أغنية المقهى الحزين

أغنية المقهى الحزين
كارسُن مكّلَرْز

بلدة موحشة، ليس فيها سوى مصنع قطن، وبيوت عمال يتألف الواحد منها من غرفتين، وبضع شجرات برقوق، وكنيسة ذات شباكين ملونين، وشارع رئيسي بائس لا يكاد يبلغ طوله المائة متر. وفي ما عدا أيام السبت التي يتوافد فيها سكان المزارع القريبة لقضاء يوم في الأحاديث والشراء، تبقى البلد خاوية، كئيبة، أشبه بمكان ناءٍ مقطوعٍ عن العالم بكل ما فيه. أقرب محطات القطارات إليها محطة مدينة سوسايتي، أما أتوبيسات شركة "جرايهاوند آند وايت باص" فتمرُّ في طريق "فوركس فولز" الواقع على بعد ثلاثة أميال. شتاؤها قصير وحاد، وصيفها متوهج متقد الحرارة.وتسير في الشارع الرئيسي في عصر أي يوم من أغسطس، فلا تجد شيئا تفعله. أكبر المباني، وهو في مركز البلدة تماما، مكسوٌّ بألواح الخشب من جميع الجهات، ومائل إلى اليمين حتى ليبدو موشكا على الانهيار في أي دقيقة. هو بيت بالغ القدم، متصدع، غامض المنظر، يبعث في نفسك الحيرة إلى أن تدرك بغتة أن الجانب الأيمن من سقيفته كان قد لقي ـ في وقت من الأوقات قبل زمان بعيد ـ شيئا من الطلاء هو وجزء من الجدار، ثم لم يكتمل الطلاء، فبقي نصف البيت أشدَّ من نصفه دكنة وكآبة. يبدو البيت كله مهجورا. ومع ذلك قد تظهر من شباك غير مكسوٍّ بالخشب في طابقه الثاني يدٌ بين الحين والآخر في آخر العصر، عندما تبلغ الحرارة أوجها، فتفتح مصراعه ببطء، ليطلَّ على البلدة وجهٌ أشبه بوجوه الأحلام المعتمة، أبيض، غير معيَّن الجنس، في عينيه الرماديتين حَوَلٌ، فإحداهما تتجه إلى الداخل، كأنما تتبادل مع الأخرى نظرة حزن غامضة طوال الوقت. ويبقى الوجه في الشباك زهاء الساعة ثم يعود المصراع فيوصد من جديد، ويندر بعد ذلك أن يظهر في الشارع الرئيسي وجهٌ آخر. في عصر هذه الأيام من أغسطس، حينما تنتهي نوبة عملك لا يكون لديك شيء تفعله من أي نوع، فقد تذهب لتتمشى في طريق "فوركس فولز" منصتا لغناء المساجين العمال.ومع ذلك، حدث ذات يوم أن كان في هذه البلدة بالذات مقهى، وأن كان هذا البيت المكسو بألواح الخشب لا يختلف عن غيره من الأماكن المنتشرة لأميال من حوله، ففيه موائد عليها مفارش وفوط ورقية، وأشرطة ملونة تندفع من مراوح كهربائية، وتجمعات هائلة في ليالي السبت. كانت صاحبة المقهى هي الآنسة "آيمليا إيفانز". ولكن صاحب الفضل في نجاحه وبهجته كان أحدب يدعى ابن الخالة لايمُن. وكان لشخص آخر نصيب من قصة هذا المقهى، هو طليق الآنسة آيمليا، ذلك الشخص البشع الذي رجع إلى البلدة بعد قضاء عقوبة طويلة في السجن، فأنزل عليها الخراب، ثم رحل عنها من جديد. وبقي المقهى مغلقا منذ ذلك الحين، وإن لم يطوه النسيان.لم يكن المبنى مقهى طول الوقت، فقد ورثته الآنسة آيمليا عن أبيها الذي كان يديره متجرا يتعامل غالبا في العلف والسماد والسلع من قبيل دقيق القمح والذرة والسعوط. كانت الآنسة آيمليا ثرية، فعلاوة على المتجر كانت تدير معملا على بعد ثلاثة أميال في منطقة البرك لتقطير أفضل المشروبات الروحية في المقاطعة. وكانت طويلة، سمراء، لها مثل ما للرجال من العظام والعضلات. شعرها قصير، مصفَّف إلى الخلف، منحسر عن الجبهة، وفي وجهها