خواطر - أحمد أبوالنجا
هي لحظة
السويعاتُ القليلة التي قضيتُها في محاولة عبور الشارع لم تكن ذات فائدة، الشخص نفسه مرَّ عليَّ خلال اليوم عدة مراتٍ، وقد أدرك في النهاية معاناتي حتى أنه عرض عليَّ المساعدة، بائع الشطائر أعطاني شطيرة كي أتغلب بها على جوعي، طبيعيٌّ أنْ أشعر بالجوع بعد أنْ مرت ساعاتٌ وأنا واقف عند الإشارة الضوئية، في البداية كان البائع متذمرًا من وجودي ومن وقفتي التي طالت، ولكنه لم يملك في النهاية إلَّا أنْ يتعاطف معي وقدم لي تلك الشطيرة المجانية، أم مع ابنتها ذات الأعوام التسعة وقفَت بجانبي مطولًا تتحدث إليَّ بلُطف وتخبرني كيف نجحت في تعليم ابنتها أنْ تعبر الشارع بمفردها وهي في السابعة من عمرها، اعتقدت أنَّ حديثها معي سيغير الأمر، ولكن أذنيَّ قد توقفتا عن الإنصات، أو أنَّ عقلي لم يعُد لديه القدرة على تحليل الكلمات وفهمها وإدراكها، ابنتها الصغيرة تنظر إليَّ في عطف مرتدية غطاء رأس صوفيٍّ يمتزج باللون البنيِّ مع الأحمر، ويغطي رأسها حتى منتصف جبهتها كاشفًا عن خطيْن من الشعر الكثيف ينسدلان على جانبيْ وجهها، أمسكَتْ يدي في حبٍّ وابتسمَت فلم أتمالك نفسي من الابتسام، ولم أمنع ذلك الشعور المتدفق بالحنان والذي يندفع في قلبي فأنظر في وجهها البريء، ولسان حالي يقول: "كم أنتِ جميلة أيتها الصغيرة!"، استأذنَت الأم معتذرةً أنها ستتأخر عن موعدها، تركَت الفتاة يدي مرغمة بعد أنْ جذبتْها أمُّها بعيدًا، نظرَت إليَّ الصغيرة وهي تعبر الإشارة الخضراء فنظرتُ إليها أنا الآخر مادًّا يديَّ في الفراغ، كم تمنيتُ أنْ تدوم تلك اللحظاتُ طويلًا، سقطَت من عيني دمعة ولكني لحقتُ بها فاحتويتُها في باطن كفِّي، فاليوم قررتُ ألا أبكي مرة أخرى، مشجِّعو كرة القدم للفريق الأحمر عائدون من المباراة، توقفوا عند الإشارة واحتووني بينهم يتمايلون يمنة ويسرة وهم يطلقون المزامير وينشدون الأغاني، ورغمًا عني تمايلتُ معهم فأياديهم على كتفي، ولم أملك إلَّا أنْ أغني بأعلى صوتي، لا حزنَ اليوم، غادروا بعد قليل وتركوني، الموظفون العائدون من أعمالهم بحقائبهم الجلدية وبزاتهم الأنيقة وشعورهم المرسَلة على أحد جانبي رؤوسهم وقفوا بجانبي مع ابتسامة مقتضبة ينظرون لساعاتهم، وباليد الأخرى يحركون الحقائب في توتر، ينظرون إلى الساعات من جديد وحركة الأيادي الأخرى تزداد، الثواني وأنا أقف بينهم كأنها ساعات، تمنيتُ لو أنارت الإشارة الضوئية نورَها الأحمر للسيارات حتى يعبروا وأرتاح من صمتهم القاتل، ولكن لا مللَ اليوم، الصبر هو مفتاح الفرج كما أخبرتني جدتي في كلِّ يوم وليلة عايشتها فيها، كم كانت حنونة وجميلة، خفيفة الظلِّ تتكلم دائمًا بصوت هادئ، حتى ولم يكن بجانبها أحد ثم تضحك على ما تقول! فتحت الإشارة ليعبر الصامتون، في زاوية الشارع وخلف ظهري يوجد المقهى الصغير الذي يقدِّم القهوة والفطائر، عاملة المقهى تستعد للإغلاق بعد نصف ساعة، تجمع الطاولات الصغيرة والمقاعد التي لا تتسع لأشخاص في مثل حجمي وتضعها بالداخل، أحضرَت لي- وللمرة الثالثة