أغنية المقهى الحزين
أغنية المقهى الحزين(3)كارسُن مكّلَرْز
يرجى عدم إعادة نشر هذه الحلقة أو أي من الحلقات التالية من الرواية بغير تواصل مباشر مع المترجم
ولا بد أن يمرَّ الزمن. أربع سنوات تشابهت أيامها. حدثت تغيرات عظيمة، ولكنها حدثت على مهل، في خطى وئيدة لا تبدو ذات شأن في ذاتها. بقي الأحدب يعيش مع الآنسة آيمليا. ومضى المقهى يتوسَّع تدريجيا، فبدأت الآنسة آيمليا تبيع الشراب بالكأس، وجيء ببضع موائد إلى المتجر، وبدأ الزبائن يتردَّدون على المكان كلَّ مساء، ويزدحمون في مساء السبت. وبدأت الآنسة آيمليا تقدِّم عشاء من السمك المقلي بخمسين سنتا للطبق. وبإلحاح من الأحدب اشترت بيانو آليا جيدا، فلم تمض سنتان إلا وقد كفّ المتجر عن كونه متجرا، وتحوَّل إلى مقهى كامل، يفتح أبوابه كلَّ مساء من السادسة إلى الحادية عشرة. كلَّ ليلة كان الأحدب ينزل الدرج بسيماء المعتزّ بنفسه أشد الاعتزاز، ورائحة ورق اللفت الخفيفة تفوح منه دائما، إذ كانت الآنسة آيمليا تدلِّكه مساء وصباحا باللفت المنقوع في الشراب تريد تقويته. كانت تدلَّلـه بصورة تتجاوز المنطق، ولكن لم يبد أن شيئا يؤدي إلى تقويته، فلم يكن يزيده الطعام إلا ضخامة في حدبته ورأسه أما بقية جسمه فبقيت ضعيفة شائهة. وبقيت الآنسة آيمليا على حالها لم يتغير مظهرها. فهي في أيام العمل ترتدي حذاء البرك والعفريتة، وفي يوم الأحد ترتدي فستانا أحمر داكنا يبدو في غاية الأناقة عليها. أما أخلاقها وسلوكها في الحياة فتغيرت تغيرا عظيما. بقيت على حبها لضراوة التقاضي، ولكنها لم تعد تسارع إلى خداع الناس وانتزاع الأجور الباهظة. ولأن الأحدب كان اجتماعيا تماما، فقد صارت تحضر قليلا من الفعاليات والجنازات ومثل ذلك. وبقي عملها الطبي ناجحا كدأبه، وشرابها ازداد جمالا عن ذي قبل، إن أمكن أن يزداد جمالا على جماله. ونجح المقهى وربح وصار مكان التسلية الوحيد في نطاق أميال كثيرة.وبوسعكم في هذه اللحظة أن تنظروا إلى هذه السنين عبر لمحات عشوائية غير مترابطة، لتروا الأحدب يتبع خطى الآنسة آيمليا ذات صباح شتائي أحمر الشفق قاصدين غابة الصنوبر بهدف الصيد، وتروهما في ممتلكاتها وابن الخالة لايمن واقف لا يفعل أي شيء عدا أنه يسارع بالإشارة إلى أي بادرة كسل بين العاملين. وفي الأمسيات الخريفية كانا يجلسان على الدرج الخلفي يقشِّران القصب، وأيام الصيف الحارة يقضيانها بعيدا في البرك وسط شجر السرو المائي داكن الخضرة وتحت الشجر المتشابك حيث العتمة الناعسة. وحيثما يقودهما الطريق إلى أخدود عميق موحل أو امتداد من المياه المسودّة تروا الآنسة آيمليا وقد انحنت ليزحف ابن الخالة لايمن معتليا ظهرها، وتروها تتقدم خائضة إلى الأمام والأحدب مستقر على كتفيها متشبث في أذنيها أو في جبهتها العريضة. وبين الحين والآخر كانت الآنسة آيمليا تدير الفورد التي سبق أن اشترتها وتصطحب ابن الخالة لايمن إلى عرض مصور في تشيهو أو إلى معرض بعيد أو مباراة من مبارايات مصارعة الديكة، فيجد الأحدب في ذلك كله بهجة طاغية. وكانا بالطبع يتواجدان في مقهاهما كل صباح، أو يجلسان بالساعات في ردهة الطابق العلوي بجوار المدفأة. وكان الأحدب يتوعك في الليل ويرهب الرقود وحده محملقا في العتمة. كان يشعر بخوف عميق من الموت. وما كانت الآنسة آيمليا لتتركه وشأنه يعاني كلَّ هذا الرعب. وربما لا يجافي المنطق أن يوعَز إنشاء المقهى إلى هذا السبب في المقام الأول، وهو أنه كان سببا لتهيئة صحبة للأحدب وإدخال السرور على قلبه في الليل. فلتؤلفوا من هذه البوارق صورة لتلك السنوات. وليبق الأمر على هذا في اللحظة الراهنة. والآن لا بد من تفسير لهذا السلوك كله. الآن حان وقت الكلام عن الحب. لقد أحبت الآنسة آيمليا ابن الخالة لايمن. ذلك أمر كان شديد الوضوح للجميع. كانا يعيشان في بيت واحد، ولا يرى أحدهما بدون الآخر. وإذن، بحسب ما رأت السيدة مكفيل، العجوز الفضولية الحشرية التي لا تكف عن نقل أثاثها الرث في أرجاء غرفة بيتها الأمامية، وبحسب ما رأى أشخاص بعينهم، فقد كان الاثنان يعيشان في الحرام. ولو أنهما قريبان، فالقرابة بعيدة للغاية، بل ولا يمكن إثباتها.ولقد كانت الآنسة آيمليا بالطبع شخصا أخرق للغاية، تتجاوز في طولها مائة وثمانين سنتيمتر، وكان ابن الخالة لايمن لا يكاد يصل إلى خصرها، ولكن ذلك كان من دواعي سرور السيدة مكفيل وصاحباتها، فهن وأمثالهن يبتهجن بكل قران لا يقوم على توافق بل يبدو متنافرا مثيرا للشفقة. فلنتركهن وشأنهن. أما الأخيار فرأوا أنه إن كان الاثنان قد وجدا في أحدهما الآخر ما يرضي جسديهما، فالأمر لا يعني أحدا، إلا هما والرب. وعلى ذلك الذي ذهبت إليه الظنون وافق العقلاء جميعا فلم يكن لهم رد فعل إزاءه. فماذا كانت طبيعة ذلك الحب إذن؟الحب، ابتداء، تجربة مشتركة بين اثنين، لكن اشتراك اثنين في هذه التجربة لا يعني بأي حال أن التجربة تتماثل لهذين الاثنين. هناك المحب والمحبوب، فهذا من بلد وذاك من بلد. في الغالب لا يكون المحبوب إلا حافزا لكل الحب المخزون الكامن في هدوء داخل المحب منذ وقت طويل. وكل محب يعرف هذا بطريقة أو بأخرى. يشعر في قرارة نفسه أن حبه شأنه وحده. ويحدث أن يعرف لونا جديدا عليه، وغريبا، من الوحدة، وفي هذه المعرفة شقاؤه. ولا يكون بيد المحب إلا شيء واحد يفعله. عليه أن يؤوي هذا الحب في نفسه خير إيواء يستطيعه، وعليه أن يخلق في نفسه عالما كاملا جديدا، عالما محتدما غريبا مكتملا في ذاته. ولنضف هنا أن هذا المحب الذي نتكلم عنه ليس بالضرورة شابا يكافح من أجل خاتم الزفاف، فقد يكون رجلا أو امرأة أو طفلا، أو أي كائن بشري على وجه الأرض في حقيقة الأمر.