بنت الشاطئ.. تأملات في سيرة عَطِرة
ماهرعبد الرحمن
مع ظهور نتائج امتحانات الثانوية العامة كل عام والتي تعلن عن تميز وتفوق لأبناء الفقراء والتعليم المجاني، والبنات منهم تحديدا، أتذكر دائما العديد من النماذج الإنسانية المتميزة في تاريخنا والتي تمثل نماذج للإرادة الإنسانية القوية في مواجهة وتخطي كل الصعوبات، ومن هذه النماذج الدكتورة عائشة عبد الرحمن، التي تحكي في سيرتها الذاتية عن فترة تكوينها الأولى وكفاحها من أجل الاستمرار والنجاح في طريق تعليمها وتقول: "وهكذا مشيت على الدرب الوعر.. خفية عن التقاليد الساهرة على حراستي كيلا أنحرف عن الاتجاه المرسوم لي.. وخفية كذلك عن الأوضاع الطبقية والنظم التعليمية واللوائح المدرسية التي أقامت الحواجز والسدود في طريق مثلي ، إلى الجامعة". وكم تكون سعادتي بوجود بتكرار نماذج مشرفة مثل بنت الشاطئ، لديهن العزيمة والطموح وحب العلم والإخلاص لهذا الطريق الصعب، وتحدي كل الصعوبات صوب هدفهن؛ خاصة في هذه الأيام ومع تراجع قيم حب العلم والتفوق، لصالح قيم الوصول السهل وحب الظهور وهوس الشهرة ولفت الأنظار.
يمكن وصف الدكتورة بنت الشاطئ المولودة عام 1913 بأنها ربيبة مشايخ؛ فهي ابنة للعالم الأزهري والصوفي الكبير الشيخ محمد علي عبد الرحمن والذي علمها، ومعه زملائه من المشايخ والعلماء الأزهريين، من العلوم الإسلامية ما نفعها به. وقد أهدته، لفضله ورعايته، تحقيقها لكتاب "مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح" فكتبت تقول " إلى من أعزنى الله به أبًا تقيًّا زكيًّا ومعلمًا مرشدًا ورائدًا أمينًا ملهمًا، وإمامًا مهيبًا قدوة فضيلة والدى العارف بالله العالم العامل: الشيخ محمد على عبد الرحمن الحسينى نذرنى رضى الله عنه لعلوم الإسلام ووجَّهنى من المهد إلى المدرسة الإسلامية وقاد خُطاى الأولى على الطريق السوى يحصننى بمناعة تحمى فطرتى من ذرائع المسخ والتشويه". والدكتورة عائشة، هي أيضا، حفيدة لأجداد من علماء الأزهر ورواده، وجد أمها كان هو الشيخ أحمد الدمهوجي إمام وشيخ الجامع الأزهر. وسوف تكون، فيما بعد، هي أول سيدة تحاضر في جامعة الأزهر. تعلمت في صغرها وفقاً لتقاليد صارمة لتعليم النساء في هذا الوقت وحفظت القرآن الكريم كاملا في سن صغيرة بالكتاب على يد الشيخ مرسي. ومع الوقت كانت تفكر، مثل بنات جيرانهم، في الذهاب إلى المدرسة. كان شاردة بسبب هذا الأمر لمعرفتها وخوفها من رفض أبيها، والذي سألها مرة عن سر شرودها عن دروس العلم الإسلامي وعلى غير عادتها، فتشجعت وقالت له إنها تريد أن تذهب إلى المدرسة. فرفض منها ذلك بحسم شديد؛ فليس لبنات المشايخ والعلماء أن يخرجن إلى المدارس الفاسدة والمفسدة، وإنما يتعلمن في بيوتهن. وأمرها أن تقرأ سورة الأحزاب حتى وصلت إلى قوله تعالي: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى". وكان والدها معتزا بنسبه الشريف إلى جده الإمام الحسين. وجدها الشيخ الدمهوجي هو الذي تدخل ليقنع والدها بالالتحاق بالمدرسة، باعتبار أنها لم تبلغ مبلغ النساء بعد، وأيضا بوعد أن تدرس من المنزل ولا تخرج إلا من أجل الإمتحانات فقط وألا تتهاون ولا تقصر في دروسها الإسلامية، وأن تنقطع نهائيا حين تصل إلى سن البلوغ.