المسفوع توتر وشراسة. وكان يمكن أن تبدو امرأة مقبولة المنظر لولا ذلك الحول الخفيف. وكان هناك من يتوددون إليها، ولكن الآنسة آيمليا لم تكن تكترث بحب الرجال، فكانت شخصا انعزاليا. ولم تكن زيجتها كأي زيجة عرفتها المقاطعة، كانت زيجة غريبة خطرة، لم تدم إلا عشرة أيام، فتسببت للبلدة كلها في صدمة وحيرة. وفي ما عدا تلك الزيجة الغريبة، عاشت الآنسة آيمليا حياتها وحيدة، بل وكانت كثيرا ما تقضي ليالي كاملة في كوخها بالبرك، مرتدية عفريتة الشغل والحذاء المطاطي، تحرس في صمت نار المعمل الهادئة.طابت الحياة للآنسة آيمليا لبراعتها في كل ما تجيده الأيدي، فقد كانت تبيع السجق في البلدة القريبة، وفي أيام الخريف الصافية كانت تطحن ذرة السرجوم دقيقا، وكان شراب مخازنها ذهبيا داكنا لذيذ النكهة. بل إنها بنت خلوتها الحجرية وراء المتجر في أسبوعين اثنين، كما كانت بارعة في النجارة، ولم تكن الآنسة آمليا تضطرب إلا مع الناس، فالناس ـ ما لم يكونوا مقهورين أو في شدة المرض ـ لا يمكن تناولهم بالأيدي وتغييرهم بين عشية وضحاها إلى ما له قيمة ومن ورائه ربح. وهكذا لم يكن للناس نفع لدى الآنسة آيمليا إلا أن تأخذ منهم مالا. وفي ذلك كانت ناجحة. رهون على المحاصيل والممتلكات، وورشة لنشر الخشب، وحساب في البنك، كانت أغنى امرأة على مسافة أميال في كل اتجاه. بل لعلها كانت في مثل ثراء عضو في الكونجرس، لولا الإخفاق الوحيد والكبير في حياتها، وهو غرامها بالقضايا والمحاكم. كانت تغرق نفسها في نزاع قضائي طويل مرير لأسباب تافهة لدرجة أن يقال إن الآنسة آيمليا لو تعثرت في صخرة لتلفتت حولها بالغريزة بحثا عما يبدو ذريعة للتقاضي. غير أنها فيما خلا هذه المنازعات القضائية كانت تعيش حياة مستقرة، فكل يوم من أيامها أشبه بسابقه. وباستثناء عشرة أيام زواجها لم يحدث قط ما يغيِّر هذه الحياة إلى أن جاء ربيع العام الذي بلغت فيه الآنسة آيمليا الثلاثين.حدث ذلك قرب منتصف ليلة هائدة ليِّنة من إبريل. كان للسماء لون سوسنة زرقاء من سوسن البرك، والقمر صاف وساطع، والمحاصيل في ذلك الربيع تبشِّر بالخير، والمصنع لجأ في الأسابيع السابقة إلى العمل في نوبة ليلية، وعلى مقربة من النهر الصغير كان مصنع الطوب يشعُّ بنور أصفر، وطنين خافت مستمر يملأ الليل. كانت ليلة يطيب فيها للنفس أن تسمع من على البعد، ومن وراء الحقول، أغنية بطيئة يردِّدها زنجيٌّ في طريقه إلى النوم مع امرأة. أو يطيب فيها الجلوس في هدوء بصحبة الجيتار، أو الاسترخاء ببساطة دونما تفكير في أي شيء. كان الشارع خاويا في تلك الليلة، لكن متجر الآنسة آيمليا مضاء وفي السقيفة خمسة أشخاص. أحدهم "ستامبي مكفيل"، كبير العمال، ذو الوجه الأحمر واليدين الأرجوانيتين الجميلتين. وعلى درجة السلم العليا صَبيَّان في ثياب الشغل، هما التوأمان ريني، وكلاهما نحيل سقيم أبيض الشعر ذو عينين خضراوين ناعستين. والرجل الآخر كان "هنري ميسي"، وهو شخص خجول جبان خلوق متوتر، جلس على طرف الدرجة الدنيا. والآنسة آيمليا نفسها وقفت مستندة على جانب الباب المفتوح وقد التفَّت إحدى ساقيها على الأخرى، وارتدت حذاء برك طويل الساق، ومضت في صبر تفتل حبلا وجدته بين يديها. ولوقت طويل لم يكن أحد هؤلاء قد نطق بكلمة.