خلال اليوم- ثالثَ كوب قهوة وثالث فطيرة، كان التعب يظهر عليها جرَّاء يوم عمل شاق ومُرهِق؛ فأضحت ابتسامتها باهتةً ولكنها حقيقية، "من الممكن أنْ أترك لك مقعدًا لتجلس عليه، أنت تقفعلى قدميك منذ الصباح الباكر!" كانت تحاول أنْ تقنعني من جديد بالعدول عن رأيي بأنْ أرتاح جالسًا، شكرتُها ولم أُبدِ سببًا لرفضي لهذا الأمر عندما سألتني عن ذلك، لا راحة اليوم، صدقيني الحياة كبد وعناء وسنرتاح قريبًا، اليوم لا يضام جهد ولا تعب!، دقاتُ الساعة الكبيرة في محلِّ الخردواتِ القديمة تعلن عن فرار ساعة أخرى، ولربما هي الساعة الأخيرة في ذلك النهار، انحسرَت الشمس تمامًا، كان الجوُّ لطيفًا والناس العابرون للإشارة يقلون دقيقة بعد الأخرى، صوت باب المقهى الجرار يدوِّي في أذني كصوت الرعد في يوم ممطر، تغادر الفتاة اللطيفة المتعبة بعد أنْ تلقي التحية بيد كدَّت بجهد، أشرتُ لها مودِّعًا، نظرَت خلفها مرة أخرى متمنية لي التوفيق، كأني رأيتُها تنتحب قبل أنْ تختفي، هل تفعل ذلك رثاءً لحالي أم أنها تضحك منه؟!، لا وقت اليوم للظنون، يكفي أنَّ الظنون بي عاصفة منذ سنوات، أنا اليوم لست أسيرًا لأيِّ شيء، فقط أحدق للجهة الأخرى من الطريق ولا أحيد بنظري فهناك موطني وملاذي، الرجل العجوز صاحب محل الخردوات أدار المذياع على أغنية قديمة وأتى بكرسيِّه يجرُّه في بطء ووضعَه بجانبي وجلس ينظر للاشيء مبتسمًا تارة، ومقتضبًا تارة أخرى، أنظُر إلى خصلات شعره البيضاء تتهادى على جبينه ونظارته السميكة الضخمة التي تُظهِر تجاعيد وجهه المربَّع وكأني أرى في كلِّ تجعيدة عامًا مرَّ على هذا الكهل، لم يتكلم، كان ينظر إلى الفراغ كأنه يستذكر أو يُحصي سنواتِ عمره أو يسكتشف ماذا تخبئ له الأيام القادمة، ويرقب نهاية رحلته وتباطؤ قاربه وهو يقترب من الشاطئ ليعلن نهاية الرحلة فيهبط منه، ثم يقف على شاطئ السراب وضباب شديد يغلف الأفق لا يستطيع أنْ يكشف من خلاله العجوز وجهته أو ما يوجد وراءه، يظلُّ ينظر وينظر وينظر حتى يتوقف الزمن. الشمس في كبد السماء تختفي حثيثًا والأشعة البرتقالية تتبعها والظلام قادم يدنو رويدًا رويدًا، السيارات تقلُّ وكذلك البشر، ضباب خفيف يأتي من بعيد يغلف الشوارع والظلمة قد اكتملَت، ضحكة مارقة في جنح الظلام دوَّت، فتاة برفقة شاب يأتيان من خلفي متشابكي الأيادي، الفتاة تُظهِر من جسدها أكثر مما تخفيه، يقفان بجانبي ينظران إليَّ في استغراب، فتختفي البسماتُ من وجهيهما فالإشارة خضراء والطريق خالٍ ولكني لا أعبُر، يعبُران في صمت، تنظر الفتاة وراءها، وتحدِّق في وجهي فتختفي كلُّ البهجة وتترك يدَ صاحبها، كأنَّ نظرة حزينة ارتسمَت على شفيتها قبل أنْ يبتلعها الضباب وبعد ثوانٍ تدوِّي الضحمة الماجنة من جديد. صاحبي العجوز يقوم ويسحب كرسيه إلى حانوته ويبدأ في إغلاق المكان في بطء لا تقدر على إسراع وتيرته سنواتِ عمره السبعين، صوت الباب الجرار يدوِّي من جديد في بطء قاتل كأني أركب قطار أسمع حفيف وصخب عجلاته علي قضبان قديمة، "سأغادر الآن، مع السلامة!"