لكنها كانت تُكمل طريقها، دائما، بمفاوضات ووساطات جديدة حتى النهاية. نالت من المنزل شهادة الكفاءة للمعلمات سنة 1929م وكانت الأولى على القطر المصري، ثم حصلت على الشهادة الثانوية سنة 1930م. بدأت الكتابة فى مجلة "النهضة النسائية" عام 1935، وبعدها بعام كتبت فى جريدة "الأهرام" وكانت بذلك ثانى امرأة تكتب بالأهرام بعد الأديبة الآنسة مى زيادة. التحقت بكلية الآداب بجامعة فؤاد (القاهرة حاليا) وتخرجت في قسم اللغة العربية سنة 1939. ونالت الماجستير بمرتبة الشرف الأولى عام 1941 وكان موضوعها "الحياة الإنسانية لأبي العلاء"، وحصلت على الدكتوراة في الأدب سنة 1950م. برسالتها وتحقيقها لنص "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري وبإشراف الدكتور طه حسين؛ وبالتالي يمكن اعتبارها من تلاميذ طه حسين، المستنير والمجدد الكبير، لكنها من الجانب المشيخي والمحافظ من تلاميذه، مثلها مثل شوقي ضيف ومحمود شاكر مثلا. والدكتور طه حسين كتب رسالته للدكتوراة عن أبي العلاء وكان ذلك في عام 1914. ويمكن للمرء أن يدرك الفرق الكبير بين رؤية وتناول طه حسين لشخصية أبي العلاء والتناول المختلف الذي قدمته بنت الشاطئ في تحقيقها لنص الغفران. ولعل من ضمن أسباب دراستها لأبي العلاء أن يكون في هذا نوع من أنواع الاستدراك علي ما قدمه الدكتور طه. وكان الدكتور طه يشجعها وينصت لها ويصبر عليها أكثر مما كانت تصبر هي عليه كما ذكرت هي بنفسها عن أستاذها. وكان يرى أن هذا التنوع في الرؤى والتناول هو الذي يؤدي إلى نهضة البحث العلمي. كانت التربية الأزهرية لبنت الشاطئ قد جعلتها تتعرف على نمط من أنماط المؤلفات الشهيرة في العصور الإسلامية مثل: الفوات، والذيل، والمستدركات، والتكملة، والتهذيب، وتهذيب التهذيب.. إلخ. فكانت لشخصيتها العنيدة والمستقلة، ولثقتها بنفسها والتي كانت تزيد أحيانا في صدر شبابها؛ ما يجعلها تتحمس لأن تتصدى هنا مثلا للاستدراك على عميد الأدب العربي. وكانت أثناء اعدادها للرسالة، تعانده وتختلف معه أيضا، بالإضافة إلى موضوع أبي العلاء وفلسفته، في قضيتي: المتنبي ونسبه المجهول؛ وبالتالي فهمه المختلف لشعره المتعلق بعلويته، وكان ينكرها طه حسين ويرى أن المتنبي كان شاعرا فحلا لكنه لقيط على كل حال. وكذلك تعانده في قضية انتحال والتشكيك في صحة الشعر الجاهلي. كانت تعانده بحب وإجلال كبير وتعرف قدره وقيمته وأستاذيته حق المعرفة. كانت الدكتورة عائشة دائما صاحبة رأي وقناعة وشخصية قوية في الحياة وفي الأفكار التي تؤمن بها، فرغم التربية التقليدية التى خرجت منها بنت الشاطئ إلا أنها، ومنذ الصغر، كانت لا تترك فرصة للتحرر أو للتعبير عن نفسها إلا واقتنصتها، بداية من إصرارها على أن تكمل تعليمها حتى وصلت إلى الجامعة عبر تحديات بينها وبين أبيها، وبينها وبين الفقر، والأهم، بينها وبين نفسها. والأهم كانت قصة حبها وزواجها من أستاذها الجليل أمين الخولي.