كان أحد التوأمين، الناظرين إلى الطريق الخاوي، هو أول من تكلم. قال "أرى شيئا آتيا".قال أخوه "عِجْلٌ قطع حبله".كان الشيء القادم لا يزال أبعد من أن تتضح معالمه، وقد بدا أسود تحت  القمر وسط ظلال غصون أشجار البرقوق الملتوية على جانب الطريق. فاح في الهواء عبير البراعم وامتزج دفءُ رائحة البرك القريبة اللاذعة بعذوبة عشب الربيع.قال ستامبي مكفيل "لا، بل هو شخص يا ولد.تابعت الآنسة آيمليا الطريق في صمت، وقد تركت حبلها ومضت تتحسَّس شريطي عفريتتها بيديها السمراوين النحيفتين. ارتسم العبوس على وجهها، وانسدلت على جبينها خصلة من شعرها. وفيما الخمسة منتظرون، بدأ كلب يعوي من أحد بيوت الشارع عواء خشنا جامحا لم يتوقف عنه إلا حينما صاح فيه صوت فأسكته. ولم يحدث إلا بعدما اقترب الشخص كثيرا فدخل في نطاق نور السقيفة الأصفر أن رأوا بوضوح أي شيء جاءهم.كان الرجل غريبا، ونادر أن يدخل البلدة غريب على قدميه في ساعة كتلك الساعة. فضلا عن أنه كان أحدب. لا يكاد طوله يتجاوز مترا وعشرين سنتيمتر وعليه معطف رثٌّ مغبر لا يتجاوز ركبتيه، أما ساقاه الملتويتان فبدتا شديدتي النحول لا يمكن أن تحملا ثقل جذعه الهائل المفتول وحدبته الجاثمة على كتفيه. وكان له رأس شديد الضخامة، وعينان زرقاوان عميقتان، وفم صغير حاد. كان في وجهه لين وحماقة معا، وبشرته الفاتحة كانت في تلك اللحظة مصفرَّة بسبب الغبار وأسفل عينيه هالات بنفسجية. ويحمل حقيبة قديمة منبعجة مربوطة بحبل.قال الأحدب، لاهثا، "مساء الخير".لم ترد الآنسة آيمليا أو أي من الجالسين في السقيفة تحيَّته ولا نطقوا بحرف، مكتفين بالنظر إليه."أبحث عن الآنسة آيمليا إيفانز".أزاحت الآنسة آيمليا شعرها عن جبينها ورفعت ذقنها وقالت "وكيف هذا؟"قال الأحدب "لأنني قريبها".رفع التوأمان وستامبي مكفيل رؤوسهم إلى الآنسة آيمليا.قالت "هي أنا. ماذا تقصد بـ ’قريب’"؟بدأ الأحدب بـ "لأنه ..."، ثم بدا غير مستريح، أو ربما موشكا على البكاء. وضع الحقيبة على الدرجة الدنيا من السلَّم لكنه لم يفلت مقبضها من يده. "أمي هي فاني جيسب وهي من تشيهو. رحلت عن تشيهو قبل حوالي ثلاثين سنة عندما تزوجت من زوجها الأول. وأتذكّر أنني سمعتها تتكلم عن أخت غير شقيقة لها اسمها مارثا. وقالوا لي اليوم في تشيهو إن مارثا هذه هي والدتك".أنصتت الآنسة آيمليا ورأسها مائل قليلا إلى أحد جانبيه. كانت تتناول وجبات الأحد بمفردها، ولم يحدث أن ازدحم بيتها بأفواج الأقارب، بل ولم تكن تعترف أن لها أقارب بالأساس. كانت لها في الماضي خالة كبرى في تشيهو تمتلك اسطبلا، ولكنها ماتت، وباستثناء تلك الخالة لم يكن لها غير ابن عم من بعيد يعيش في بلدة على بعد عشرين ميلا، ولكن الأمور بينها وبينه لم تكن على ما يرام، فإن التقى أحدهما بالآخر كان يبصق على جانب الطريق. وكان قد سبق لآخرين من قبل، بين الحين والآخر، أن حاولوا ادعاء قرابة بعيدة بالآنسة آيمليا، فلم يصادف أحد منهم النجاح.