وقد يكون للمحبوب كذلك أي وصف. فأغرب الناس قد يكونون حوافز للحب. قد يكون رجل جَدًّا مخرفا ولا يزال واقعا في غرام فتاة غريبة رآها في شوارع تشيهو ذات أصيل قبل عقدين من الزمن. قد يهوى الواعظ ساقطة. والمحبوب قد يكون خائنا، غبيا، مجبولا على عادات شريرة. ويرى المحب هذا فيه مثلما يراه فيه غيره، فلا يؤثّر ذلك على نماء حبه مثقال ذرة. وأبسط الناس شأنا قد يكون موضع حب جامح فادح جميل جمال سوسنات البرك السامة. وقد يكون الرجل الخيّر حافزا لحب عنيف ومنحط، وقد يبعث مجنون ثرثار في نفس شخص ما أنشودة بسيطة رحيمة. وإذن فقيمة كل حب ومنزلته تتحددان فقط بين المحب ونفسه.ولهذا السبب يؤثر أغلبنا أن يحبوا على أن يحبهم الآخرون. يكاد الجميع يريدون أن يكونوا هم المحبون. والحقيقة العارية، أن الكثيرين ـ في أعماق سرائرهم ـ لا يطيقون أن يكونوا موضع حب. فالمحبوب يخاف المحب ويمقته، ولأوجه الأسباب. ذلك أن المحب ساع إلى الأبد إلى تعرية محبوبه. والمحب لا يترك سبيلا يستطيعه إلى صلة بحبيبه، وإن كان في هذه الصلة ألم له.وقد سبق القول إن الآنسة آيمليا عرفت الزواج ذات يوم. ولعلنا الآن ننظر في هذه الحلقة المثيرة. فقط تذكروا أن الأمر برمته وقع قبل زمن بعيد، وأن العلاقة الشخصية الوحيدة في حياة الآنسة آيمليا قبل أن يأتي إليها الأحدب كانت تتمثل في هذه الظاهرة، ظاهرة الحب.في ذلك الزمن كانت البلدة كما هي الآن، باستثناء أن متجرين فقط كانا فيه بدلا من ثلاثة وأن أشجار البرقوق المحاذية للشارع كانت أكثر اعوجاجا وأصغر حجما مما هي عليه الآن. كانت الآنسة آيمليا في التاسعة عشرة من العمر في ذلك الوقت وقد غيَّب الموت أباها قبل شهور كثيرة. وكان في البلدة في ذلك الوقت ميكانيكي متخصص في إصلاح الأنوال يدعى "مارفين ميسي"، شقيق "هنري ميسي"، برغم أن من يعرفهما لا يقول قط إن بينهما قرابة. فقد كان مارفين ميسي أكثر رجال المنطقة وسامة، فيتجاوز طول قامته مترا وثمانين سنتيمتر، ويبدو قوي العضلات، رمداي العينين، متماوج الشعر. وكان موسرا، يقبض يومية محترمة، وعنده ساعة ذهبية يفتح غطاؤها على صورة شلال. فمن ظاهر الأمور، ومن وجهة النظر الدنيوية المباشرة، كان مارفين ميسي سعيد الحظ، غنيا عن الانحناء لأحد، ولا يحول بينه وبين ما يريده حائل. ولكن من وجهة نظر أدقّ وأكثر تمعنا، لم يكن مارفين ميسي بالشخص الذي يحسده الناس على ما هو فيه، فقد كان شخصا فاسد الروح، سيء السمعة شأن أي شاب في المقاطعة إن لم يكن أسوأ سمعة، إذ كان يحمل لسنوات، منذ أن كان صبيا، أذنا مملحة مجففة اغتنمها من رجل قتله في معركة بالأمواس. وكان قبل ذلك يقطع ذيول السناجب في غابة الصنوبر على سبيل التسلية، ويحمل في جيبه الخلفي الأيسر الماريوانا الممنوعة ليغوي بها المتمنعين، المحبطين، المتلهفين على الموت. ولكنه برغم سمعته تلك كان محبوبا من إناث كثيرات في المنطقة، وكانت في المنطقة في ذلك الوقت شابات كثيرات نظيفات الشعر ساهمات الطرف ليّنات الأرداف باديات الفتنة. أولئك الرقيقات جلب هو عليهن العار. ثم حدث أخيرا أن وقع اختيار هذا المارفين ميسي ـ وهو في الثانية والعشرين ـ على الآنسة آيمليا. تلك الفتاة الوحيدة النحيلة شاذة العينين هي التي تاق إليها. فلم تكن رغبته فيها لما لها من مال، بل هو الحب ولا شيء غيره. وبدَّل الحب مارفين ميسي. فقبل أن يقع في غرام الآنسة آيمليا كان يحقُّ لأي شخص أن يتساءل إن كان لذلك الشخص مثل الناس روح وقلب، لولا أن كان لقبح شخصيته تفسير، فقد كانت بدايته في الدنيا صعبة، إذ كان أحد سبعة أبناء مرفوضين يصعب وصف أبويهم بالأبوين، إذ كانا شخصين جامحين يحبان صيد السمك والصعلكة في البرك، فلم يريا في أبنائهما ـ الذين كانوا يزدادون ابنا كل عام تقريبا ـ إلا عبئا عليهما، فكانا عند رجوعهما ليلا من المصنع ينظران إلى أبنائهما وكأنهما لا يعلمان من أي داهية أتوا، وإن بكى الأطفال فجزاؤهم الضرب، فكان أول ما تعلموه في هذه الدنيا هو أن يبحثوا لأنفسهم عن أظلم ركن من الغرفة ليختفوا فيه. كانوا نِحَالا كأنهم أشباح شيباء، وما كانوا يتكلمون حتى مع بعضهم البعض، وأخيرا نبذهم أبواهم تماما وتركوهم تحت رحمة البلدة. حدث ذلك ذات شتاء قاس، أغلق فيه المصنع أبوابه لنحو ثلاثة شهور، فعمّ الشقاء. ولكن هذه ليست بالبلدة التي تترك أيتاما بيضا يهلكون أمام أعينهم. فهذا ما كان: سار أكبر الأطفال، وكان في الثامنة، إلى تشيهو واختفى هناك، فلعله وثب إلى قطار بضائع ومضى إلى حيث مضى من العالم. وثلاثة من الأطفال تبنّتهم البلدة فهم يتنقلون من مطبخ إلى مطبخ، ولما كانوا ضعاف البنية فلم يحل عيد الفصح إلا وهم موتى. وكان أصغرهم مارفين ميسي وهنري ميسي، ووجدا لهما منزلا. كانت في البلدة امرأة طيبة تدعى ماري هالي أخذت مارفين ميسي وهنري ميسي وأولتهما من الحب ما توليه امرأة لأبنائها. فشبَّ الولدان في بيتها على المعاملة الحسنة.