مذكرات مغتربة فى سنغافورة

- ماجولا سنجابورا

اليوم 9 من أغسطس يوافق العيد الوطنى لسنغافورة ،عيد استقلالها عن ماليزيا عام 1965 . العيد الوطن يعنى الكثير للسنغافوريين بفئاتهم الثلاث – الصينيون الماليزيون والهنود- فاليوم ينعم الجميع بعطلة رسمية فى الدولة، الأسد شعار الدولة ،والعلم السنغافورى،والأعلام الصغيرة الحمراء تنتشر فى كل مكان بعد أن أخذت اماكنها فى جميع الشوارع وعلى جدران المنازل والمبانى الإدارية،منذ شهر تقريبا ،أى قبل موعد العيد الوطنى بكثير، عن حب وليس عن إلزام بتعليق الزينات،بحثت عن صورة رئيس الدولة أو رئيس الوزراء،باعتبارها نظام رئاسى برلمانى،فلم أجدها، الجميع يحب سنغافورة ،والانتماء للوطن وحده ،ولا مجال للغناء لرؤساء، أو مجاملة وزراء،الجميع يغنى لسنغافورة،يتحدث عن سنغافورة،يعشقون العمل بروح الجماعة.
العلم الوطني رمز الإنتماء القوى للوطن رغم صغره،رغم اختلاف طوائفه.
على اللوحات الإلكترونية التى تتوسط الطرق بارتفاع أعمدة الإنارة،كتب:" اليوم نحتفل بسنغافورة،لنرتدى ملابس حمراء " وبالفعل شاهدت كثيرين اليوم يرتدون "تشيرتات" حمراء، جميع الحدائق والشواطىء فى سنغافورة مليئة،مكتظة بالبشر، بشكل لم أره من قبل إلا ليلة الكريسماس هنا.

الجميع سعيد الجميع يحتفل بركوب الدرجات،وبالشواء فى الهواء الطلق ،بالتنزه فى مجموعات،وفى المساء يأتى الإحتفال الكبير على الهواء مباشرة فى أكبر ستاد رياضى بسنغافورة، حيث قضى مئات السنغافوريين الليالى فى طوابير قبل الحفل بأسابيع ، للحصول على تذاكر لحضور الاحتفال وهى مجانية متاحة للجميع لحين نفاذها.
فى الحفل الكبير، تحتشد هناك الحشود وأعضاء البرلمان ورئيس الوزراء ورئيس الدولة ومؤسس الدولة قديما ،حيث تبدأ العروض وتبث للجماهير على شاشات التلفزيون، لنشهد عرض أشبه بأفتتاح دورات الألعاب الولمبية فى كوريا أو أمريكا .
بدءا من عروض القفز بالمظلات،وعروض الطائرات ذات الأبخرة الملونة،ونهاية بعروض الجيش وطلاب المدارس،واشتراك الجمهور فى العرض وهو يرتدى "التشيرتات" الحمراء ، وإمارات الفرح والاعتزاز ببلدهم تبدو جيدا على وجوههم ،من أصغر طفل رسموا على وجنتيه علم سنغافورة بهلاله ونجومه الحمراء،إلى سيدة عجوز مسنة تجلس مع ذويها مغتبطة تلوح بيد مرتعشة بعلم سنغافورى صغير.
ويتخلل العرض السلام الوطنى وأغنيته:"ماجولا سنجابورا " بمعنى تحيا سنغافورا،باللغة الماليزية- اللغة المحلية الأولى فى الماضى-.
بالأمس جاءت خطبة" جو تشوك تونج "رئيس الوزراء بمناسبة اليوم الوطنى لسنغافورة وبمناسبة تخليه عن منصبه لإبن مؤسس دولة سنغافورة" لى كوان يو" والتى تأسست دولة سنغافورة المعاصرة على يديه قبل الإستقلال عن ماليزيا وبعده، إلى أن أختار" لى كوان يو" نائبه "جو تشوك تونج" ليكون رئيسا للوزراء وتنازل له عن الحكم، وظل برئاسة الوزراء حوالى 14 عاما حتى أمس عندما أعلن تنازله عن منصبه لإبن أستاذه "لى كوان يو" الذى تعدى الثمانين عاما الآن، وإن هذا الأمر كان مخططا له منذ عدة سنوات،لكن رئيس الوزراء فضل أن يترك منصبه بعد ان تنتهى حالة الكساد التى طفت على البلد بنسبة بسيطة،وها قد أوفى بوعده وتنازل عن مقعده لكنه لم يعد لصفوف المواطنين،وإنما لمنصب وزير أول، وبدا الرجل متأثرا فى خطابه،وقال أنه لم يكن يحلم بهذا المنصب قط خاصة وأنه نشأ فى اسرة فقيرة،لكنه وصل إليه يالعمل والإجتهاد ،وذكر أنه حقق إنجازات كبيرة،وأن خدمته للشعب السنغافورى كانت هى أكبر شرف له فى حياته،وأشاد بأن الحكام فى سنغافورة لا يحتكرون الكرسى ويتنازلون عنه بمحض إرادتهم للجيل الجديد،وأنه تأكد تماما من أن الشعب السنغافورى لا يمكن ان يحقق ما يصبو إليه من رفعة وطنه إلا بإتحاد أفراده ليصبحوا كيان واحد متماسك وهكذا انتقل الحكم الآن ل:" لى سين لونج" ويبلغ من العمر 51 عاما الذى كان نائبا لرئيس الوزراء ووزير المالية.

