الشيخ مصطفى إسماعيل: «إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا»
ماهر عبد الرحمن
يمكن أن نستعير من دور "أنا هويت" لسيد درويش ويونس القاضي جملة "مفيش كده ولا في المنام" لوصف عبقرية وموهبة الشيخ مصطفى إسماعيل، فصوت الشيخ، خاصة في الليالي والاحتفالات الدينية ووسط الجمهور، كأنه يريد أن يقول "إنا سمعنا قرآنا عجبا"، فبعد جمال وبلاغة القرآن، يأتي "العجب" "كل العجب" من صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، أعظم قارئ في مصر كما قال عنه الشيخ محمد رفعت.
وإليكم الحيثيات..
الشيخ مصطفى إسماعيل من مواليد يوم 17 يونيـو 1905 بقرية ميت غزال من أعمال طنطا، مركز السنطة بمحافظة الغربية، وهو ابن محمد المرسي إسماعيل، وستيتة حسنين إسماعيل، وكان البكري لأبويه. وتتلمذ في الكُتَّاب منذ السادسة من عمره على يد الشيخ عبد الرحمن أبو العينين وحفظ عنده ربع القرآن في خلال عامين، ثم أتم المصحف كاملا في كُتَّاب الشيخ عبد الله شحاتة ولم يكن عمره -وقتها- يتجاوز العاشرة.
ويُقال إن الشيخ مصطفى كان دائم "التزويغ" من الكُتَّاب؛ وكان جده يضربه بسبب ذلك حتى التزم وختم القرآن. تعلم أحكام التلاوة والتجويد وختمه ثلاثين ختمة على يد الشيخ إدريس فاخر وكان مفتشا من الأزهر على الكتاتيب، والتحق بالمعهد الأحمدي بطنطا وهو المعهد الذي أخرج الإمام الشيخ محمد عبده، وأخرج الشيخ محمود الحصري، والشيخ محمود علي البنا، وغيرهم من الأعلام.
وأتم مصطفى إسماعيل، وعمره لم يتجاوز السادسة عشرة حفظ القرآن وتجويده بالقراءات العشر. وكان أحد شيوخه بالمعهد وهو الشيخ مصطفى المروج يثني على صوته الجميل ويقول له "سيأتي يوم تأخذ فيه خمسة جنيهات في الليلة" وكان هذا في أوائل العشرينيات. وأخذ الشيخ مصطفى طريقه في القراءة في الليالي، سواء كانت بدعوة أو بدون دعوة، وسواء كانت بأجر وعشاء أو بدون أجر أو عشاء.
ويروي الأستاذ كمال النجمي في كتابه عن الشيخ مصطفى إسماعيل، عن هذه الفترة أن من معاصري الشيخ في هذه الأيام شيخا يدعى الشيخ عبد العزيز الحربي، وكان يقول عنه إن صوته كالكروان.. ويضيف الشيخ حربي كنت أسمعه في تلك الأيام من شبابه وشبابي وهو يعلو إلى جواب الجواب بسهولة واقتدار، ويقتنص أصعب النغمات، أقول مشفقا عليه: إن هذا الشاب قد ينفجر في أي لحظة! في هذه المرحلة كان هناك أحد الأعيان بطنطا واسمه حسين بك القصبي، وكان عضوا بمجلس الشيوخ، كان يُحب صوت الشيخ مصطفى ويشجعه دائما على القراءة. وسافر القصبي بك إلى إسطنبول للتصييف، وتوفى هناك عام 1922 ، ثم عاد جثمانه إلى طنطا، وتمت دعوة الشيخ مصطفى ليكون أحد القراء في ليلة العزاء.
