ملائكة الجحيم
كنت قد قررت أن آخذ اليوم أجازة من عملي، لم يكن لدي شيء ما أفعله، كنت بحاجة إلى الراحة ليس إلا، ومع الفراغ الروحي الذي صار يتملكني عندما أجلس وحيدا مع أكثر الأشخاص إثارة للملل على الاطلاق من بين جميع من أعرفهم: أنا، فقد قررت ألا أمكث في البيت ومن ثم لم يكن الذهاب إلى مقهى بالفكرة السيئة، سأحاول أن أكتب قليلا، فلا شيء مثل الكتابة ليملأ ذلك الفراغ الروحي الذي تحدثت عنه لتوي، وإن كنت أمر منذ ما يزيد قليلا عن الاسبوعين بسدة كتابية جعلتني أجلس أمام شاشة اللابتوب بالساعات أرمقها دون أن أستطيع كتابة حرف واحد. فليكن اليوم إذن هو ميعاد الانفراج لتلك السدة ولأجرب حظي، عله يكون أفضل قليلا من الأيام السابقة..
وها أنا ذا أجلس أمام اللابتوب محاولا كتابة شيء ما ليس بالتافه ولا بالعميق ولا بالذي يجعلني أبدو مدعيا، والنتيجة أنني لم أكتب أي شيئ على الإطلاق.. جلست أنظر للشاشة وأنا "أحتسي" القهوة الأمريكية وأنتظر أن يأتيني الوحي من مكان ما لا أعرفه..
ثم ظهرت تلك المجموعة اللطيفة..
أربع فتيات وشاب، في مقتبل العمر هم، يرتدون جميعا تلك البدلة الزرقاء التي تميز الأطباء العاملين في مستشفيات تحت التمرين على حد فهمي، أم هم ليسوا كذلك؟ لا أعرف، وأرجو أن تعذروا جهلي.. الجميع كانوا يرتدون بالطو أبيض، وينتعلون جميعهم أيضا "كروكس" يبدو أصلي جدا مما يدل على إن حالة أهاليهم المادية - وليست حالتهم هم - على ما يرام.. لفت انتباهي صوت ضحكاتهم العالي والكثير من الكلمات الانجليزيه المدسوسة وسط الكلام مع نطقها الجيد ومخارج الألفاظ الصحيحة.. كان صوتهم عال فعلا، لذا قررت أنتي سأرحل لأنه لا ينقص تلك السدة الكتابية التي أمر بها سوى الصداع.. التفت للويتر بالفعل وهممت بطلب الحساب لولا أنني سمعت أحدهم يقول:
- "طبعا لما ال parent لقى نفسه بيتهزأ قدام ابنه الصغير ولقى منظره زي الزفت مشى بعيد وسابني مع ابنه، والولد طبعا لما شاف باباه بيتهزأ سمع كلامي على طول"
نظرت للفتاة التي قالت تلم الجملة، ملامحها جميلة، كحل وطلاء أظافر على الطريقة الفرنسية، دبلة ذهبية تلتف حول بنصر اليد اليمنى، عمرها لا يتعدى الواحد والعشرون عاما بالتأكيد، لا بد أن من تتحدث عن أنها أهانته يكبرها بعشر أعوام على الأقل، ولدهشتي رد عليها الشاب الوحيد الذي يجلس معهم:
- اللي كان بيعجبني قوي في الموضوع ده كان دكتور (...)، ده مره واحدة بتقول لابنها (اجمد)، شخط فيها وقالها (هو أنا حاعمله عملية؟ يلا خدي ابنك واطلعي برة، وكرشها فعلا هي وابنها، بصراحة أحسن واحد شفته بيعمل كده مع ال parents.
لفت انتباهي أيضا أنه كان يرقق حرف الطاء فينطق الكلمات على غرار (شخط) و(اطلعي) ك (شخت) و(اتلعي)، قطعا لابد له أن يتغير بعد كل هذا الوقت الذي أمضاه في المكوث مع الفتيات لابد أن تصير مخارج ألفاظه مثلهن..