مضى الأحدب يهرف بأسماء أقارب وأماكن لم يبد أن أحدا من الحاضرين في السقيفة يعرفها أو أن لها علاقة بالموضوع كله. "يعني فاني ومارثا كانتا أختين غير شقيقتين. وأنا ابن فاني من زوجها الثالث، وهو ما يعني أنني وإياك .." وانحنى يفتح حقيبته، فبدت أصابعه في قذارتها وارتعاشها أشبه بمخالب عصفور داخل الحقيبة الممتلئة بشتى أصناف النفايات، من الثياب الرثة إلى القمامة شديدة الشبه بقصاصات مكنة الخياطة، أو في مثل ذلك تفاهة. أقعى الأحدب بين تلك المقتنيات إلى أن جاء بصورة قال "هذه صورة أمي وأختها غير الشقيقة".لم تتكلم الآنسة آيمليا. أخذت تحرك فكها ببطء من جانب إلى آخر، فأمكن من سيماء وجهها تبيُّن ما كانت تفكر فيه. تناول ستامبي مكفيل الصورة ورفعها في النور فوجد الصورة لطفلتين شاحبتين ذابلتين لعلهما في الثانية والثالثة من العمر. ولم يكن الوجهان أكثر من بقعتي أبيض ضئيلتين، فلعل مثل هذه الصورة موجود في أي ألبوم لأي شخص.ردَّ ستامبي مكفيل الصورة بدون أي تعليق. وسأل "من أين أنت؟"خلا صوت الأحدب من الثقة وهو يقول "كنت مسافرا".وبقيت الآنسة آيمليا لا تتكلم، مكتفية بالوقوف مستندة إلى جانب الباب، مطلَّة على الأحدب من أعلى. ارتعش جفن هنري ميسي في توتر وفرك إحدى يديه في الأخرى، ثم قام من جلسته على الدرجة الدنيا واختفى. هو رجل طيب النفس، تحرك قلبه للوضع الذي رأى فيه الأحدب. فلم يشأ أن يبقى إلى أن يرى الآنسة آيمليا وهي تنهره وتطرده من أرضها ثم من البلدة كلها. ووقف الأحدب وحقيبته لم تزل مفتوحة على الدرجة الدنيا، فتمخّط، وأخذ فمه يرتعش. لعله كان قد بدأ يستشعر مأزقه الكبير. ولعله أدرك بؤس الغريب في هذه البلدة، بحقيبة ملأى بالنفايات، إذ يدعي صلة قرابة بالآنسة آيمليا. ولكنه على أي حال جلس على السلم وانفجر فجأة في البكاء.لم يكن مألوفا أن يفد على المتجر أحدب مجهول قرب منتصف الليل ليجلس ويبكي. عادت الآنسة آميليا تزيح شعرها عن جبهتها بينما الرجال ينظرون إلى بعضهم بعضا في اضطراب، والبلدة غارقة في الهدوء.وأخيرا قال أحد التوأمين "عليّ اللعنة لو لم يكن مجرد موريس فينشتاين".أومأ الجميع موافقين، فذلك تعبير له معنى خاص ومحدد. أما الأحدب فعلا بكاؤه لمّا لم يفهم عن أي شيء يتكلمون. كان موريس فينشتاين شخصا سبق أن عاش في البلدة قبل سنين. وكان يهوديا ضئيلا خفيفا يبكي إن قال له أحد ’يا قاتل المسيح’ ويأكل الخبز الأبيض والسلمون المعلّب كل يوم. ثم حلّت به فاجعة فانتقل إلى مدينة سوسايتي، ولكنهم باتوا في البلدة يطلقون على كل رجل مرهف الحس دمعته قريبة، موريس فينشتاين.قال ستامبي مكفيل "ولكن هذا في كرب. وهذا يبرّر البكاء".عبرت الآنسة آيمليا السقيفة في خطوتين بطيئتين عريضتين. نزلت الدرج ووقفت لدى الغريب مستغرقة في التفكير. وفي غاية الحذر، وبإصبعها السبابة البني الطويل، لمست حدبته. كان الأحدب لم يزل يبكي وإن خفتت حدة بكائه. كانت الليلة هادئة والقمر لا يزال ساطعا بنور ناعم محبب، والبرد بدأ يشتد. ثم فعلت الآنسة آيمليا شيئا نادرا، إذ أخرجت من جيبها زجاجة مسحت فوهتها براحة يدها وناولتها للأحدب ليشرب. ونادرا ما كان يمكن إقناع الآنسة آيمليا ببيع شرابها بالأجل، أما إعطاؤها مقدار قطرة منه بلا مقابل فأمر لم يكن لأحد علم به.قالت له "اشرب. سيحيي الشراب أحشاءك".