف يصغى للكون المتحدث بدون كلمات. غاص في أعماق بحيرات سحرية لا يعلم سرها أحد، واستكشف ما حلكت ظلمته حتى نسى بني الإنسان وجوده. زار كائناتٍ مضيئة لم يكن لبشرٍ أن يراها، وسألهم العون فأعانوه، فاهمين ضعفه مدركين حاجته لهم. أمضى ستة أعوامٍ مرتحلًا، وفي نهايتها اكتملت الوصفة، وهان حلمه.
عندما عاد لبرجه نسي أن يرتاح. أمضى مباشرة ثلاث ليالٍ مقمرة يعد الوصفة ويقرأ التعاويذ المناسبة تحت أضواء الأفلاك، وعندما انتهى وبقيت الكلمة الأخيرة لتُقال، ابتسم لأول مرة منذ ثمانية قرون.
قال الكلمة، وغمره ضوءٌ دافئ، ووقف أمامه الصبي حسن المحيا، حليم الطلة، يسأله بسذاجة:
"من أنا؟"
أجابه الساحر بأنه صندوق. اختاره له اسمًا لأنه سيحمل بداخله كنزه الثمين.
"أنا صندوق".
قالها الصبي بسعادة صافية غافلة، لا تصدر سوى من قلب طفلٍ برئ.
أمضى الأيام التالية يحكي للصبي عما أبلى في الألف عام التي عاشها، وكان الصبي مدهوشًا، لا يسعفه عمره المعدود بالأيام للاستيعاب الكامل لكل ما يُقال. وعلَّم الساحر "صندوق" الحيل كلها، وأخذه في جولة في برجه، غرفة غرفة، يشرح له وراء أي الأبواب يحمي كتبه، ووراء أيها تختبئ خزانته الهائلة التي حوت بداخلها كنوزًا من شرق الأرض وغربها، ووراء أيها بلوراته الغالية التي تحمل كل واحدة منها ذكرىً من أهم ذكرياته. هبط معه سلمًا سلمًا على أضواء الشموع، والصبي لا يتوقف عن تلقي المعرفة بظمأ حقيقي. مرَّا على غرف البرج المائة، يفتح الساحر الباب ويترك لصندوق حرية التجول في الغرفة حتى يكتفي ويشبع.. حتى وصل للباب الأخير.
كان باب مخرج البرج أمامهما، بعد أن هبطا طوابقه كلها في رحلتهما التي امتدت أيامًا، بدون أن ينعس أيٌ منهما. سأله صندوق:
"وماذا عن هذا الباب الأخير؟"
فأجابه الساحر مرتبكًا:
"هذا الباب ليس لك أن تدخله، ما زلت صغيرًا عليه".
خاف الساحر على صندوق، سرعان ما صار الصبي عنده أغلى من كل ما ملكه يومًا. والعالم بالخارج خطير، لا تحكمه قاعدة ولا منطق. البرج آمن، وبه خلاصة كل ما وراء ذاك الباب من علمٍ غير مضاهٍ.
هدأت لمعة عين صندوق لأول مرة، ونظر للأرض منكسرًا أول كسرة يكسرها الساحر لعطشه للعلم. تساءل ما السر الذي يخفيه ذلك الباب، وقد أراه الساحر ذكريات الحروب، والوحوش، والدماء، والفظائع التي مرت بالعالم آخر ألف سنة. ماذا تراه أخطر من كل ذلك، يختبئ وراء المقبض؟
ربت الساحر على كتفه الصغير وأخبره بأن عليه الآن أن ينام، فعقله الصغير منهك من كل ما تعلمه، ويحتاج قسطًا من الراحة. أومأ الصبي في طاعة، وصعد الدرجات مسرعًا، لينام في سرير الساحر الذي لم يستخدمه منذ زمنٍ لا يتذكره، فقد ألفَ نومة كرسي القراءة.
أمضى الساحر باقي تلك الليلة يكتب كتابه الأخير، يخط بقلمه، ثم يجفف الصفحة قبل أن يبدأ التالية. وتسلل النعاس إلى عينيه، مستغلًا ثغرةً من رضًا وطمأنينة. ونام الساحر حتى الصباح، ثم نام يومين أو أكثر.
استيقظ على شعورٍ قلق بأنه غاب عن العالم أكثر من اللازم. نادى صندوق، فلم يجبه! قام ليراه في السرير، فلم يجده. بحث عنه في كل أركان البرج، فكأنه الريح اختفى بلا أثر. هبط الدرجات وهو يدعو أن يخالف الواقع توقعاته، ولكنه وجد باب البرج مفتوحًا على مصراعيه، والبراري تمتد أمامه حتى حافة الأرض.
صعد السلم منكس الرأس. جلس على كرسيه، فأن. فتح الصفحة التي قرأ منها تعويذته. أعاد متألمًا قراءة التحذير المنقوش في آخر سطر بخطٍ صغير.
1 like ·   •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on August 25, 2019 04:43
No comments have been added yet.