في حياة الدكتورة عائشة عبد الرحمن يومين لميلادها، الأول هو الميلاد الحقيقي في 6 نوفمبر سنة 1913 في مدينة دمياط بشمال مصر، والآخر، على ما ذكرت، هو يوم لقاءها بأستاذها وزوجها فيما بعد، الأستاذ أمين الخولي، وهو يوم 6 أكتوبر سنة 1936، في هذا اليوم، الذي تحكي عنه وتسجله في سيرة حياتها بكتابها "على الجسر" وُلد في قبلها هذا الحب الكبير " منذ ذلك اللقاء ارتبطت به نفسيا وعقليا، كأني قطعت العمر أبحث عنه في متاهة الدنيا، وخضم المجهول، ثم بمجرد أن لقيته لم أشغل بالي بظروف وعوائق قد تحول دون قربي منه، فما كان يعنيني قط سوى أني لقيته، وما عدا ذلك ليس بذي بال، وقد انصرفت من درسه الأول في اليوم السادس من أكتوبر سنة 1936 وأنا أحس بأني ولدت من جديد". تحكي بنت الشاطئ عن بداية هذه القصة مع الشيخ أمين الخولي "كان يقسو علي وأنا طالبته في الجامعة، وأقصى قسوته منذ التقينا كانت عندما أعطاني صفرا في البحث الذي تقدمت به إليه وكان بحثا في أسباب النزول. فذهبت إليه بعدها وسألته: لما كل هذه القسوة؟ فقال: إن الشخص الجيد يجب أن يتم إعداه بشكل جيد أيضا، والجامعة أحد أهم أهدفها هو إخراج طالب تام، وأن الواحد الصحيح أفضل من النصف يا عائشة. في هذا اليوم شعرت بالحب نحوه في قلبها، وتزوجنا فيما بعد". لكن هذا الزواج كان سببا للعديد من المشاكل في وقته، لها ثم له فيما بعد. حتى أن بعض المقربين منها قاطعوها ووجهوا لها نقدا قاسيا بسبب فارق السن الكبير بينها وبينه، كما أنها ستكون الزوجة الثانية له مع وجود زوجته الأولى. وكانت قصة الحب هذه موضوعا للشائعات والغمزات الكثيرة التي أراد بها بعض المنتقدين أن يسيئوا من خلالها إلى بنت الشاطئ وزوجها العالم الجليل، لكنها صبرت وتمسكت بعواطفها العميقة الصادقة، ويتم الزواج بينهما بالفعل في سنة 1944.
خاضت عائشة عبد الرحمن، أيضا، الكثير من المعارك الفكرية دفاعًا عن الإسلام وكان أبرزها معركتها الشهيرة ضد التفسير العصرى للقرآن الكريم الذي اخترعه الدكتور مصطفى محمود والتي هاجمته بشدة لترويجه لوجود إعجاز علمي في القرآن، وفندت بعلمها ولغتها كل حججه؛ دفاعا عن إيمانها ومعتقدها بعظمة وقدسية القرآن والإسلام. وخاضت معارك في سبيل دعمها لاحترام المرأة والدفاع والكتابة عنها وعن أهمية تعليمها وعملها. وهي أول من صنفت كتبا مفردة ومتفردة لتراجم سيدات بيت النبوة؛ فكل كتب السيرة التراثية المشهورة تحدثت بالأساس عن سيرة النبي من حيث كونه نبيا مرسلا، وقائدا عظيما للمسلمين. لكن بنت الشاطئ كتبت عنه في هذه التراجم، ابنا، وزوجا، وأبا، وجدا. وخاضت، أيضا، معركة شهيرة مع عباس العقاد عن رؤيته الحادة والقاسية عن المرأة. ففي إحدى المرات شاهد العقاد الدكتورة بنت الشاطئ فسألها عن رأيها في روايته "سارة" فردت عليه قائلة: إنها لا ترى المرأة أبدا كما يصورها العقاد في