توقف الأحدب عن البكاء، ولعق الدموع من حول فمه لعقا، وفعل ما أمرته به. فلما انتهى، تناولت الآنسة آيمليا جرعة بطيئة، أدفأت بها فمها ومضمضته، ثم بصقتها. وشربت هي الأخرى بعد ذلك. وكان مع التوأمين وكبير العمال بدورهم زجاجاتهم التي دفعوا أثمانها.قال ستامبي مكفيل "شراب خفيف عذب. لم أعرف عنك الفشل قط يا آنسة آيمليا".للويسكي الذي تناولوه في ذلك المساء (وكان زجاجتين كبيرتين) أهميته. فلولاه لصعب أن تقوم قائمة لما أعقبه، وربما ما كان ليوجد المقهى. فشراب الآنسة آيمليا يمتاز بسمة خاصة، أنه نظيف لاذع على اللسان، لكنه لا يكاد يستقر في جوف الشخص حتى يطول بقاء وهجه. وليس هذا وحسب. معروف أن الرسالة إن كتبت بالليمون على ورقة نظيفة فإن شيئا لا يظهر منها، ولكنك إن قرَّبتها من النار للحظة تغدُ حروفها بنية فيظهر المعنى. فتخيلوا أن الويسكي هو النار وأن الرسالة مخبوءة إلا على روح الإنسان، عندئذ يمكن أن تفهموا قيمة شراب الآنسة آيمليا. فالأشياء التي تعمى عنها الملاحظة، والأفكار القابعة في عتمة العقل، تنجلي فجأة وتتضح. وإذا بعامل الغزل الذي لا يفكر في غير النول، وعمود العشاء، والسرير، ثم النول من جديد، إن هو تناول بعض ذلك الشراب في يوم أحد ثم صادف في طريقه إحدى سوسنات البرك، فلعله يتناول هذه الزهرة في راحة يده، وبعين جديدة يطالع الكأس الذهبي اللذيذ، فتظهر في روحه فجأة عذوبة كأنها الألم. وقد يرفع عامل نسيج عينيه بغتة ويرى للمرة الأولى ألق سماء الليل البارد الساحر في يناير، فيوشك قلبه أن يتوقف من عمق خوفه إثر إحساسه بصغره. مثل ذلك يحدث للمرء حينما يتناول من شراب الآنسة آيمليا. قد يتألم، أو تغيِّبه البهجة، لكن التجربة تفضح الحقيقة، وهو الآن قد أدفأ روحه وأبصر الرسالة المكنونة فيها.ظلوا يشربون إلى ما بعد منتصف الليل، واحتجب القمر وراء الغيوم فحلَّ البرد والظلام على الليل، ولم يزل الأحدب جالسا على أدنى الدرجات، وقد انحنى في بؤس مريحا رأسه على ركبتيه، بينما الآنسة آيمليا واقفة وقد وضعت يديها في جيبيها وأراحت إحدى قدميها على ثاني درجات السلم. طال صمتها، وارتسم على وجهها غالبا ما يرتسم على أوجه الحُّول حينما يستغرقون في التفكير، تلك النظرة التي تجتمع فيها شدة الحكمة وشدة الجنون معا. إلى أن قالت أخيرا "أنا لا أعرف اسمك".قال الأحدب "أنا لايمن ويليس".قالت له "تمام. تعال معي. بقية العشاء على الموقد ويمكنك أن تأكلها".لم يسبق للآنسة آيمليا في ما سلف من حياتها أن دعت أحدا إلى طعام، إلا لتحتال عليه في هذه المسألة أو تلك، أو لتكسب من ورائه مالا. فانتاب الرجال في السقيفة إحساسٌ بأن هناك خطبا ما. ثم قالوا في ما بينهم لاحقا إنها على الأرجح كانت قد قضت أغلب المساء تشرب في خلوتها في البرك. ثم إنهم على أي حال تركوا السقيفة، فمضى ستامبي مكفيل والتوأمان إلى بيتيهم. أوصدت الباب الأمامي وتلفتت حولها تطمئن أن سلعها في أماكنها. ثم مضت إلى المطبخ وكان في خلفية المتجر، ومن ورائها الأحدب ساحبا حقيبته متمخطا وماسحا أنفه في كُمِّ معطفه القذر.قالت الآنسة آيمليا "اجلس، سأسخِّن لك الموجود".