ولكن قلوب الصغار أعضاء رقيقة، وقد يشوِّهها في هذه الدنيا سوء البداية فتتخذ أشكالا لا عهد لأحد بها. فلعل قلب طفل يتأذى أو يتقلص إلى الأبد فيقسو ويشتد كأنه نواة برقوقة. ولعله يتقيح ويتورّم فلا يطيق جسد شقاء احتوائه فيه إذ تفطره أغلب أمور الحياة العادية. وهذا القلب الأخير كان قلب هنري ميسي الذي كان ـ على النقيض من أخيه ـ أطيب وأرق رجال البلدة. كان يقرض المعوزين يوميته، وفي الأيام الخوالي كان يعتني بالصغار حينما يذهب آباؤهم للقصف في المقهى مساء كل سبت، ولكنه رجل حيي، ترى في وجهه أنه يحمل بين ضلوعه قلبا كليلا يعاني. في حين شبَّ مارفين ميسي قاسيا جريئا لا يهاب شيئا. قسا قلبه فكأنه قرنان في رأس شيطان، فظلَّ إلى أن وقع في حب الآنسة آيمليا لا يجلب لأخيه وللسيدة الفاضلة التي أنشأته إلا العار والمشاكل.ولكن الحب أبدله بنفسه نفسا جديدة. ظلَّ لسنتين يحبُّها دون أن يعلن عن حبه. كان يقف بجوار باب بيتها، وقبعته بين يديه، وفي عينيه الرماديتين الغائمتين شوق وشقاء. أصلح من نفسه تماما. صار أخا لأخيه، وابنا لأمه، ومدخرا ليوميته. ولم يكن الاقتصاد وحده هو الذي تعلَّمه، بل اقترب من الرب. فلم يعد في أيام الأحد يستلقي على ظهره في السقيفة، منهمكا في الغناء والعزف على الجيتار، بل بات يتجه إلى الكنيسة فيحضر قداسها ولقاءاتها الدينية. وتعلم الأخلاق القويمة، فصار يقوم تاركا كرسيه لسيدة، وعدل عن السباب والشجار وامتهان المقدسات. وعلى مدار سنتين مضى في هذا التحول سالكا كل سبيل إلى تقويم نفسه. وفي نهاية السنتين مضى ذات مساء إلى الآنسة آيمليا، حاملا باقة من زهور البرك، وكيسا من السجق، وخاتما من فضة، وفي تلك الليلة أعلن مارفين ميسي عن حبه.وتزوجته الآنسة آيمليا. فتساءل جميع الناس بعدها عن السبب. قال البعض إنها أرادت فقط أن تنال هدايا الزواج، وقال بعضهم إن ذلك كان بإلحاح من عمة لها في تشيهو، هي عجوز هرمة شمطاء. وعلى أي حال، سارت الآنسة آيمليا بخطى عريضة في ممر الكنيسة مرتدية ثوب زفاف أمها الميتة وكان أقصر بنحو اثنتي عشرة بوصة من أن يناسبها وفيه بقعة صفراء تلوثه. حدث ذلك ذات أصيل شتائي سطعت شمسه الصافية عبر شبابيك الكنيسة راسمة وهجا غامضا على الاثنين الواقفين لدى المذبح. وفيما كانت تتلى صلاة الزواج، مضت الآنسة آيمليا في حركة غريبة، إذ أخذت تحك يدها اليمنى في جانب ثوب زفافها المبقع، تتلمس جيب عفريتتها ولا تجدها، فنفد صبرها وضجرت وامتلأت بالغضب. فلما تليت الصلاة، وانتهت المراسم، سارعت الآنسة آيمليا إلى الخروج من الكنيسة، غير متأبطة ذراع زوجها، بل متقدمة عليه بخطوتين على الأقل. وليست الكنيسة بالبعيدة عن المتجر، فمض العروسان إلى بيتهما سائرين. يقال إن الآنسة آيمليا بدأت تتكلم وهما في الطريق عن صفقة كانت تعمل على إبرامها مع فلاح بشأن شحنة حطب. والحقيقة أنها كانت تتعامل مع عريسها بمثل الطريقة التي كان يمكن أن تعامل بها زبونا يدخل المتجر لشراء زجاجة. ولكن الأمور سارت بينهما في لياقة حتى ذلك الحين، وسعدت البلدة لما رأى الناس ما فعله الحب في مارفين ميسي ولم يبق ما يرجونه إلا أن يغيِّر الحب من العروس أيضا. وكان أقل ما ينتظرونه من الزواج أن يلطف قليلا من مزاج الآنسة آيمليا، ويضفي عليها قليلا من طبع العرائس، ويجعل منها في النهاية امرأة يمكن توقع أفعالها.كانوا مخطئين. فالصبية الصغار الذين راقبوا من النافذة في تلك الليلة قالوا إن ذلك على وجه الدقة ما جرى: تناول العروسان وجبة مهيبة أعدَّها الزنجي المسنُّ جيف الذي كان يطبخ الطعام للآنسة آيمليا. فكانت العروس تنال من كل صنف، أما العريس فمضى ينتقي طعامه. ثم مضت العروس إلى شؤونها المعتادة، كقراءة الصحيفة والانتهاء من جرد محتويات المتجر، وما إلى ذلك. فيما تلكَّأ العريس في المدخل بوجه رضيٍّ أحمق مسترخٍ، وحيدا لا يراه أحد. في الحادية عشرة حملت العروس قنديلا وصعدت الدرج والعريس يتبعها عن قرب، فحتى ذلك الحين سار كل شيء على القدر الكافي من اللياقة، لكن ما أعقب ذلك لم يكن كذلك.لم يمض نصف الساعة إلا والآنسة آيمليا مندفعة تنزل الدرج في سروال ركوب الخيل وسترة كاكية، وقد اسودّ وجهها تماما، صفقت باب المطبخ وراءها وركلته ركله قبيحة. ثم تمالكت نفسها. وأوقدت نار الموقد وجلست فاردة قدميها على طرفه. مضت تقرأ "مجلة الفلاح" وتدخن من غليون أبيها، وقد قسا وجهها واحتدَّ، وابيضَّ مستردًّا لونه المألوف. وكانت بين الحين والآخر تتوقف لتدوِّن بعض المعلومات من المجلة على قصاصة ورق. وقرب الفجر مضت إلى مكتبها وأخرجت آلتها الكاتبة من الكيس، وكانت قد اشترتها حديثا وبدأت تتعلم استعمالها. وعلى ذلك النحو قضت أغلب ليلة زفافها. فلما طلع النهار مضت إلى فنائها وكأنما لم يحدث قبل ذلك أي شيء يذكر وانهمكت في إقامة عشة أرانب خشبية كانت قد بدأت إقامتها قبل أسبوع بنيَّةِ بيعها في مكان ما.