في هذه الليلة كان هناك الشيخ سالم الهزاع الذي افتتح القراءة، ثم قفز الشيخ مصطفى إسماعيل مكان هذا القارئ فما كان من شيخ آخر يدعى حسن صبح إلا أن نهره قائلا: انزل يا ولد، هو شغل عيال؟ وقال أحد أقارب المتوفي للشيخ حسن: إنه قارئ مدعو للتلاوة. قرأ الشيخ مصطفى إسماعيل في الأيام الثلاثة من عزاء القصبي بك، وحصل على 10 جنيهات بعد أن كان آخر أجر له هو 70 قرشا. وفي ليلة عزاء أخرى، كانت هي ليلة عزاء إبراهيم بك عبده وهو من أعيان طنطا ومن كبار تجار القطن. وكان بهذا العزاء في اليوم الأول الشيخ الشعشاعي، وفي اليوم الثاني حضر للقراءة قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت والذي أُعجب به وأرسل إليه ليستمر في التلاوة بلا توقف حتى يأذن له.
وهذه شهادة من أكبر وأعظم شيخ في مصر كلها في هذا الوقت؛ مما أعطى الشيخ مصطفى ثقة بنفسه وظل يقرأ لمدة ساعة ونص كاملة وسط إعجاب الحاضرين، حتى أن الناس ارتفع صوتها بتحيته والإعجاب به وبصوته في ليلة عزاء! وبعد أن ختم وصلته ذهب الشيخ مصطفى إلى دكة الشيخ رفعت الذي هنأه وقبله وقال له: سوف أنصحك نصيحة لو أنك عملت بها ستكون أعظم من قرأ القرآن في مصر، فقد حباك الله بموهبة فذة وصوت جميل وتلقائية موسيقية عظيمة، لكن ينقصك أن تُثبت حفظك وأن تعيد القراءة على أحد المشايخ. وبالفعل تعهد به الشيخ محمود حشيش شيخ المحفظين -وقتها- لكن الشيخ رفعت نصحه مرة أخرى ليفعل ذلك على يد الشيخ عبد الفتاح القاضي وهو ما حدث بالفعل.
في أول مرة يأتي فيها للقاهرة ليقرأ في مأتم بحي الداودية ولمدة ثلاثة ليال. ويشاركه الشيخ محمد سلامة وكان معروفا عنه أنه لا يترك لغيره من القراء وقتا للقراءة اللهم إلا دقائق معدودات، وبالفعل قرأ الشيخ محمد في الليلة الأولى دون أن يترك وقتا للشيخ مصطفى، وفي الليلة الثانية ظل الشيخ محمد يقرأ من الثامنة مساء وحتى الثانية عشرة ليلا، وكان هذا في فصل الشتاء وكانت البرودة قارسة.
ومع انتهاء الشيخ محمد قام معه معظم من كانوا في السرادق، لكن الشيخ مصطفى لم يستسلم لهذا الموقف المحرج وجلس على الدكة وبدء في القراءة، فعاد بعض من رحل لسماع هذا الصوت الجميل القوي. وصوت الشيخ مصطفى إسماعيل يساوي في مساحته أكثر من أوكتافيين، والأوكتاف (أو الديوان) الواحد يساوي ثماني درجات، أو سبعًا، بالإضافة إلى درجة جواب النغمة الأولى. فمثلا لو نقول: دو، رى، مى، فا، صول، لا، سى، فهذا هو سلم المقام، وبإضافة نغمة (دو) جواب؛ يصبح المجموع ثماني درجات. فكان أن ارتفع الشيخ مصطفى إسماعيل يومها إلى الجوابات العلا، وجوابات الجوابات أيضا.
وبقي الشيخ يقرأ حتى الرابعة فجرا. وبالصدفة كان حاضرا الشيخ سيد موسى والشيخ درويش الحريري الذي هنأ الشيخ مصطفى على جمال وقوة صوته وفرادته. وسأله أين تعلمت كل هذه المقامات؟ فرد الشيخ مصطفى: لم أتعلم المقامات قط، فقط التقطت أذناي كل ما سمعته طوال حياتي وتمثلته واستنبطت منه طريقتي في الأداء بالفطرة، فقال له الشيخ الحريري: فطرتك وموهبتك أقوى من كل الدراسات والمعاهد. بعدها تم دعوة الشيخ مصطفى للقراءة في عزاء بالمغربلين وتم دعوة الشيخ محمد سلامة الذي لم يحضر عندما عرف أن الشيخ مصطفى إسماعيل سوف يحضر، في هذه الليلة سحر الشيخ مصطفى بصوته وانتقالاته بين المقامات، جمهوره.