روايته تلك.. ولما كان بصدد أن يكتب في تفسير القرآن وأصدر أول ما أصدر كتاب عن "المرأة في القرآن" وصب فيه كل غضبه ونقمته ضد المرأة، فقال مثلا إنه من المستحيل أن تكون المرأة نظيفة أبدا، وأن المرأة قذرة سافلة متخلفة ناقصة، لا خلق لها ولا ضمير.. فما كان من بنت الشاطئ إلا أن ردت على كلامه وتحقيره للمرأة بهذه الصورة وتفسيره المتجني لبعض آيات القرآن التي أوردها للتدليل على صحة رأيه. وذكرت أن من النساء فاطمة بنت النبي وخديجة أم المؤمنين وسيدات بيت النبوة الأطهار. كان بداية ردها عليه في مقال لها بعنوان "اللهم إني صائمة". ثم رد العقاد عليها بالتجريح والتجاهل في نفس الوقت، حيث كتب: إن السيدة بنت الشاطىء لا تحوجنا إلى جواب، لأنها هي بذاتها جوابنا المفحم، ولو أننا بحثنا عن رد عليها أقوى منها لإقناعها لأعيتنا الردود، فمن الخير أن يُصان الكلام لغير هذا المجال. مما زاد من ثورتها لتكتب مقالها الثاني والذ كان بعنوان "ما لم أقوله وأنا صائمة". فما كان من العقاد إلا أن كتب ورد، هذه المرة، بقسوته وصرامته المعهودة عنه فقال عنها "لا أضعها فى عالم النساء، ولا فى عالم الرجال وإنها المثل الواضح على تناقض المرأة حتى فى الشكل وليس المضمون فحسب". وأكمل "إننى أعجب من دفاع امرأة هى رقم اثنين فى الترتيب عند الرجل الزوج بالنسبة إلى بنات جنسها من النساء.. كيف تسمح لنفسها بأن تدافع عن المرأة وكأن جميع النساء وكلوها نيابة عنهن؟!" وردت بمقال ثالث ختمت به المعركة من جانبها وقررت ذلك احتراما لنفسها بأن تصمت ولا تكرر الكلام ولا تنزلق في الرد أكثر من هذا. وقالت في نهاية مقالها الأخير "بقيت كلمة أرجوا أن تحسم هذا الموقف الكريه وهي أن كل ما يقوله الكاتب وغيره من خير في الرجال فهو منا وإلينا، لأنهم أبناؤنا وأزواجنا وإخوتنا وأباؤنا، وكل شر يقال في المرأة فهو حتماً مردود إلى الرجل، لأن الدنيا لم تعرف رجلاً لم تلده أنثى". طوال هذه المعركة، ولا في غيرها من المعارك الفكرية، لم يتخل أو يرد الشيخ أمين الخولي زوجها، ولا تلاميذه؛ احتراما وتقديرا لها، وأنها تستطيع ولديها القدرة والحجة العلمية للرد، كما أنها لم تطلب، في أي مرة، أي تدخل.
عاشت الدكتورة بنت الشاطئ حياة ممتدة وغنية بالعلم والمعرفة والكفاح والمعارك الفكرية. وظلت حتى النهاية تكتب بأسلوبها ونثرها الجميل والفصيح، من أثر القرآن عليها وعلى لغتها، وتضيف بعلمها الغزير لتعيد قراءة القديم وتقدمه في صورة جديدة بإضافاتها ورؤيتها. وكانت تكتب حتى آخر أيامها مقالاتها الشهيرة في الأهرام بعنوان "شاهدة عصر" وآخر مقال لها كان بعنوان "علي بن أبي طالب كرم الله وجهه" يوم 26/11/1998م أي قبل وفاتها بأربعة أيام. وتوفيت يوم الثلاثاء 1 ديسمبر 1998م. وودعتها مصر بجنازة مهيبة تليق بعالمة كبيرة وإنسانة عظيمة هي الدكتور عائشة عبد الرحمن.