تمنيتُ له السلامة والعافية، نظرتُ ورائي لظهره المحنيِّ وخطواته الوئيدة وصوت عكازه وهو يهوي علي الرصيف كلَّ حين فيوقظ الليل، الضباب يزداد والوحدة تهلُّ مع اختفاء الجماداتِ والبشر، أرقب الإشارة تحمر وتخضر بلا عابرين لها أضواء المحلات المغلقة انطفأت، فقط ضوء عمدان الشارع هي من يسيطر على الحلبة، لا خوف اليوم، انعقد حاجباي وأنا أتذكر الخوف، كم اشتقتُ إليه! لم يفارقني منذ سنوات واليوم يجلس مستسلمًا هناك علي مقاعد البدلاء ينتظر مصيره في مباراة لا فائزَ فيها ولا خاسر، المطر يهبط من الأعلى، والرعد يدوِّي فيؤنس وحشة الليل ويكسر الصمت، الأمطار تزداد، السيدة العجوز التي تجلس في شرفة بيتها ترسل ابنها البالغ من العمر أربعة عشر عامًا بمظلة واقية من المطر، يقف بجانبي يحملها قليلًا ولكنها لا تسعنا فيفرك يديه، يبدو عليه الشعور بالبرد، يستأذن في المغادرة وقد ابتلت ملابسه، رفعتُ المظلة تحيةً للسيدة العجوز فابتسمَت لي، صوت إغلاق شرفتها وانطفاء النور جعلاني أتنفس الصعداء كي أنزل المظلة، لم أشأ أنْ أفعل ذلك وهي تشاهدني حتى لا أنكر صنيعها، أنظر فوقي للسماء، وأرى حباتِ المطر واحدة وراء الأخرى كأنها تأتي من بعيد من مصدر الحياة الأعظم، أُغمِض عينيَّ، أشعر بها على وجهي فأضحك وأضحك وأضحك، اليوم أولد من جديد كهذا المطر الوليد حديث العهد بالدنيا، نور الفجر يأتي بعد وقت ليس بقصير، وبعد أنْ توقفَت الأمطار، الطيور تستيقظ لتوقظ الحياة وعربات متناثرة تمرُّ بين الفينة والأخرى، تشرق الشمس من جديد على يوم آخر، يعود البائعون وأصحاب الحوانيت، الفتاة تعود بابتسامة مشرقة وتفتح مقهاها، الطاولات والمقاعد تصطف كعادتها، صوت عكاز الرجل العجوز أسمعه من بين كلِّ الأرجل التي تدقُّ على الرصيف، الرجال ذوو البزاتِ الأنيقة يأتون ويصطفون الناحية الأخرى كي يعبروا تجاهي، نظراتهم كما هي وحركات أيديهم لا تزال متواترة، يعبُرون بأنصاف ابتساماتٍ مبتورة، الأم تأتي مع ابنتها الجميلة فيشرق وجهُ الصغيرة عندما تراني وتهرع ناحيني وتحتضنني، الجميع حولي
"الآن!"
تقول الفتاة والقلق يرتسم عليها "انتظر قليلًا!"
تضع الأم يدها على صدرِها وتقول: "تمهَّل يا بنيَّ، الإشارة لا تزال حمراء، وللسيارات المارقة خضراء"
تشير لي السيدة العجوز في شرفتها بألَّا أفعل، والابن ذو الأربعة عشر ربيعًا يجري ناحيتي.