ويا لأسف العريس حينما يعجز عن اصطحاب عروسه إلى السرير والبلدة كلها على علم بذلك. نزل مارفين ميسي في ذلك اليوم وهو لا يزال يرتدي حلة زفافه، ولكنه كليل الوجه. ولا يعلم إلا الله كيف مرّت عليه ليلته تلك. جلس في الفناء، والكآبة تعتليه، يتابع الآنسة آيمليا وقد بقي على مسافة منها، إلى أن خطرت له قرب الظهر فكرة فمضى باتجاه مدينة سوسايتي ورجع من هناك بهدايا، من بينها خاتم بحجر من الأوبال،له إطار وردي من النوع الذي كان سائرا في تلك الحقبة، وسوار فضيٌّ يتدلَّى منه قلبان وعلبة حلوى كلَّفته دولارين ونصف دولار. نظرت الآنسة آيمليا إلى تلك الهدايا الجميلة وفتحت علبة الحلوى لأنها كانت جائعة. أما بقية الهدايا فعاينتها للحظة في استهزاء تحاول تقييمها ثم وضعتها في النضد للبيع. وانقضى المساء تقريبا في ما انقضى فيه المساء السابق لولا أن الآنسة آيمليا أتت بحشيَّة من الريش إلى المطبخ فوضعتها بجوار الموقد ونامت هناك نوما هنيئا.ومضت الأمور على ذلك الحال لثلاثة أيام، فانهمكت الآنسة آيمليا في أعمالها المعتادة، مهتمة اهتماما غير عادي بشائعة سرت عن جسر يوشك أن يقام على بعد عشرة أميال. وبقي مارفين ميسي يتبعها من مكان إلى مكان، وقد نطق وجهه بما يعانيه. ثم إنه فعل في اليوم الرابع أمرا ساذجا: فقد مضى إلى تشيهو ورجع ومعه محامٍ، ثم وقّع في مكتب الآنسة آيمليا وثيقة تنازل لها بموجبها عن كل ما يملكه من حطام الدنيا، ولم يكن يعدو عشرة أكرات من أراضي الغابة اشتراها بما ادخره خلال السنتين السابقتين. تمعنت في الوثيقة تتثبت أنه ما من مجال لخدعة ثم وضعتها في ملف في درج مكتبها. في عصر ذلك اليوم أخذ مارفين ميسي ربع جالون من الويسكي وخرج به وحده إلى البرك وكانت الشمس لم تزل ساطعة. وفي المساء عاد سكران، فصعد إلى الآنسة آيمليا وعيناه مشدوهتان دامعتان، ووضع يده على كتفها. كان يحاول أن يقول لها شيئا ولكنه قبل أن يفتح فمه تلقّى منها في وجهه لكمة ألقت به من فرط قوتها إلى الجدار كاسرة إحدى أسنانه.ولا يمكن ذكر بقية الحكاية إلا في خطوطها العريضة. بعد تلك الضربة الأولى صارت الآنسة آيمليا تضربه كلما صار على مسافة منها تقلّ عن ذراع، وكلما رأته سكران. ثم طردته من بيتها تماما، فأرغمته أن يعاني ما يعانيه على مرأى من الناس. صار في النهار يتسكع على حدود بيت الآنسة آيمليا، وفي بعض الأحيان، بسيماء جنونية مرهقة، يحضر بندقيته ويجلس هناك ينظفها، محملقا في الآنسة آيمليا في ثبات. وإذا كان ذلك أخافها، فهي لم تبد ذلك الخوف، بل ازداد وجهها جدية عن ذي قبل، وكثيرا ما كانت تبصق على الأرض. وكان آخر جهوده الحمقاء أن تسلق إلى شباك متجرها ذات ليلة ليجلس هناك في الظلام، بلا غرض من أي نوع، حتى نزلت من الطابق العلوي في الصباح التالي. وإثر هذا توجهت الآسنة آيمليا مباشرة إلى المحكمة في تشيهو متصورة أنها يمكن أن تزجّ به في السجن بتهمة التعدي. وفي ذلك اليوم ترك مارفين ميسي البلدة، فلم يره أحد في خروجه، ولا علم إلى أين كانت وجهته. ولدى رحيله دسَّ أسفل عقب باب الآنسة آيمليا رسالة غامضة طويلة، نصفها مكتوب بالرصاص ونصفها بالحبر. رسالة حب جامحة، لكنها احتوت تهديدات أيضا، إذ أقسم أن لا يموت قبل أن ينال منها ويسوِّي حسابه معها. دامت زيجته عشرة أيام. وشعرت البلدة بالرضا الذي يشعر الناس به حينما ينتهي أمرُ امرئٍ تماما وعلى نحو فضائحي رهيب. وبقي للآنسة آيمليا كل ما كان يمتلكه مارفين ميسي، أرض الغابة، والساعة المطلية بالذهب، وكل شيء امتلكه في حياته، وإن لم يبد أن لأيٍّ من ذلك قيمة عندها حتى أنها في ربيع ذلك العام قطعت رداءه ـ الذي كان يرتديه مع عصابة كوكلوكس كلان العنصرية ـ وغطَّت بقماشه تبغها. أي أن كلّ ما فعله هو أنه زادها ثراء ومنحها حبه. والغريب أنها لم تتكلم عنه إلا بمرارة وحقد رهيبين، فلم تشر إليه باسمه قط، بل كانت دائما ما تذكره باستهزاء بقولها "ميكانيكي الأنوال". ولما وصلت إلى البلدة بعد ذلك الشائعات الرهيبة التي سرت حول مارفين ميسي، طربت لها الآنسة آيمليا أشد الطرب. فلقد كشفت شخصية مارفين ميسي أخيرا وجهها الحقيقي، بمجرد أن تحرَّرت روحه من الحب. صار مجرما تنشر الجرائد صورته واسمه في الولاية كلها. وذلك بعدما سطا على ثلاث محطات وقود ومتجر آيه آند بي في مدينة سوسايتي ببندقية مقصوصة الماسورة. كما اشتُبه في اغتياله سام ذي العين المشقوقة الذي كان من عتاة المختطفين. ارتبطت جميع تلك الجرائم باسم مارفين ميسي، فاشتهر شره عبر بلدات كثيرة. ثم نال منه القانون، وهو سكران، على باب نزل فقير، وجيتاره ملقى بجواره، وفي حذائه الأيمن سبعة وخمسون دولارا. فحوكم، وأدين، وبعث إلى السجن في أطلنطا. واطمأنّت الآنسة آيمليا طمأنينة عميقة.وإذن فقد جرى كل ذلك قبل زمان بعيد، وتلك هي قصة زواج الآنسة آيمليا. ولوقت طويل ظلت البلدة تضحك بسبب هذه الحكاية الغريبة. لكن برغم أن الوقائع الخارجية في هذا الحب سخيفة ومحزنة، لا بد أن نتذكر أن القصة الحقيقية هي التي جرت وقائعها في نفس المحب. فمَن غير الرب له الحكم الأخير على هذا الحب، أو أي حب؟ في الليلة الأولى للمقهى، تذكر الكثيرون فجأة ذلك العريس المكسور، حبيس السجن الموحش، على بعد أميال كثيرة. وفي السنوات التالية، لم تنس البلدة مارفين ميسي قط. صحيح أن اسمه لم يذكر مطلقا في حضور الآنسة آيمليا أو الأحدب، ولكن ذكرى هواه وجرائمه، وفكرة وجوده في زنزانته داخل السجن، كانت جميعا أشبه باللحن الخافت المؤرق المصاحب للحن غرام الآنسة آيمليا السعيد وبهجة المقهى. فلا تنسوا هذا المارفين ميسي، ذلك أن له في هذه القصة دورا رهيبا، ترونه عما قريب.