https://almanassa.net/ar/story/5218
مع ظهور نتائج امتحانات الثانوية العامة كل عام والتي تعلن عن تميز وتفوق لأبناء الفقراء والتعليم المجاني، والبنات منهم تحديدا، أتذكر دائما العديد من النماذج الإنسانية المتميزة في تاريخنا والتي تمثل نماذج للإرادة الإنسانية القوية في مواجهة وتخطي كل الصعوبات، ومن هذه النماذج الدكتورة عائشة عبد الرحمن، التي تحكي في سيرتها الذاتية عن فترة تكوينها الأولى وكفاحها من أجل الاستمرار والنجاح في طريق تعليمها وتقول: "وهكذا مشيت على الدرب الوعر.. خفية عن التقاليد الساهرة على حراستي كيلا أنحرف عن الاتجاه المرسوم لي.. وخفية كذلك عن الأوضاع الطبقية والنظم التعليمية واللوائح المدرسية التي أقامت الحواجز والسدود في طريق مثلي ، إلى الجامعة". وكم تكون سعادتي بوجود بتكرار نماذج مشرفة مثل بنت الشاطئ، لديهن العزيمة والطموح وحب العلم والإخلاص لهذا الطريق الصعب، وتحدي كل الصعوبات صوب هدفهن؛ خاصة في هذه الأيام ومع تراجع قيم حب العلم والتفوق، لصالح قيم الوصول السهل وحب الظهور وهوس الشهرة ولفت الأنظار.
يمكن وصف الدكتورة بنت الشاطئ المولودة عام 1913 بأنها ربيبة مشايخ؛ فهي ابنة للعالم الأزهري والصوفي الكبير الشيخ محمد علي عبد الرحمن والذي علمها، ومعه زملائه من المشايخ والعلماء الأزهريين، من العلوم الإسلامية ما نفعها به. وقد أهدته، لفضله ورعايته، تحقيقها لكتاب "مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح" فكتبت تقول " إلى من أعزنى الله به أبًا تقيًّا زكيًّا ومعلمًا مرشدًا ورائدًا أمينًا ملهمًا، وإمامًا مهيبًا قدوة فضيلة والدى العارف بالله العالم العامل: الشيخ محمد على عبد الرحمن الحسينى نذرنى رضى الله عنه لعلوم الإسلام ووجَّهنى من المهد إلى المدرسة الإسلامية وقاد خُطاى الأولى على الطريق السوى يحصننى بمناعة تحمى فطرتى من ذرائع المسخ والتشويه". والدكتورة عائشة، هي أيضا، حفيدة لأجداد من علماء الأزهر ورواده، وجد أمها كان هو الشيخ أحمد الدمهوجي إمام وشيخ الجامع الأزهر. وسوف تكون، فيما بعد، هي أول سيدة تحاضر في جامعة الأزهر. تعلمت في صغرها وفقاً لتقاليد صارمة لتعليم النساء في هذا الوقت وحفظت القرآن الكريم كاملا في سن صغيرة بالكتاب على يد الشيخ مرسي. ومع الوقت كانت تفكر، مثل بنات جيرانهم، في الذهاب إلى المدرسة. كان شاردة بسبب هذا الأمر لمعرفتها وخوفها من رفض أبيها، والذي سألها مرة عن سر شرودها عن دروس العلم الإسلامي وعلى غير عادتها، فتشجعت وقالت له إنها تريد أن تذهب إلى المدرسة. فرفض منها ذلك بحسم شديد؛ فليس لبنات المشايخ والعلماء أن يخرجن إلى المدارس الفاسدة والمفسدة، وإنما يتعلمن في بيوتهن. وأمرها أن تقرأ سورة الأحزاب حتى وصلت إلى قوله تعالي: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى". وكان والدها معتزا بنسبه الشريف إلى جده الإمام الحسين. وجدها الشيخ الدمهوجي هو الذي تدخل ليقنع والدها بالالتحاق بالمدرسة، باعتبار أنها لم تبلغ مبلغ النساء بعد، وأيضا بوعد أن تدرس من المنزل ولا تخرج إلا من أجل الإمتحانات فقط وألا تتهاون ولا تقصر في دروسها الإسلامية، وأن تنقطع نهائيا حين تصل إلى سن البلوغ.