العجوز الصامت يتحدث أخيرًا، يكاد الناس لا يعرفون صوته واليوم عرَفوه من جديد.
اليوم أنا أيضًا سأعرف نفسي من جديد.
يقول العجوز وهو متكئ علي عصاه: "دعوه يعبر كما يريد، لقد قرر ولن يوقفه شيء!"
"ماذا به؟" يقول أحد الرجال من ذوي البزاتِ الأنيقة
ترد عليه فتاة المقهى الضاحكة بوجه خائف مرتعد: "إنه لا يستطيع عبورَ الشارع؛ يخاف من ذلك منذ الصغر، ولكنه اليوم قد قرر أنْ يعبُر"
"كأنه لا يسمعنا!" يقول أحدهم
بالفعل لا أسمعهم، لا أسمع إلَّا صوت روحي وسلامي الداخليّ وابتسامة تعلو وجهي لا أعرف مصدرها، وشهيقي العميق يعلو فوق أصوات البشر وصخب السيارات، كم من الليالي جلستُ وحيدًا في البيت أخاف الخروج وأخاف العبور! وكم من العبَراتِ سكبتُ! وكم من دقاتِ الهلع داخل قلبي سمعتُ! أعبر الآن الشارع لا أستمع لشهقاتهم ولا لصراخ الأم، ولا أرى دموع فتاة المقهى، ويد الطفلة ذات الأعوام التسعة ممدودة، وأعبر ثم أعبر لا ألتفِت يمينًا ولا يسارًا ولا أخاف، نعم لا أشعر بخوف، ضحكتُ في صوت مجلل، ونظرتُ للسماء وأنا أعبُر، ودموعٌ تنهمر على وجهي كحباتِ المطر التي انهمرَتْ عليه ليلة أمس، حتى عبرت وقد أختفي كل شيء من حولي الشارع والمقهى والناس، أكملت سيري ولا تزال الابتسامة لا تفارقني واضعًا يديَّ في جيبيْ بنطالي، أتراقص على وقع الصفير الذي يصدره فمي، وأَمضي في طريقي بلا توقف وبلا ........ خوف!
انتهى
السويعاتُ القليلة التي قضيتُها في محاولة عبور الشارع لم تكن ذات فائدة، الشخص نفسه مرَّ عليَّ خلال اليوم عدة مراتٍ، وقد أدرك في النهاية معاناتي حتى أنه عرض عليَّ المساعدة، بائع الشطائر أعطاني شطيرة كي أتغلب بها على جوعي، طبيعيٌّ أنْ أشعر بالجوع بعد أنْ مرت ساعاتٌ وأنا واقف عند الإشارة الضوئية، في البداية كان البائع متذمرًا من وجودي ومن وقفتي التي طالت، ولكنه لم يملك في النهاية إلَّا أنْ يتعاطف معي وقدم لي تلك الشطيرة المجانية، أم مع ابنتها ذات الأعوام التسعة وقفَت بجانبي مطولًا تتحدث إليَّ بلُطف وتخبرني كيف نجحت في تعليم ابنتها أنْ تعبر الشارع بمفردها وهي في السابعة من عمرها، اعتقدت أنَّ حديثها معي سيغير الأمر، ولكن أذنيَّ قد توقفتا عن الإنصات، أو أنَّ عقلي لم يعُد لديه القدرة على تحليل الكلمات وفهمها وإدراكها، ابنتها الصغيرة تنظر إليَّ في عطف مرتدية غطاء رأس صوفيٍّ يمتزج باللون البنيِّ مع الأحمر، ويغطي رأسها حتى منتصف جبهتها كاشفًا عن خطيْن من الشعر الكثيف ينسدلان على جانبيْ وجهها، أمسكَتْ يدي في حبٍّ وابتسمَت فلم أتمالك نفسي من الابتسام، ولم أمنع ذلك الشعور المتدفق بالحنان والذي يندفع في قلبي فأنظر في وجهها البريء، ولسان حالي يقول: "كم أنتِ جميلة أيتها الصغيرة!"