-5 دعوة على الشاي الأخضر
أخذنا الحديث عن سنغافورة ونسيت أن أدعوك لفنجان شاي فى بيتى ،فمعذرة و تفضل معى الآن ،أنت الآن سائح عربى مقيم فى سنغافورة لبعض الوقت، فاسمح لى أن أكون مرشدتك السياحية-وظيفة قديمة كنت أود أن أعمل بها ،ثم عملت بنصيحة أمى وابتعدت عنها لأنها مرهقة-ولكنى أؤديها الآن على الورق،فلا بأس مطلقا منها.

نحن الآن فى عربة أجرة تجوب سنغافورة، تلك الجزيرة الصغيرة الساكنة فى بحر الصين الجنوبي المتصل بالمحيط الهادى فى جنوب شرق القارة الآسيويةحيث 136.8 كيلومترا شمال خط الإستواء ،أنت بالفعل فى جزيرة إستوائية،لكن لاتخش شيئا،فدرجة الحرارة لن تعدو33 مئوية،غير أن الرطوبة 80%.

الشوراع متوسطة الاتساع، تكفى لثلاث سيارات للمرور فى ثلاث "حارات" ،عندما قالوا لى عن سنغافورة أنها صغيرة جدا،تصورت أنى سأهبط من المطار لأجد البيت على يمينه مباشرة،ولكنك إذا بقيت معنا أكثر سوف لا تشعر بصغرها،وستنسى أنها دولة ذات مدينة واحدة ،وسيخيل لك أنها كالبحرين أو ثلاث أرباع مدينة القاهرة، مع فارق أن عدد سكانها لا يعدو أربعة ملاييين نسمة.