لكنها كانت تُكمل طريقها، دائما، بمفاوضات ووساطات جديدة حتى النهاية. نالت من المنزل شهادة الكفاءة للمعلمات سنة 1929م وكانت الأولى على القطر المصري، ثم حصلت على الشهادة الثانوية سنة 1930م. بدأت الكتابة فى مجلة "النهضة النسائية" عام 1935، وبعدها بعام كتبت فى جريدة "الأهرام" وكانت بذلك ثانى امرأة تكتب بالأهرام بعد الأديبة الآنسة مى زيادة. التحقت بكلية الآداب بجامعة فؤاد (القاهرة حاليا) وتخرجت في قسم اللغة العربية سنة 1939. ونالت الماجستير بمرتبة الشرف الأولى عام 1941 وكان موضوعها "الحياة الإنسانية لأبي العلاء"، وحصلت على الدكتوراة في الأدب سنة 1950م. برسالتها وتحقيقها لنص "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري وبإشراف الدكتور طه حسين؛ وبالتالي يمكن اعتبارها من تلاميذ طه حسين، المستنير والمجدد الكبير، لكنها من الجانب المشيخي والمحافظ من تلاميذه، مثلها مثل شوقي ضيف ومحمود شاكر مثلا. والدكتور طه حسين كتب رسالته للدكتوراة عن أبي العلاء وكان ذلك في عام 1914. ويمكن للمرء أن يدرك الفرق الكبير بين رؤية وتناول طه حسين لشخصية أبي العلاء والتناول المختلف الذي قدمته بنت الشاطئ في تحقيقها لنص الغفران. ولعل من ضمن أسباب دراستها لأبي العلاء أن يكون في هذا نوع من أنواع الاستدراك علي ما قدمه الدكتور طه. وكان الدكتور طه يشجعها وينصت لها ويصبر عليها أكثر مما كانت تصبر هي عليه كما ذكرت هي بنفسها عن أستاذها. وكان يرى أن هذا التنوع في الرؤى والتناول هو الذي يؤدي إلى نهضة البحث العلمي. كانت التربية الأزهرية لبنت الشاطئ قد جعلتها تتعرف على نمط من أنماط المؤلفات الشهيرة في العصور الإسلامية مثل: الفوات، والذيل، والمستدركات، والتكملة، والتهذيب، وتهذيب التهذيب.. إلخ. فكانت لشخصيتها العنيدة والمستقلة، ولثقتها بنفسها والتي كانت تزيد أحيانا في صدر شبابها؛ ما يجعلها تتحمس لأن تتصدى هنا مثلا للاستدراك على عميد الأدب العربي. وكانت أثناء اعدادها للرسالة، تعانده وتختلف معه أيضا، بالإضافة إلى موضوع أبي العلاء وفلسفته، في قضيتي: المتنبي ونسبه المجهول؛ وبالتالي فهمه المختلف لشعره المتعلق بعلويته، وكان ينكرها طه حسين ويرى أن المتنبي كان شاعرا فحلا لكنه لقيط على كل حال. وكذلك تعانده في قضية انتحال والتشكيك في صحة الشعر الجاهلي. كانت تعانده بحب وإجلال كبير وتعرف قدره وقيمته وأستاذيته حق المعرفة. كانت الدكتورة عائشة دائما صاحبة رأي وقناعة وشخصية قوية في الحياة وفي الأفكار التي تؤمن بها، فرغم التربية التقليدية التى خرجت منها بنت الشاطئ إلا أنها، ومنذ الصغر، كانت لا تترك فرصة للتحرر أو للتعبير عن نفسها إلا واقتنصتها، بداية من إصرارها على أن تكمل تعليمها حتى وصلت إلى الجامعة عبر تحديات بينها وبين أبيها، وبينها وبين الفقر، والأهم، بينها وبين نفسها. والأهم كانت قصة حبها وزواجها من أستاذها الجليل أمين الخولي.