، استأذنَت الأم معتذرةً أنها ستتأخر عن موعدها، تركَت الفتاة يدي مرغمة بعد أنْ جذبتْها أمُّها بعيدًا، نظرَت إليَّ الصغيرة وهي تعبر الإشارة الخضراء فنظرتُ إليها أنا الآخر مادًّا يديَّ في الفراغ، كم تمنيتُ أنْ تدوم تلك اللحظاتُ طويلًا، سقطَت من عيني دمعة ولكني لحقتُ بها فاحتويتُها في باطن كفِّي، فاليوم قررتُ ألا أبكي مرة أخرى، مشجِّعو كرة القدم للفريق الأحمر عائدون من المباراة، توقفوا عند الإشارة واحتووني بينهم يتمايلون يمنة ويسرة وهم يطلقون المزامير وينشدون الأغاني، ورغمًا عني تمايلتُ معهم فأياديهم على كتفي، ولم أملك إلَّا أنْ أغني بأعلى صوتي، لا حزنَ اليوم، غادروا بعد قليل وتركوني، الموظفون العائدون من أعمالهم بحقائبهم الجلدية وبزاتهم الأنيقة وشعورهم المرسَلة على أحد جانبي رؤوسهم وقفوا بجانبي مع ابتسامة مقتضبة ينظرون لساعاتهم، وباليد الأخرى يحركون الحقائب في توتر، ينظرون إلى الساعات من جديد وحركة الأيادي الأخرى تزداد، الثواني وأنا أقف بينهم كأنها ساعات، تمنيتُ لو أنارت الإشارة الضوئية نورَها الأحمر للسيارات حتى يعبروا وأرتاح من صمتهم القاتل، ولكن لا مللَ اليوم، الصبر هو مفتاح الفرج كما أخبرتني جدتي في كلِّ يوم وليلة عايشتها فيها، كم كانت حنونة وجميلة، خفيفة الظلِّ تتكلم دائمًا بصوت هادئ، حتى ولم يكن بجانبها أحد ثم تضحك على ما تقول! فتحت الإشارة ليعبر الصامتون، في زاوية الشارع وخلف ظهري يوجد المقهى الصغير الذي يقدِّم القهوة والفطائر، عاملة المقهى تستعد للإغلاق بعد نصف ساعة، تجمع الطاولات الصغيرة والمقاعد التي لا تتسع لأشخاص في مثل حجمي وتضعها بالداخل، أحضرَت لي- وللمرة الثالثة خلال اليوم- ثالثَ كوب قهوة وثالث فطيرة، كان التعب يظهر عليها جرَّاء يوم عمل شاق ومُرهِق؛ فأضحت ابتسامتها باهتةً ولكنها حقيقية، "من الممكن أنْ أترك لك مقعدًا لتجلس عليه، أنت تقفعلى قدميك منذ الصباح الباكر!" كانت تحاول أنْ تقنعني من جديد بالعدول عن رأيي بأنْ أرتاح جالسًا، شكرتُها ولم أُبدِ سببًا لرفضي لهذا الأمر عندما سألتني عن ذلك، لا راحة اليوم، صدقيني الحياة كبد وعناء وسنرتاح قريبًا، اليوم لا يضام جهد ولا تعب!، دقاتُ الساعة الكبيرة في محلِّ الخردواتِ القديمة تعلن عن فرار ساعة أخرى، ولربما هي الساعة الأخيرة في ذلك النهار، انحسرَت الشمس تمامًا، كان الجوُّ لطيفًا والناس العابرون للإشارة يقلون دقيقة بعد الأخرى، صوت باب المقهى الجرار يدوِّي في أذني كصوت الرعد في يوم ممطر، تغادر الفتاة اللطيفة المتعبة بعد أنْ تلقي التحية بيد كدَّت بجهد، أشرتُ لها مودِّعًا، نظرَت خلفها مرة أخرى متمنية لي التوفيق، كأني رأيتُها تنتحب قبل أنْ تختفي، هل تفعل ذلك رثاءً لحالي أم أنها تضحك منه؟!