أعادني هذا الحوار الذي يدور أمامي إلى مقال كنت قد قرأته منذ فترة للعراب - رحمه الله - يتحدث عن متلازمة الطب والأدب.. قال فيه إن الطبيب هو أجدر شخص بالكتابة عن الناس، لأنه - على حد قوله - يراهم في أهون صورهم، يرى آلامهم وأناتهم، فهل من يجلسون أمامي الآن ممن تحدث عنهم العراب؟.. بالطبع لا..
نعم، أنا أكن جزيل الاحترام لكل شخص حمل لقب طبيب وهو يعرف تماما ما يحمله هذا اللقب من مسؤولية، لكن أن يسخر الطبيب من المرضى ومن زويهم ويتباهى بعدد من أهانهم أمام أطفالهم وأن يتفاخر بكم الإحراج الذي رآه على وجه ال" parent" الذي نهره أمام ابنته فلم يجد بدا سوى أن يبتعد خوفا على كرامته على حد قول تلك الفتاة التي يؤسفني أن أطلق عليها طبيبة لهو قمة انعدام الإنسانية يا من تحمل رسالة خدمة الانسانية على كتفيك، فلا تبكي إو تولول من كره الناس لك ومن كرههم لزملائك ممن ليس لديهم نفس حقارتك لمجرد أنكم تحملون نفس اللقب..
أردت أن أقول لهم كم أمقتهم، كم هم عار على مهنة بهذه القدسية، لكنهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع المريض للأسف، وإن كنت أصر على أن الطبيب يجب أن يصير انسانا قبل أن يتعامل مع الناس، فلن يمكنني أن أريهم ما لم تراها أعينهم من كثرة ما تعاملوا مع المرضى في أوهن حالاتهم..
لكني لا أنكر أنهم قد قاموا بوظيفتهم بشكل آخر، فلقد عالجوني من تلك السدة الكتابية التي أصابتني طوال اسبوعين كاملين وها هي أصابعي تخبط على لوحة المفاتيح بسرعة لم أعهدها منذ فترة طويلة..
وعندما انتهيت من كتابة ما تقرونه الآن شعرت أن المكان لن يتسع لسوانا لذا رحلت قبل أن أتصرف تصرف ما سيجعل من حولي يتساءل: كيف لهذا العربجي أن يسب ملائكة الرحمة هؤلاء؟ ألا يعرف أن المجتمع من دونهم لا يساوي شئ؟!
#تامر_إمام
وها أنا ذا أجلس أمام اللابتوب محاولا كتابة شيء ما ليس بالتافه ولا بالعميق ولا بالذي يجعلني أبدو مدعيا، والنتيجة أنني لم أكتب أي شيئ على الإطلاق.. جلست أنظر للشاشة وأنا "أحتسي" القهوة الأمريكية وأنتظر أن يأتيني الوحي من مكان ما لا أعرفه..
ثم ظهرت تلك المجموعة اللطيفة..
أربع فتيات وشاب، في مقتبل العمر هم، يرتدون جميعا تلك البدلة الزرقاء التي تميز الأطباء العاملين في مستشفيات تحت التمرين على حد فهمي، أم هم ليسوا كذلك؟ لا أعرف، وأرجو أن تعذروا جهلي.. الجميع كانوا يرتدون بالطو أبيض، وينتعلون جميعهم أيضا "كروكس" يبدو أصلي جدا مما يدل على إن حالة أهاليهم المادية - وليست حالتهم هم - على ما يرام.. لفت انتباهي صوت ضحكاتهم العالي والكثير من الكلمات الانجليزيه المدسوسة وسط الكلام مع نطقها الجيد ومخارج الألفاظ الصحيحة.. كان صوتهم عال فعلا، لذا قررت أنتي سأرحل لأنه لا ينقص تلك السدة الكتابية التي أمر بها سوى الصداع.. التفت للويتر بالفعل وهممت بطلب الحساب لولا أنني سمعت أحدهم يقول:
- "طبعا لما ال parent لقى نفسه بيتهزأ قدام ابنه الصغير ولقى منظره زي الزفت مشى بعيد وسابني مع ابنه، والولد طبعا لما شاف باباه بيتهزأ سمع كلامي على طول"
نظرت للفتاة التي قالت تلم الجملة، ملامحها جميلة، كحل وطلاء أظافر على الطريقة الفرنسية، دبلة ذهبية تلتف حول بنصر اليد اليمنى، عمرها لا يتعدى الواحد والعشرون عاما بالتأكيد، لا بد أن من تتحدث عن أنها أهانته يكبرها بعشر أعوام على الأقل، ولدهشتي رد عليها الشاب الوحيد الذي يجلس معهم:
- اللي كان بيعجبني قوي في الموضوع ده كان دكتور (...)، ده مره واحدة بتقول لابنها (اجمد)، شخط فيها وقالها (هو أنا حاعمله عملية؟ يلا خدي ابنك واطلعي برة، وكرشها فعلا هي وابنها، بصراحة أحسن واحد شفته بيعمل كده مع ال parents.