في حياة الدكتورة عائشة عبد الرحمن يومين لميلادها، الأول هو الميلاد الحقيقي في 6 نوفمبر سنة 1913 في مدينة دمياط بشمال مصر، والآخر، على ما ذكرت، هو يوم لقاءها بأستاذها وزوجها فيما بعد، الأستاذ أمين الخولي، وهو يوم 6 أكتوبر سنة 1936، في هذا اليوم، الذي تحكي عنه وتسجله في سيرة حياتها بكتابها "على الجسر" وُلد في قبلها هذا الحب الكبير " منذ ذلك اللقاء ارتبطت به نفسيا وعقليا، كأني قطعت العمر أبحث عنه في متاهة الدنيا، وخضم المجهول، ثم بمجرد أن لقيته لم أشغل بالي بظروف وعوائق قد تحول دون قربي منه، فما كان يعنيني قط سوى أني لقيته، وما عدا ذلك ليس بذي بال، وقد انصرفت من درسه الأول في اليوم السادس من أكتوبر سنة 1936 وأنا أحس بأني ولدت من جديد". تحكي بنت الشاطئ عن بداية هذه القصة مع الشيخ أمين الخولي "كان يقسو علي وأنا طالبته في الجامعة، وأقصى قسوته منذ التقينا كانت عندما أعطاني صفرا في البحث الذي تقدمت به إليه وكان بحثا في أسباب النزول. فذهبت إليه بعدها وسألته: لما كل هذه القسوة؟ فقال: إن الشخص الجيد يجب أن يتم إعداه بشكل جيد أيضا، والجامعة أحد أهم أهدفها هو إخراج طالب تام، وأن الواحد الصحيح أفضل من النصف يا عائشة. في هذا اليوم شعرت بالحب نحوه في قلبها، وتزوجنا فيما بعد". لكن هذا الزواج كان سببا للعديد من المشاكل في وقته، لها ثم له فيما بعد. حتى أن بعض المقربين منها قاطعوها ووجهوا لها نقدا قاسيا بسبب فارق السن الكبير بينها وبينه، كما أنها ستكون الزوجة الثانية له مع وجود زوجته الأولى. وكانت قصة الحب هذه موضوعا للشائعات والغمزات الكثيرة التي أراد بها بعض المنتقدين أن يسيئوا من خلالها إلى بنت الشاطئ وزوجها العالم الجليل، لكنها صبرت وتمسكت بعواطفها العميقة الصادقة، ويتم الزواج بينهما بالفعل في سنة 1944.
خاضت عائشة عبد الرحمن، أيضا، الكثير من المعارك الفكرية دفاعًا عن الإسلام وكان أبرزها معركتها الشهيرة ضد التفسير العصرى للقرآن الكريم الذي اخترعه الدكتور مصطفى محمود والتي هاجمته بشدة لترويجه لوجود إعجاز علمي في القرآن، وفندت بعلمها ولغتها كل حججه؛ دفاعا عن إيمانها ومعتقدها بعظمة وقدسية القرآن والإسلام. وخاضت معارك في سبيل دعمها لاحترام المرأة والدفاع والكتابة عنها وعن أهمية تعليمها وعملها. وهي أول من صنفت كتبا مفردة ومتفردة لتراجم سيدات بيت النبوة؛ فكل كتب السيرة التراثية المشهورة تحدثت بالأساس عن سيرة النبي من حيث كونه نبيا مرسلا، وقائدا عظيما للمسلمين. لكن بنت الشاطئ كتبت عنه في هذه التراجم، ابنا، وزوجا، وأبا، وجدا. وخاضت، أيضا، معركة شهيرة مع عباس العقاد عن رؤيته الحادة والقاسية عن المرأة. ففي إحدى المرات شاهد العقاد الدكتورة بنت الشاطئ فسألها عن رأيها في روايته "سارة" فردت عليه قائلة: إنها لا ترى المرأة أبدا كما يصورها العقاد في روايته تلك.. ولما كان بصدد أن يكتب في تفسير القرآن وأصدر