، لا وقت اليوم للظنون، يكفي أنَّ الظنون بي عاصفة منذ سنوات، أنا اليوم لست أسيرًا لأيِّ شيء، فقط أحدق للجهة الأخرى من الطريق ولا أحيد بنظري فهناك موطني وملاذي، الرجل العجوز صاحب محل الخردوات أدار المذياع على أغنية قديمة وأتى بكرسيِّه يجرُّه في بطء ووضعَه بجانبي وجلس ينظر للاشيء مبتسمًا تارة، ومقتضبًا تارة أخرى، أنظُر إلى خصلات شعره البيضاء تتهادى على جبينه ونظارته السميكة الضخمة التي تُظهِر تجاعيد وجهه المربَّع وكأني أرى في كلِّ تجعيدة عامًا مرَّ على هذا الكهل، لم يتكلم، كان ينظر إلى الفراغ كأنه يستذكر أو يُحصي سنواتِ عمره أو يسكتشف ماذا تخبئ له الأيام القادمة، ويرقب نهاية رحلته وتباطؤ قاربه وهو يقترب من الشاطئ ليعلن نهاية الرحلة فيهبط منه، ثم يقف على شاطئ السراب وضباب شديد يغلف الأفق لا يستطيع أنْ يكشف من خلاله العجوز وجهته أو ما يوجد وراءه، يظلُّ ينظر وينظر وينظر حتى يتوقف الزمن. الشمس في كبد السماء تختفي حثيثًا والأشعة البرتقالية تتبعها والظلام قادم يدنو رويدًا رويدًا، السيارات تقلُّ وكذلك البشر، ضباب خفيف يأتي من بعيد يغلف الشوارع والظلمة قد اكتملَت، ضحكة مارقة في جنح الظلام دوَّت، فتاة برفقة شاب يأتيان من خلفي متشابكي الأيادي، الفتاة تُظهِر من جسدها أكثر مما تخفيه، يقفان بجانبي ينظران إليَّ في استغراب، فتختفي البسماتُ من وجهيهما فالإشارة خضراء والطريق خالٍ ولكني لا أعبُر، يعبُران في صمت، تنظر الفتاة وراءها، وتحدِّق في وجهي فتختفي كلُّ البهجة وتترك يدَ صاحبها، كأنَّ نظرة حزينة ارتسمَت على شفيتها قبل أنْ يبتلعها الضباب وبعد ثوانٍ تدوِّي الضحمة الماجنة من جديد. صاحبي العجوز يقوم ويسحب كرسيه إلى حانوته ويبدأ في إغلاق المكان في بطء لا تقدر على إسراع وتيرته سنواتِ عمره السبعين، صوت الباب الجرار يدوِّي من جديد في بطء قاتل كأني أركب قطار أسمع حفيف وصخب عجلاته علي قضبان قديمة، "سأغادر الآن، مع السلامة!"
تمنيتُ له السلامة والعافية، نظرتُ ورائي لظهره المحنيِّ وخطواته الوئيدة وصوت عكازه وهو يهوي علي الرصيف كلَّ حين فيوقظ الليل، الضباب يزداد والوحدة تهلُّ مع اختفاء الجماداتِ والبشر، أرقب الإشارة تحمر وتخضر بلا عابرين لها أضواء المحلات المغلقة انطفأت، فقط ضوء عمدان الشارع هي من يسيطر على الحلبة، لا خوف اليوم، انعقد حاجباي وأنا أتذكر الخوف، كم اشتقتُ إليه! لم يفارقني منذ سنوات واليوم يجلس مستسلمًا هناك علي مقاعد البدلاء ينتظر مصيره في مباراة لا فائزَ فيها ولا خاسر، المطر يهبط من الأعلى، والرعد يدوِّي فيؤنس وحشة الليل ويكسر الصمت، الأمطار تزداد، السيدة العجوز التي تجلس في شرفة بيتها ترسل ابنها البالغ من العمر أربعة عشر عامًا بمظلة واقية من المطر، يقف بجانبي يحملها قليلًا ولكنها لا تسعنا فيفرك يديه، يبدو عليه الشعور بالبرد، يستأذن في المغادرة وقد ابتلت ملابسه، رفعتُ المظلة تحيةً للسيدة العجوز فابتسمَت لي، صوت إغلاق شرفتها وانطفاء النور جعلاني أتنفس