لفت انتباهي أيضا أنه كان يرقق حرف الطاء فينطق الكلمات على غرار (شخط) و(اطلعي) ك (شخت) و(اتلعي)، قطعا لابد له أن يتغير بعد كل هذا الوقت الذي أمضاه في المكوث مع الفتيات لابد أن تصير مخارج ألفاظه مثلهن..
أعادني هذا الحوار الذي يدور أمامي إلى مقال كنت قد قرأته منذ فترة للعراب - رحمه الله - يتحدث عن متلازمة الطب والأدب.. قال فيه إن الطبيب هو أجدر شخص بالكتابة عن الناس، لأنه - على حد قوله - يراهم في أهون صورهم، يرى آلامهم وأناتهم، فهل من يجلسون أمامي الآن ممن تحدث عنهم العراب؟.. بالطبع لا..
نعم، أنا أكن جزيل الاحترام لكل شخص حمل لقب طبيب وهو يعرف تماما ما يحمله هذا اللقب من مسؤولية، لكن أن يسخر الطبيب من المرضى ومن زويهم ويتباهى بعدد من أهانهم أمام أطفالهم وأن يتفاخر بكم الإحراج الذي رآه على وجه ال" parent" الذي نهره أمام ابنته فلم يجد بدا سوى أن يبتعد خوفا على كرامته على حد قول تلك الفتاة التي يؤسفني أن أطلق عليها طبيبة لهو قمة انعدام الإنسانية يا من تحمل رسالة خدمة الانسانية على كتفيك، فلا تبكي إو تولول من كره الناس لك ومن كرههم لزملائك ممن ليس لديهم نفس حقارتك لمجرد أنكم تحملون نفس اللقب..
أردت أن أقول لهم كم أمقتهم، كم هم عار على مهنة بهذه القدسية، لكنهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع المريض للأسف، وإن كنت أصر على أن الطبيب يجب أن يصير انسانا قبل أن يتعامل مع الناس، فلن يمكنني أن أريهم ما لم تراها أعينهم من كثرة ما تعاملوا مع المرضى في أوهن حالاتهم..
لكني لا أنكر أنهم قد قاموا بوظيفتهم بشكل آخر، فلقد عالجوني من تلك السدة الكتابية التي أصابتني طوال اسبوعين كاملين وها هي أصابعي تخبط على لوحة المفاتيح بسرعة لم أعهدها منذ فترة طويلة..
وعندما انتهيت من كتابة ما تقرونه الآن شعرت أن المكان لن يتسع لسوانا لذا رحلت قبل أن أتصرف تصرف ما سيجعل من حولي يتساءل: كيف لهذا العربجي أن يسب ملائكة الرحمة هؤلاء؟ ألا يعرف أن المجتمع من دونهم لا يساوي شئ؟!
#تامر_إمام
Published on January 06, 2019 21:05
No comments have been added yet.
مدونة الكاتب تامر إمام
أكتب عن أي شيء يحدث أمامي ويحتاج الوقوف أمامه بعض الوقت، أكتب عما يستفذني، عما أفتقده، أو عما يفتقده من حولي..
- تامر إمام's profile
- 46 followers