يتبع
يرجى عدم إعادة نشر هذه الحلقة أو أي من الحلقات التالية من الرواية بغير تواصل مباشر مع المترجم
ولا بد أن يمرَّ الزمن. أربع سنوات تشابهت أيامها. حدثت تغيرات عظيمة، ولكنها حدثت على مهل، في خطى وئيدة لا تبدو ذات شأن في ذاتها. بقي الأحدب يعيش مع الآنسة آيمليا. ومضى المقهى يتوسَّع تدريجيا، فبدأت الآنسة آيمليا تبيع الشراب بالكأس، وجيء ببضع موائد إلى المتجر، وبدأ الزبائن يتردَّدون على المكان كلَّ مساء، ويزدحمون في مساء السبت. وبدأت الآنسة آيمليا تقدِّم عشاء من السمك المقلي بخمسين سنتا للطبق. وبإلحاح من الأحدب اشترت بيانو آليا جيدا، فلم تمض سنتان إلا وقد كفّ المتجر عن كونه متجرا، وتحوَّل إلى مقهى كامل، يفتح أبوابه كلَّ مساء من السادسة إلى الحادية عشرة. كلَّ ليلة كان الأحدب ينزل الدرج بسيماء المعتزّ بنفسه أشد الاعتزاز، ورائحة ورق اللفت الخفيفة تفوح منه دائما، إذ كانت الآنسة آيمليا تدلِّكه مساء وصباحا باللفت المنقوع في الشراب تريد تقويته. كانت تدلَّلـه بصورة تتجاوز المنطق، ولكن لم يبد أن شيئا يؤدي إلى تقويته، فلم يكن يزيده الطعام إلا ضخامة في حدبته ورأسه أما بقية جسمه فبقيت ضعيفة شائهة. وبقيت الآنسة آيمليا على حالها لم يتغير مظهرها. فهي في أيام العمل ترتدي حذاء البرك والعفريتة، وفي يوم الأحد ترتدي فستانا أحمر داكنا يبدو في غاية الأناقة عليها. أما أخلاقها وسلوكها في الحياة فتغيرت تغيرا عظيما. بقيت على حبها لضراوة التقاضي، ولكنها لم تعد تسارع إلى خداع الناس وانتزاع الأجور الباهظة. ولأن الأحدب كان اجتماعيا تماما، فقد صارت تحضر قليلا من الفعاليات والجنازات ومثل ذلك. وبقي عملها الطبي ناجحا كدأبه، وشرابها ازداد جمالا عن ذي قبل، إن أمكن أن يزداد جمالا على جماله. ونجح المقهى وربح وصار مكان التسلية الوحيد في نطاق أميال كثيرة.وبوسعكم في هذه اللحظة أن تنظروا إلى هذه السنين عبر لمحات عشوائية غير مترابطة، لتروا الأحدب يتبع خطى الآنسة آيمليا ذات صباح شتائي أحمر الشفق قاصدين غابة الصنوبر بهدف الصيد، وتروهما في ممتلكاتها وابن الخالة لايمن واقف لا يفعل أي شيء عدا أنه يسارع بالإشارة إلى أي بادرة كسل بين العاملين. وفي الأمسيات الخريفية كانا يجلسان على الدرج الخلفي يقشِّران القصب، وأيام الصيف الحارة يقضيانها بعيدا في البرك وسط شجر السرو المائي داكن الخضرة وتحت الشجر المتشابك حيث العتمة الناعسة. وحيثما يقودهما الطريق إلى أخدود عميق موحل أو امتداد من المياه المسودّة تروا الآنسة آيمليا وقد انحنت ليزحف ابن الخالة لايمن معتليا ظهرها، وتروها تتقدم خائضة إلى الأمام والأحدب مستقر على كتفيها متشبث في أذنيها أو في جبهتها العريضة. وبين الحين والآخر كانت الآنسة آيمليا تدير الفورد التي سبق أن اشترتها وتصطحب ابن الخالة لايمن إلى عرض مصور في تشيهو أو إلى معرض بعيد أو مباراة من مبارايات مصارعة الديكة، فيجد الأحدب في ذلك كله بهجة طاغية. وكانا بالطبع يتواجدان في مقهاهما كل صباح، أو يجلسان بالساعات في ردهة الطابق العلوي بجوار المدفأة. وكان الأحدب يتوعك في الليل ويرهب الرقود وحده محملقا في العتمة. كان يشعر بخوف عميق من الموت. وما كانت الآنسة آيمليا لتتركه وشأنه يعاني كلَّ هذا الرعب. وربما لا يجافي المنطق أن يوعَز إنشاء المقهى إلى هذا السبب في المقام الأول، وهو أنه كان سببا لتهيئة صحبة للأحدب وإدخال السرور على قلبه في الليل. فلتؤلفوا من هذه البوارق صورة لتلك السنوات. وليبق الأمر على هذا في اللحظة الراهنة. والآن لا بد من تفسير لهذا السلوك كله. الآن حان وقت الكلام عن الحب. لقد أحبت الآنسة آيمليا ابن الخالة لايمن. ذلك أمر كان شديد الوضوح للجميع. كانا يعيشان في بيت واحد، ولا يرى أحدهما بدون الآخر. وإذن، بحسب ما رأت السيدة مكفيل، العجوز الفضولية الحشرية التي لا تكف عن نقل أثاثها الرث في أرجاء غرفة بيتها الأمامية، وبحسب ما رأى أشخاص بعينهم، فقد كان الاثنان يعيشان في الحرام. ولو أنهما قريبان، فالقرابة بعيدة للغاية، بل ولا يمكن إثباتها.ولقد كانت الآنسة آيمليا بالطبع شخصا أخرق للغاية، تتجاوز في طولها مائة وثمانين سنتيمتر، وكان ابن الخالة لايمن لا يكاد يصل إلى خصرها، ولكن ذلك كان من دواعي سرور السيدة مكفيل وصاحباتها، فهن وأمثالهن يبتهجن بكل قران لا يقوم على توافق بل يبدو متنافرا مثيرا للشفقة. فلنتركهن وشأنهن. أما الأخيار فرأوا أنه إن كان الاثنان قد وجدا في أحدهما الآخر ما يرضي جسديهما، فالأمر لا يعني أحدا، إلا هما والرب. وعلى ذلك الذي ذهبت إليه الظنون وافق العقلاء جميعا فلم يكن لهم رد فعل إزاءه. فماذا كانت طبيعة ذلك الحب إذن؟الحب، ابتداء، تجربة مشتركة بين اثنين، لكن اشتراك اثنين في هذه التجربة لا يعني بأي حال أن التجربة تتماثل لهذين الاثنين. هناك المحب والمحبوب، فهذا من بلد وذاك من بلد. في الغالب لا يكون المحبوب إلا حافزا لكل الحب المخزون الكامن في هدوء داخل المحب منذ وقت طويل. وكل محب يعرف هذا بطريقة أو بأخرى. يشعر في قرارة نفسه أن حبه شأنه وحده. ويحدث أن يعرف لونا جديدا عليه، وغريبا، من الوحدة، وفي هذه المعرفة شقاؤه. ولا يكون بيد المحب إلا شيء واحد يفعله. عليه أن يؤوي هذا الحب في نفسه خير إيواء يستطيعه، وعليه أن يخلق في نفسه عالما كاملا جديدا، عالما محتدما غريبا مكتملا في ذاته. ولنضف هنا أن هذا المحب الذي نتكلم عنه ليس بالضرورة شابا يكافح من أجل خاتم الزفاف، فقد يكون رجلا أو امرأة أو طفلا، أو أي كائن بشري على وجه الأرض في حقيقة الأمر.