كانت وجبة طيبة تناولاها معا في تلك الليلة. فالآنسة آيمليا ثرية ولم تكن تبخل على نفسها بالطعام. كانت هناك دجاجة مقلية (أخذ الأحدب الصدر في طبقه) واللفت الأصفر مهروس، وكرنبا أخضر، وبطاطا ذهبية ساخنة. أخذت الآنسة آيمليا تأكل ببطء وباستمتاع فلاحةٍ تتكئ بكلا مرفقيها على المائدة، منحنية على طبقها، مباعدة بين ركبتيها، مرتكزة بقدميها على دعامة ما بين ساقي المقعد، فيما مضى الأحدب يلتهم عشاءه كمن لم يشم طعاما منذ شهور، وفي ثنايا ذلك انسابت دمعة على خده الشاحب، لكنها لم تكن غير فضلة لا معنى لها على الإطلاق. كان القنديل الذي بينهما على المائدة ذا فتيل محكم القصِّ يحيط به لهب أزرق، باعثا في المطبخ ضوءا مبهجا. لما انتهت الآنسة آيمليا من عشائها مسحت طبقها باعتناء بلقمة خفيفة سكبت عليها بعد ذلك من شرابها العذب الصافي، وفعل الأحدب مثل ذلك، لولا أنه غالى فطلب طبقا جديدا. أنهت الآنسة آيمليا طعامها، فأمالت مقعدها إلى الوراء وشدّدت قبضتها فاستشعرت عضلاتها القوية المرنة أسفل القماش الأزرق النظيف في كمّي سترتها، وتلك عادتها في نهاية كل وجبة. ثم أخذت القنديل ومضت متثاقلة إلى السلم في دعوة للأحدب كي يتبعها.فوق المتجر ثلاث غرف هي التي قضت فيها الآنسة آيمليا حياتها كلها، اثنتان منهما غرفتا نوم بينهما ردهة كبيرة. لم ير تلك الغرف إلا قليلون، وإن كان معروفا بصفة عامة أنها حسنة الأثاث وفي منتهى النظافة. وها هي الآنسة آيمليا إذ تصعد مصطحبة معها غريبا أحدب قذرا آتيا من حيث لا يعلم إلا الله. صعدت الآنسة آيمليا ببطء، درجتين في كل خطوة، رافعة القنديل عاليا، بينما الأحدب يصعد وهو على مقربة شديدة منها بحيث جعل الضوء المتراقص ظليهما يتعانقان على جدار السلم. وسرعان ما خيّم الظلام على طابق المتجر العلوي مثلما على بقية البلدة.

يتبع
* ولدت كارسُن مكّلَرْز في كولمبوس بولاية جورجيا الأمريكية سنة 1917. في الثالثة والعشرين من عمرها نشرت كتابها الأول "القلب صياد وحيد" ليلقى ثناء عظيما. وظلت تكتب حتى وفاتها عن خمسين عاما، تاركة وراءها إرثا أدبيا رائعا من القصص القصيرة والروايات والمسرحيات والشعر. روايتها القصيرة هذه نشرت مع قصص قصيرة في كتاب حمل عنوان الرواية سنة 1943، . ويرى النقاد هذه الرواية القصيرة أفضل أعمالها. في عام 1963، مسرَح إدوارد ألبي [صاحب "من يخاف فرجينيا وولف؟" وأعمال شهيرة كثيرة] رواية أغنية المقهى الحزين، وعرضت في ذلك العام فاستهل هوارد تاوبمان استعراضه لها في التايمز بقوله إن أحدا لن يندهش من اختيار إدوارد ألبي موضوعا غير معهود لأحدث أعماله. ولن يكون مدهشا أنه قام بتحويل قصيدة النثر الرقيقة الغريبة، أعني نوفيلا كارسن مكلرز، إلى مسرحية مليئة بالشعر. في سنة 1991 تم تحويل الرواية في إنجلترا إلى فيلم من إخراج سيمون كالو وبطولة فانيسا ريدجريف (في دور الآنسة آيمليا) وكيث كارادين (في دور مارفين ميسي) وكورك هوبرت (في دور ابن الخالة لايمن). توفيت كارسُن مكّلَرْز في ناياك بنيويورك سنة 1967.

 نشرت هذه الحلقة في ملحق شرفات الأسبوع الحالي وتتوالى الحلقات على مدار بضعة أسابيع تالية
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on October 24, 2016 12:03
No comments have been added yet.