الصعداء كي أنزل المظلة، لم أشأ أنْ أفعل ذلك وهي تشاهدني حتى لا أنكر صنيعها، أنظر فوقي للسماء، وأرى حباتِ المطر واحدة وراء الأخرى كأنها تأتي من بعيد من مصدر الحياة الأعظم، أُغمِض عينيَّ، أشعر بها على وجهي فأضحك وأضحك وأضحك، اليوم أولد من جديد كهذا المطر الوليد حديث العهد بالدنيا، نور الفجر يأتي بعد وقت ليس بقصير، وبعد أنْ توقفَت الأمطار، الطيور تستيقظ لتوقظ الحياة وعربات متناثرة تمرُّ بين الفينة والأخرى، تشرق الشمس من جديد على يوم آخر، يعود البائعون وأصحاب الحوانيت، الفتاة تعود بابتسامة مشرقة وتفتح مقهاها، الطاولات والمقاعد تصطف كعادتها، صوت عكاز الرجل العجوز أسمعه من بين كلِّ الأرجل التي تدقُّ على الرصيف، الرجال ذوو البزاتِ الأنيقة يأتون ويصطفون الناحية الأخرى كي يعبروا تجاهي، نظراتهم كما هي وحركات أيديهم لا تزال متواترة، يعبُرون بأنصاف ابتساماتٍ مبتورة، الأم تأتي مع ابنتها الجميلة فيشرق وجهُ الصغيرة عندما تراني وتهرع ناحيني وتحتضنني، الجميع حولي
"الآن!"
تقول الفتاة والقلق يرتسم عليها "انتظر قليلًا!"
تضع الأم يدها على صدرِها وتقول: "تمهَّل يا بنيَّ، الإشارة لا تزال حمراء، وللسيارات المارقة خضراء"
تشير لي السيدة العجوز في شرفتها بألَّا أفعل، والابن ذو الأربعة عشر ربيعًا يجري ناحيتي.
العجوز الصامت يتحدث أخيرًا، يكاد الناس لا يعرفون صوته واليوم عرَفوه من جديد.
اليوم أنا أيضًا سأعرف نفسي من جديد.
يقول العجوز وهو متكئ علي عصاه: "دعوه يعبر كما يريد، لقد قرر ولن يوقفه شيء!"
"ماذا به؟" يقول أحد الرجال من ذوي البزاتِ الأنيقة
ترد عليه فتاة المقهى الضاحكة بوجه خائف مرتعد: "إنه لا يستطيع عبورَ الشارع؛ يخاف من ذلك منذ الصغر، ولكنه اليوم قد قرر أنْ يعبُر"
"كأنه لا يسمعنا!" يقول أحدهم
بالفعل لا أسمعهم، لا أسمع إلَّا صوت روحي وسلامي الداخليّ وابتسامة تعلو وجهي لا أعرف مصدرها، وشهيقي العميق يعلو فوق أصوات البشر وصخب السيارات، كم من الليالي جلستُ وحيدًا في البيت أخاف الخروج وأخاف العبور! وكم من العبَراتِ سكبتُ! وكم من دقاتِ الهلع داخل قلبي سمعتُ! أعبر الآن الشارع لا أستمع لشهقاتهم ولا لصراخ الأم، ولا أرى دموع فتاة المقهى، ويد الطفلة ذات الأعوام التسعة ممدودة، وأعبر ثم أعبر لا ألتفِت يمينًا ولا يسارًا ولا أخاف، نعم لا أشعر بخوف، ضحكتُ في صوت مجلل، ونظرتُ للسماء وأنا أعبُر، ودموعٌ تنهمر على وجهي كحباتِ المطر التي انهمرَتْ عليه ليلة أمس، حتى عبرت وقد أختفي كل شيء من حولي الشارع والمقهى والناس، أكملت سيري ولا تزال الابتسامة لا تفارقني واضعًا يديَّ في جيبيْ بنطالي، أتراقص على وقع الصفير الذي يصدره فمي، وأَمضي في طريقي بلا توقف وبلا ........ خوف!
انتهى
Published on January 01, 2019 01:22
No comments have been added yet.