وقد يكون للمحبوب كذلك أي وصف. فأغرب الناس قد يكونون حوافز للحب. قد يكون رجل جَدًّا مخرفا ولا يزال واقعا في غرام فتاة غريبة رآها في شوارع تشيهو ذات أصيل قبل عقدين من الزمن. قد يهوى الواعظ ساقطة. والمحبوب قد يكون خائنا، غبيا، مجبولا على عادات شريرة. ويرى المحب هذا فيه مثلما يراه فيه غيره، فلا يؤثّر ذلك على نماء حبه مثقال ذرة. وأبسط الناس شأنا قد يكون موضع حب جامح فادح جميل جمال سوسنات البرك السامة. وقد يكون الرجل الخيّر حافزا لحب عنيف ومنحط، وقد يبعث مجنون ثرثار في نفس شخص ما أنشودة بسيطة رحيمة. وإذن فقيمة كل حب ومنزلته تتحددان فقط بين المحب ونفسه.ولهذا السبب يؤثر أغلبنا أن يحبوا على أن يحبهم الآخرون. يكاد الجميع يريدون أن يكونوا هم المحبون. والحقيقة العارية، أن الكثيرين ـ في أعماق سرائرهم ـ لا يطيقون أن يكونوا موضع حب. فالمحبوب يخاف المحب ويمقته، ولأوجه الأسباب. ذلك أن المحب ساع إلى الأبد إلى تعرية محبوبه. والمحب لا يترك سبيلا يستطيعه إلى صلة بحبيبه، وإن كان في هذه الصلة ألم له.وقد سبق القول إن الآنسة آيمليا عرفت الزواج ذات يوم. ولعلنا الآن ننظر في هذه الحلقة المثيرة. فقط تذكروا أن الأمر برمته وقع قبل زمن بعيد، وأن العلاقة الشخصية الوحيدة في حياة الآنسة آيمليا قبل أن يأتي إليها الأحدب كانت تتمثل في هذه الظاهرة، ظاهرة الحب.في ذلك الزمن كانت البلدة كما هي الآن، باستثناء أن متجرين فقط كانا فيه بدلا من ثلاثة وأن أشجار البرقوق المحاذية للشارع كانت أكثر اعوجاجا وأصغر حجما مما هي عليه الآن. كانت الآنسة آيمليا في التاسعة عشرة من العمر في ذلك الوقت وقد غيَّب الموت أباها قبل شهور كثيرة. وكان في البلدة في ذلك الوقت ميكانيكي متخصص في إصلاح الأنوال يدعى "مارفين ميسي"، شقيق "هنري ميسي"، برغم أن من يعرفهما لا يقول قط إن بينهما قرابة. فقد كان مارفين ميسي أكثر رجال المنطقة وسامة، فيتجاوز طول قامته مترا وثمانين سنتيمتر، ويبدو قوي العضلات، رمداي العينين، متماوج الشعر. وكان موسرا، يقبض يومية محترمة، وعنده ساعة ذهبية يفتح غطاؤها على صورة شلال. فمن ظاهر الأمور، ومن وجهة النظر الدنيوية المباشرة، كان مارفين ميسي سعيد الحظ، غنيا عن الانحناء لأحد، ولا يحول بينه وبين ما يريده حائل. ولكن من وجهة نظر أدقّ وأكثر تمعنا، لم يكن مارفين ميسي بالشخص الذي يحسده الناس على ما هو فيه، فقد كان شخصا فاسد الروح، سيء السمعة شأن أي شاب في المقاطعة إن لم يكن أسوأ سمعة، إذ كان يحمل لسنوات، منذ أن كان صبيا، أذنا مملحة مجففة اغتنمها من رجل قتله في معركة بالأمواس. وكان قبل ذلك يقطع ذيول السناجب في غابة الصنوبر على سبيل التسلية، ويحمل في جيبه الخلفي الأيسر الماريوانا الممنوعة ليغوي بها المتمنعين، المحبطين، المتلهفين على الموت. ولكنه برغم سمعته تلك كان محبوبا من إناث كثيرات في المنطقة، وكانت في المنطقة في ذلك الوقت شابات كثيرات نظيفات الشعر ساهمات الطرف ليّنات الأرداف باديات الفتنة. أولئك الرقيقات جلب هو عليهن العار. ثم حدث أخيرا أن وقع اختيار هذا المارفين ميسي ـ وهو في الثانية والعشرين ـ على الآنسة آيمليا. تلك الفتاة الوحيدة النحيلة شاذة العينين هي التي تاق إليها. فلم تكن رغبته فيها لما لها من مال، بل هو الحب ولا شيء غيره. وبدَّل الحب مارفين ميسي. فقبل أن يقع في غرام الآنسة آيمليا كان يحقُّ لأي شخص أن يتساءل إن كان لذلك الشخص مثل الناس روح وقلب، لولا أن كان لقبح شخصيته تفسير، فقد كانت بدايته في الدنيا صعبة، إذ كان أحد سبعة أبناء مرفوضين يصعب وصف أبويهم بالأبوين، إذ كانا شخصين جامحين يحبان صيد السمك والصعلكة في البرك، فلم يريا في أبنائهما ـ الذين كانوا يزدادون ابنا كل عام تقريبا ـ إلا عبئا عليهما، فكانا عند رجوعهما ليلا من المصنع ينظران إلى أبنائهما وكأنهما لا يعلمان من أي داهية أتوا، وإن بكى الأطفال فجزاؤهم الضرب، فكان أول ما تعلموه في هذه الدنيا هو أن يبحثوا لأنفسهم عن أظلم ركن من الغرفة ليختفوا فيه. كانوا نِحَالا كأنهم أشباح شيباء، وما كانوا يتكلمون حتى مع بعضهم البعض، وأخيرا نبذهم أبواهم تماما وتركوهم تحت رحمة البلدة. حدث ذلك ذات شتاء قاس، أغلق فيه المصنع أبوابه لنحو ثلاثة شهور، فعمّ الشقاء. ولكن هذه ليست بالبلدة التي تترك أيتاما بيضا يهلكون أمام أعينهم. فهذا ما كان: سار أكبر الأطفال، وكان في الثامنة، إلى تشيهو واختفى هناك، فلعله وثب إلى قطار بضائع ومضى إلى حيث مضى من العالم. وثلاثة من الأطفال تبنّتهم البلدة فهم يتنقلون من مطبخ إلى مطبخ، ولما كانوا ضعاف البنية فلم يحل عيد الفصح إلا وهم موتى. وكان أصغرهم مارفين ميسي وهنري ميسي، ووجدا لهما منزلا. كانت في البلدة امرأة طيبة تدعى ماري هالي أخذت مارفين ميسي وهنري ميسي وأولتهما من الحب ما توليه امرأة لأبنائها. فشبَّ الولدان في بيتها على المعاملة الحسنة.