الأشجار الخضراء الكثيفة العفية تحفنا من الجانبين بغزارة وعمق بعيد يمتد من ورائها، تخللها المنازل ذات الأسقف القرميدية المنزلقة والمجمعات السكنية ذات الأسوار المشجرة المزهرة ،والمتاجر الكبرى والمبانى الإدارية العالية الفريدة التصميم .
يجرى فى وسطها تقريبا نهر سنغافورة وبعض البحيرات المائية الطبيعية الصغيرة،ولذا أطلقوا عليها مدينة الماء-وكذلك مدينة الأسد الذى هو اصل تسميتها سأقصها تفصيلا لاحقا-،رغم أنك من الممكن أن تقضى أياما كثيرة تجوب فيها شوارع لا ترى فيها نهرا ولا بحيرة،ربما لكثرة الشوارع فى سنغافورة وتشعبها ،بل أنهم يسمون الطريق الواحد بأكثر من أسم، معذورون فإن لم يفعلوا ذلك لوجدت البلد عبارة عن بضعة شوارع لا اكثر.
المهم،ها نحن الآن أمام واجهة "الكوندومنيم" المجمع السكنى،وهو نظام سكنى شائع كثيرا هنا،ربما يعجبك وتسكن به وتصبح جارا لنا،من يعرف؟ .يدخل الآن سائق التاكسى إلى الداخل،علىّ أن أخفض رأسى من داخل العربة كى يرانى حارس الأمن فيسمح للعربة بالدخول هكذا الحال مع السكان والمستأجرين،أما الضيوف فلابد من إيقاف سياراتهم وأخذ أرقامها وسؤالهم عن اسم الشخص الداعي لهم، ولابد أن يضعوا سياراتهم فى المكان المخصص لسيارات الضيوف الزائرين،وليس فى مكان سيارات السكان المستأجرين،ولا مكان سيارات ذوى الاحتياجات الخاصة ،إذا نظرت إلى هذه العلامات الحمراء والبيضاء على أرض الجراج ستعرف ما أقصد.
–تفضل.
لقد انصرفت عربة الأجرة، دعنا نتوجه إلى المصعد، هل ترى تلك السنغافورية هناك، إنها مديرة المجمع السكنى، لا تكاد تجلس في مكتبها، رائحة غادية طوال النهار تتفقد أحوال حراس الأمن وعمال النظافة وتحل أي مشكلة للسكان .
–آه ،هذا هو المصعد/ Good morning.
لا عليك،إنها جارتى" جين" فى الشقة المواجهة ألقى عليها التحية، شخصية عجيبة،سأحدثك عنها لاحقا،
اليوم السبت، ربما تجدها ذاهبة بأولادها لدروس السباحة أو أية دروس والسلام، سنصعد الآن للدور الخامس.
Hi - .
هذا هو جارنا السنغافورى "ليم"، يمارس زوجى معه رياضة التنس أسبوعيا،دعوناه وأسرته مرة عندنا،لكنا لم ندخل بيته ولا مرة .

هذا بيتى،تفضل، بيتنا بسيط، فيه رائحة البيوت المصرية البسيطة، تزين جدرانه بعض الصور النحاسية العربية وآيات قرآنية وسجادة صغيرة من خان الخليلى لمشهد ريف مصرى، هذا ابني" كريم" 11 سنة مرابض أمام جهاز الكمبيوتر لتحميل ألعاب مجانية على الإنترنت.
وهذا " آمن" صغيرى6 سنوات مرابض أمام قناة ديزنى الأمريكية لأفلام الكارتون، تفضل على المقعد الجلدى-كعادة البيوت السنغافورية المفروشة هنا -سأنادى زوجى ليرحب بك ويحدثك عن عشقه لسنغافورة أكثر منى،فأنا أرها جميلة،ساكنة اكثر من المطلوب،جنة بلا ناس.

أما وقد جاء "أحمد" زوجى للترحيب بك،سأذهب أنا لإعداد الشاى وتجهيز الكيك، ربما ندعوك على الغذاء لاحقا، لكن الأكل المصرى هنا لن يكون بنفس النكهة المصرية الأصلية.
- ماذا؟
ـ آه ،تقصد هذه الرائحة؟ للآسف إنها رائحة طهى الأكلات السنغافورية لدى الجيران ،لا سبيل لمنعها. ضقنا بها ذرعا ،لكنا اعتدنا عليها فيما بعد،بل وصرنا نميزها من رائحتها،عموما سأحاول إغلاق نافذة المطبخ .
-------------------------
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on March 06, 2009 09:45
No comments have been added yet.