أول ما أصدر كتاب عن "المرأة في القرآن" وصب فيه كل غضبه ونقمته ضد المرأة، فقال مثلا إنه من المستحيل أن تكون المرأة نظيفة أبدا، وأن المرأة قذرة سافلة متخلفة ناقصة، لا خلق لها ولا ضمير.. فما كان من بنت الشاطئ إلا أن ردت على كلامه وتحقيره للمرأة بهذه الصورة وتفسيره المتجني لبعض آيات القرآن التي أوردها للتدليل على صحة رأيه. وذكرت أن من النساء فاطمة بنت النبي وخديجة أم المؤمنين وسيدات بيت النبوة الأطهار. كان بداية ردها عليه في مقال لها بعنوان "اللهم إني صائمة". ثم رد العقاد عليها بالتجريح والتجاهل في نفس الوقت، حيث كتب: إن السيدة بنت الشاطىء لا تحوجنا إلى جواب، لأنها هي بذاتها جوابنا المفحم، ولو أننا بحثنا عن رد عليها أقوى منها لإقناعها لأعيتنا الردود، فمن الخير أن يُصان الكلام لغير هذا المجال. مما زاد من ثورتها لتكتب مقالها الثاني والذ كان بعنوان "ما لم أقوله وأنا صائمة". فما كان من العقاد إلا أن كتب ورد، هذه المرة، بقسوته وصرامته المعهودة عنه فقال عنها "لا أضعها فى عالم النساء، ولا فى عالم الرجال وإنها المثل الواضح على تناقض المرأة حتى فى الشكل وليس المضمون فحسب". وأكمل "إننى أعجب من دفاع امرأة هى رقم اثنين فى الترتيب عند الرجل الزوج بالنسبة إلى بنات جنسها من النساء.. كيف تسمح لنفسها بأن تدافع عن المرأة وكأن جميع النساء وكلوها نيابة عنهن؟!" وردت بمقال ثالث ختمت به المعركة من جانبها وقررت ذلك احتراما لنفسها بأن تصمت ولا تكرر الكلام ولا تنزلق في الرد أكثر من هذا. وقالت في نهاية مقالها الأخير "بقيت كلمة أرجوا أن تحسم هذا الموقف الكريه وهي أن كل ما يقوله الكاتب وغيره من خير في الرجال فهو منا وإلينا، لأنهم أبناؤنا وأزواجنا وإخوتنا وأباؤنا، وكل شر يقال في المرأة فهو حتماً مردود إلى الرجل، لأن الدنيا لم تعرف رجلاً لم تلده أنثى". طوال هذه المعركة، ولا في غيرها من المعارك الفكرية، لم يتخل أو يرد الشيخ أمين الخولي زوجها، ولا تلاميذه؛ احتراما وتقديرا لها، وأنها تستطيع ولديها القدرة والحجة العلمية للرد، كما أنها لم تطلب، في أي مرة، أي تدخل.
عاشت الدكتورة بنت الشاطئ حياة ممتدة وغنية بالعلم والمعرفة والكفاح والمعارك الفكرية. وظلت حتى النهاية تكتب بأسلوبها ونثرها الجميل والفصيح، من أثر القرآن عليها وعلى لغتها، وتضيف بعلمها الغزير لتعيد قراءة القديم وتقدمه في صورة جديدة بإضافاتها ورؤيتها. وكانت تكتب حتى آخر أيامها مقالاتها الشهيرة في الأهرام بعنوان "شاهدة عصر" وآخر مقال لها كان بعنوان "علي بن أبي طالب كرم الله وجهه" يوم 26/11/1998م أي قبل وفاتها بأربعة أيام. وتوفيت يوم الثلاثاء 1 ديسمبر 1998م. وودعتها مصر بجنازة مهيبة تليق بعالمة كبيرة وإنسانة عظيمة هي الدكتور عائشة عبد الرحمن.
https://almanassa.net/ar/story/5218
Published on July 24, 2017 02:21
date
newest »
newest »



وبارك الله فيكم ونفع بكم