ولكن قلوب الصغار أعضاء رقيقة، وقد يشوِّهها في هذه الدنيا سوء البداية فتتخذ أشكالا لا عهد لأحد بها. فلعل قلب طفل يتأذى أو يتقلص إلى الأبد فيقسو ويشتد كأنه نواة برقوقة. ولعله يتقيح ويتورّم فلا يطيق جسد شقاء احتوائه فيه إذ تفطره أغلب أمور الحياة العادية. وهذا القلب الأخير كان قلب هنري ميسي الذي كان ـ على النقيض من أخيه ـ أطيب وأرق رجال البلدة. كان يقرض المعوزين يوميته، وفي الأيام الخوالي كان يعتني بالصغار حينما يذهب آباؤهم للقصف في المقهى مساء كل سبت، ولكنه رجل حيي، ترى في وجهه أنه يحمل بين ضلوعه قلبا كليلا يعاني. في حين شبَّ مارفين ميسي قاسيا جريئا لا يهاب شيئا. قسا قلبه فكأنه قرنان في رأس شيطان، فظلَّ إلى أن وقع في حب الآنسة آيمليا لا يجلب لأخيه وللسيدة الفاضلة التي أنشأته إلا العار والمشاكل.ولكن الحب أبدله بنفسه نفسا جديدة. ظلَّ لسنتين يحبُّها دون أن يعلن عن حبه. كان يقف بجوار باب بيتها، وقبعته بين يديه، وفي عينيه الرماديتين الغائمتين شوق وشقاء. أصلح من نفسه تماما. صار أخا لأخيه، وابنا لأمه، ومدخرا ليوميته. ولم يكن الاقتصاد وحده هو الذي تعلَّمه، بل اقترب من الرب. فلم يعد في أيام الأحد يستلقي على ظهره في السقيفة، منهمكا في الغناء والعزف على الجيتار، بل بات يتجه إلى الكنيسة فيحضر قداسها ولقاءاتها الدينية. وتعلم الأخلاق القويمة، فصار يقوم تاركا كرسيه لسيدة، وعدل عن السباب والشجار وامتهان المقدسات. وعلى مدار سنتين مضى في هذا التحول سالكا كل سبيل إلى تقويم نفسه. وفي نهاية السنتين مضى ذات مساء إلى الآنسة آيمليا، حاملا باقة من زهور البرك، وكيسا من السجق، وخاتما من فضة، وفي تلك الليلة أعلن مارفين ميسي عن حبه.وتزوجته الآنسة آيمليا. فتساءل جميع الناس بعدها عن السبب. قال البعض إنها أرادت فقط أن تنال هدايا الزواج، وقال بعضهم إن ذلك كان بإلحاح من عمة لها في تشيهو، هي عجوز هرمة شمطاء. وعلى أي حال، سارت الآنسة آيمليا بخطى عريضة في ممر الكنيسة مرتدية ثوب زفاف أمها الميتة وكان أقصر بنحو اثنتي عشرة بوصة من أن يناسبها وفيه بقعة صفراء تلوثه. حدث ذلك ذات أصيل شتائي سطعت شمسه الصافية عبر شبابيك الكنيسة راسمة وهجا غامضا على الاثنين الواقفين لدى المذبح. وفيما كانت تتلى صلاة الزواج، مضت الآنسة آيمليا في حركة غريبة، إذ أخذت تحك يدها اليمنى في جانب ثوب زفافها المبقع، تتلمس جيب عفريتتها ولا تجدها، فنفد صبرها وضجرت وامتلأت بالغضب. فلما تليت الصلاة، وانتهت المراسم، سارعت الآنسة آيمليا إلى الخروج من الكنيسة، غير متأبطة ذراع زوجها، بل متقدمة عليه بخطوتين على الأقل. وليست الكنيسة بالبعيدة عن المتجر، فمض العروسان إلى بيتهما سائرين. يقال إن الآنسة آيمليا بدأت تتكلم وهما في الطريق عن صفقة كانت تعمل على إبرامها مع فلاح بشأن شحنة حطب. والحقيقة أنها كانت تتعامل مع عريسها بمثل الطريقة التي كان يمكن أن تعامل بها زبونا يدخل المتجر لشراء زجاجة. ولكن الأمور سارت بينهما في لياقة حتى ذلك الحين، وسعدت البلدة لما رأى الناس ما فعله الحب في مارفين ميسي ولم يبق ما يرجونه إلا أن يغيِّر الحب من العروس أيضا. وكان أقل ما ينتظرونه من الزواج أن يلطف قليلا من مزاج الآنسة آيمليا، ويضفي عليها قليلا من طبع العرائس، ويجعل منها في النهاية امرأة يمكن توقع أفعالها.كانوا مخطئين. فالصبية الصغار الذين راقبوا من النافذة في تلك الليلة قالوا إن ذلك على وجه الدقة ما جرى: تناول العروسان وجبة مهيبة أعدَّها الزنجي المسنُّ جيف الذي كان يطبخ الطعام للآنسة آيمليا. فكانت العروس تنال من كل صنف، أما العريس فمضى ينتقي طعامه. ثم مضت العروس إلى شؤونها المعتادة، كقراءة الصحيفة والانتهاء من جرد محتويات المتجر، وما إلى ذلك. فيما تلكَّأ العريس في المدخل بوجه رضيٍّ أحمق مسترخٍ، وحيدا لا يراه أحد. في الحادية عشرة حملت العروس قنديلا وصعدت الدرج والعريس يتبعها عن قرب، فحتى ذلك الحين سار كل شيء على القدر الكافي من اللياقة، لكن ما أعقب ذلك لم يكن كذلك.لم يمض نصف الساعة إلا والآنسة آيمليا مندفعة تنزل الدرج في سروال ركوب الخيل وسترة كاكية، وقد اسودّ وجهها تماما، صفقت باب المطبخ وراءها وركلته ركله قبيحة. ثم تمالكت نفسها. وأوقدت نار الموقد وجلست فاردة قدميها على طرفه. مضت تقرأ "مجلة الفلاح" وتدخن من غليون أبيها، وقد قسا وجهها واحتدَّ، وابيضَّ مستردًّا لونه المألوف. وكانت بين الحين والآخر تتوقف لتدوِّن بعض المعلومات من المجلة على قصاصة ورق. وقرب الفجر مضت إلى مكتبها وأخرجت آلتها الكاتبة من الكيس، وكانت قد اشترتها حديثا وبدأت تتعلم استعمالها. وعلى ذلك النحو قضت أغلب ليلة زفافها. فلما طلع النهار مضت إلى فنائها وكأنما لم يحدث قبل ذلك أي شيء يذكر وانهمكت في إقامة عشة أرانب خشبية كانت قد بدأت إقامتها قبل أسبوع بنيَّةِ بيعها في مكان ما.