تثبيت الزمن
تثبيت الزمن
--------
الجنون قابع في كل ركن، له هيئة اللطف، ويمنعنا عنه حاجز غير مرئي. رجل غاضب يسب شخصا غائبا، وامرأة تتشاجر مع الهواء، لأنها ترى الأطياف الساكنة والشياطين المختبئة، وبقايا الشهب السارحة. يخفي المختلون حكما على هيئة نقمة، يحققون انتقامهم اليومي وينتصرون، قد تظن أنهم يسبونك، لكنهم لا يفعلون، هم يواجهون شخصا ما، شخصا غائبا، يستعيدونه ويجعلون منه حاضرا هشا، كل يوم يتلقى عقابا أبديا، كطيور تنهش الكبد، ثم يولد من فنائه لينهش مجددا. أليس هذا هو العدل؟ الجبار الغائب، من نزع فتيل العقل ينعم بانتصاره في ركن ما، لكنه ليس انتصارا نهائيا، بل لمدة حياة واحدة، فالمنتصر لا يملك تثبيت الزمن، لكن المختل يفعل. لقد دفع الثمن: حياته، عقله، بيته، أسرته، كل شيء من أجل أن يُمنح خلودا كهذا لضحيته، عبر لحظة لا تنتهي، يجلده فيها في كل يوم في هواء الله، السارح بأطياف وشياطين وشهب وجبارين مهزومين في أذهان المختلين.
المختل يعرف شيئا واحدا، أنه لو كسر الحاجز بيننا وبينه، سيصير خطرا، ولو صار خطرا سيعزل. لذا يحرص على الحاجز أكثر منا، إنه يرانا ولا يرانا.
أو ربما لا يكون عهدهم كله انتقاما من ظالم، ربما إمساكا للحظة هزيمة أخرى، قرار ما كان عليهم أن يتخذونه، لينجو، ثم اتخذوا عكسه، ثم يعيدون تمثيل تلك اللحظة إلى الأبد وقد اتخذوا الفعل الصائب، لكنهم في كل الحالات يثبتون الزمن. والزمن سيل جارف، لا يتوقف لأحد، يحني كل شيء. لذا يواجهه المختل عاريا، متسخا، بحركات قبيحة، كي يهدأ من روعه، ويحد من جبروت لعناته، فالزمن لا يغضب، بل يضحك، مثلنا تماما، ويحمد الله، أنه لم يعبر الحاجز. لكنه يعرف في قرارة نفسه، أنه خائف، فما يمسكه الزمن ضدنا، ويجعلنا في رهبة دائمة نحوه، لم يعد يرهب المختل.
--------
الجنون قابع في كل ركن، له هيئة اللطف، ويمنعنا عنه حاجز غير مرئي. رجل غاضب يسب شخصا غائبا، وامرأة تتشاجر مع الهواء، لأنها ترى الأطياف الساكنة والشياطين المختبئة، وبقايا الشهب السارحة. يخفي المختلون حكما على هيئة نقمة، يحققون انتقامهم اليومي وينتصرون، قد تظن أنهم يسبونك، لكنهم لا يفعلون، هم يواجهون شخصا ما، شخصا غائبا، يستعيدونه ويجعلون منه حاضرا هشا، كل يوم يتلقى عقابا أبديا، كطيور تنهش الكبد، ثم يولد من فنائه لينهش مجددا. أليس هذا هو العدل؟ الجبار الغائب، من نزع فتيل العقل ينعم بانتصاره في ركن ما، لكنه ليس انتصارا نهائيا، بل لمدة حياة واحدة، فالمنتصر لا يملك تثبيت الزمن، لكن المختل يفعل. لقد دفع الثمن: حياته، عقله، بيته، أسرته، كل شيء من أجل أن يُمنح خلودا كهذا لضحيته، عبر لحظة لا تنتهي، يجلده فيها في كل يوم في هواء الله، السارح بأطياف وشياطين وشهب وجبارين مهزومين في أذهان المختلين.
المختل يعرف شيئا واحدا، أنه لو كسر الحاجز بيننا وبينه، سيصير خطرا، ولو صار خطرا سيعزل. لذا يحرص على الحاجز أكثر منا، إنه يرانا ولا يرانا.
أو ربما لا يكون عهدهم كله انتقاما من ظالم، ربما إمساكا للحظة هزيمة أخرى، قرار ما كان عليهم أن يتخذونه، لينجو، ثم اتخذوا عكسه، ثم يعيدون تمثيل تلك اللحظة إلى الأبد وقد اتخذوا الفعل الصائب، لكنهم في كل الحالات يثبتون الزمن. والزمن سيل جارف، لا يتوقف لأحد، يحني كل شيء. لذا يواجهه المختل عاريا، متسخا، بحركات قبيحة، كي يهدأ من روعه، ويحد من جبروت لعناته، فالزمن لا يغضب، بل يضحك، مثلنا تماما، ويحمد الله، أنه لم يعبر الحاجز. لكنه يعرف في قرارة نفسه، أنه خائف، فما يمسكه الزمن ضدنا، ويجعلنا في رهبة دائمة نحوه، لم يعد يرهب المختل.
Published on September 11, 2017 11:40
No comments have been added yet.