ويا لأسف العريس حينما يعجز عن اصطحاب عروسه إلى السرير والبلدة كلها على علم بذلك. نزل مارفين ميسي في ذلك اليوم وهو لا يزال يرتدي حلة زفافه، ولكنه كليل الوجه. ولا يعلم إلا الله كيف مرّت عليه ليلته تلك. جلس في الفناء، والكآبة تعتليه، يتابع الآنسة آيمليا وقد بقي على مسافة منها، إلى أن خطرت له قرب الظهر فكرة فمضى باتجاه مدينة سوسايتي ورجع من هناك بهدايا، من بينها خاتم بحجر من الأوبال،له إطار وردي من النوع الذي كان سائرا في تلك الحقبة، وسوار فضيٌّ يتدلَّى منه قلبان وعلبة حلوى كلَّفته دولارين ونصف دولار. نظرت الآنسة آيمليا إلى تلك الهدايا الجميلة وفتحت علبة الحلوى لأنها كانت جائعة. أما بقية الهدايا فعاينتها للحظة في استهزاء تحاول تقييمها ثم وضعتها في النضد للبيع. وانقضى المساء تقريبا في ما انقضى فيه المساء السابق لولا أن الآنسة آيمليا أتت بحشيَّة من الريش إلى المطبخ فوضعتها بجوار الموقد ونامت هناك نوما هنيئا.ومضت الأمور على ذلك الحال لثلاثة أيام، فانهمكت الآنسة آيمليا في أعمالها المعتادة، مهتمة اهتماما غير عادي بشائعة سرت عن جسر يوشك أن يقام على بعد عشرة أميال. وبقي مارفين ميسي يتبعها من مكان إلى مكان، وقد نطق وجهه بما يعانيه. ثم إنه فعل في اليوم الرابع أمرا ساذجا: فقد مضى إلى تشيهو ورجع ومعه محامٍ، ثم وقّع في مكتب الآنسة آيمليا وثيقة تنازل لها بموجبها عن كل ما يملكه من حطام الدنيا، ولم يكن يعدو عشرة أكرات من أراضي الغابة اشتراها بما ادخره خلال السنتين السابقتين. تمعنت في الوثيقة تتثبت أنه ما من مجال لخدعة ثم وضعتها في ملف في درج مكتبها. في عصر ذلك اليوم أخذ مارفين ميسي ربع جالون من الويسكي وخرج به وحده إلى البرك وكانت الشمس لم تزل ساطعة. وفي المساء عاد سكران، فصعد إلى الآنسة آيمليا وعيناه مشدوهتان دامعتان، ووضع يده على كتفها. كان يحاول أن يقول لها شيئا ولكنه قبل أن يفتح فمه تلقّى منها في وجهه لكمة ألقت به من فرط قوتها إلى الجدار كاسرة إحدى أسنانه.ولا يمكن ذكر بقية الحكاية إلا في خطوطها العريضة. بعد تلك الضربة الأولى صارت الآنسة آيمليا تضربه كلما صار على مسافة منها تقلّ عن ذراع، وكلما رأته سكران. ثم طردته من بيتها تماما، فأرغمته أن يعاني ما يعانيه على مرأى من الناس. صار في النهار يتسكع على حدود بيت الآنسة آيمليا، وفي بعض الأحيان، بسيماء جنونية مرهقة، يحضر بندقيته ويجلس هناك ينظفها، محملقا في الآنسة آيمليا في ثبات. وإذا كان ذلك أخافها، فهي لم تبد ذلك الخوف، بل ازداد وجهها جدية عن ذي قبل، وكثيرا ما كانت تبصق على الأرض. وكان آخر جهوده الحمقاء أن تسلق إلى شباك متجرها ذات ليلة ليجلس هناك في الظلام، بلا غرض من أي نوع، حتى نزلت من الطابق العلوي في الصباح التالي. وإثر هذا توجهت الآسنة آيمليا مباشرة إلى المحكمة في تشيهو متصورة أنها يمكن أن تزجّ به في السجن بتهمة التعدي. وفي ذلك اليوم ترك مارفين ميسي البلدة، فلم يره أحد في خروجه، ولا علم إلى أين كانت وجهته. ولدى رحيله دسَّ أسفل عقب باب الآنسة آيمليا رسالة غامضة طويلة، نصفها مكتوب بالرصاص ونصفها بالحبر. رسالة حب جامحة، لكنها احتوت تهديدات أيضا، إذ أقسم أن لا يموت قبل أن ينال منها ويسوِّي حسابه معها. دامت زيجته عشرة أيام. وشعرت البلدة بالرضا الذي يشعر الناس به حينما ينتهي أمرُ امرئٍ تماما وعلى نحو فضائحي رهيب. وبقي للآنسة آيمليا كل ما كان يمتلكه مارفين ميسي، أرض الغابة، والساعة المطلية بالذهب، وكل شيء امتلكه في حياته، وإن لم يبد أن لأيٍّ من ذلك قيمة عندها حتى أنها في ربيع ذلك العام قطعت رداءه ـ الذي كان يرتديه مع عصابة كوكلوكس كلان العنصرية ـ وغطَّت بقماشه تبغها. أي أن كلّ ما فعله هو أنه زادها ثراء ومنحها حبه. والغريب أنها لم تتكلم عنه إلا بمرارة وحقد رهيبين، فلم تشر إليه باسمه قط، بل كانت دائما ما تذكره باستهزاء بقولها "ميكانيكي الأنوال". ولما وصلت إلى البلدة بعد ذلك الشائعات الرهيبة التي سرت حول مارفين ميسي، طربت لها الآنسة آيمليا أشد الطرب. فلقد كشفت شخصية مارفين ميسي أخيرا وجهها الحقيقي، بمجرد أن تحرَّرت روحه من الحب. صار مجرما تنشر الجرائد صورته واسمه في الولاية كلها. وذلك بعدما سطا على ثلاث محطات وقود ومتجر آيه آند بي في مدينة سوسايتي ببندقية مقصوصة الماسورة. كما اشتُبه في اغتياله سام ذي العين المشقوقة الذي كان من عتاة المختطفين. ارتبطت جميع تلك الجرائم باسم مارفين ميسي، فاشتهر شره عبر بلدات كثيرة. ثم نال منه القانون، وهو سكران، على باب نزل فقير، وجيتاره ملقى بجواره، وفي حذائه الأيمن سبعة وخمسون دولارا. فحوكم، وأدين، وبعث إلى السجن في أطلنطا. واطمأنّت الآنسة آيمليا طمأنينة عميقة.وإذن فقد جرى كل ذلك قبل زمان بعيد، وتلك هي قصة زواج الآنسة آيمليا. ولوقت طويل ظلت البلدة تضحك بسبب هذه الحكاية الغريبة. لكن برغم أن الوقائع الخارجية في هذا الحب سخيفة ومحزنة، لا بد أن نتذكر أن القصة الحقيقية هي التي جرت وقائعها في نفس المحب. فمَن غير الرب له الحكم الأخير على هذا الحب، أو أي حب؟ في الليلة الأولى للمقهى، تذكر الكثيرون فجأة ذلك العريس المكسور، حبيس السجن الموحش، على بعد أميال كثيرة. وفي السنوات التالية، لم تنس البلدة مارفين ميسي قط. صحيح أن اسمه لم يذكر مطلقا في حضور الآنسة آيمليا أو الأحدب، ولكن ذكرى هواه وجرائمه، وفكرة وجوده في زنزانته داخل السجن، كانت جميعا أشبه باللحن الخافت المؤرق المصاحب للحن غرام الآنسة آيمليا السعيد وبهجة المقهى. فلا تنسوا هذا المارفين ميسي، ذلك أن له في هذه القصة دورا رهيبا، ترونه عما قريب.
يتبع
Published on November 07, 2016 23:01
No comments have been added yet.