وفي عام 1943 انضم الشيخ مصطفى لرابطة تضامن القراء برئاسة الشيخ محمد الصيفي. وسأل الشيخ مصطفى: ما معنى رابطة تضامن القراء؟ فأخبره الشيخ الصيفي أنها تعني أن القراء متضامنون يشد بعضهم أزر بعض. وسمعه الشيخ الصيفي يومها وقال له: أنت قارئ ممتاز من جميع الوجوه يا شيخ مصطفى، وسوف تقرأ في احتفال المولد النبوي الذي تقيمه الرابطة يوم الجمعة 22 فبراير 1943 بمسجد سيدنا الحسين، بدلا عن الشيخ الشعشاعي الذي اعتذر بسبب مرضه، وسوف تقرأ نصف ساعة. لم يكن الشيخ مصطفى معتادا على القراءة لمدة نصف ساعة فقط، فهو يحتاج لمدة زمنية لتسخين صوته. لكنه أمسك بساعته في البيت ليتدرب على نصف الساعة، وكيف يُظهر فيها صوته وأداءه في هذا الوقت القصير.
ويومها كان هناك بالمسجد بعض من الذين حضروا للشيخ ليلة المغربلين فطلبوا منه القراءة قبل الإذاعة، وبالفعل كانت تلك فترة كافية للتسخين قبل البث الحي. ورغم أن المذيع اعترض على الشيخ مصطفى لأنه لم يكن مسجلا في الإذاعة وقتها، فإن الشيخ الصيفي أخبر المذيع أنه "لا يوجد سوى الشيخ مصطفى، وسوف يقرأ على مسئوليتي".
وكانت هذه الليلة هي ليلة الفتوح في حياة ومسيرة الشيخ مصطفى إسماعيل، ونقله من مرحلة لمرحلة أخرى. يومها سمعه الملك فاروق وطلبه للقراءة في ذكرى وفاة الملك فؤاد، وبعدها قرأ بمناسبة زيارة شاه إيران، ثم أصبح قارئًا للقصر الملكي (1943-1952) وتكفلت الخاصة الملكية والقصر بمصاريف إقامته بفندق شبرد بمصر حتى عام 1952. وتم تعيينه قارئًا للسورة بالجامع الأزهر بعد اختباره واعتماده على يد الشيخ العلامة الملقب بالضباع، شيخ عموم المقارئ المصرية وقتها، والشيخ الضباع هو الشيخ علي بن محمد بن حسن بن إبراهيم بن عبد الله، وهو إمام مُقدَّم في علم التجويد والقراءات والرسم العثماني وضبط المصاحف وعد الآي وغيرها.
واستمع يومها للشيخ مصطفى وأثنى عليه وصوّب له فقط كلمة "مستقر" من قوله تعالي من سورة القمر "وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ" فالجمهور يقرؤها بالرفع وأبو جعفر المدني وحده يقرؤها بالخفض. وتم اعتماده بالإذاعة المصرية. وبعد 1965 تم تكريم الشيخ مصطفى في عيد العلم، ليكون بذلك أول قارئ يحصل على وسام رفيع من رئيس الجمهورية. وحصل على نفس الوسام وقتها كل من الدكتور طه حسين، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.
وكان السادات يقلد لزملائه في السجن صوت الشيخ مصطفى إسماعيل من كثرة حبه له. وقد قربه منه بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية. وسافر الشيخ مصطفى مع السادات إلى القدس وقرأ القرآن بالمسجد الأقصى وكان وقتها قد تجاوز السبعين من عمره.
كان عبد الوهاب مغرما بصوت الشيخ مصطفى، وكذلك السيدة أم كلثوم. وكان عبد الوهاب يقول لو الشيخ مصطفى ترك القرآن واتجه للغناء فسوف يترك عبد الوهاب الغناء، لأن "مين يقدر يجاري صوت الشيخ مصطفى؟". وذات مرة ذكر عبد الوهاب أن الشيخ مصطفى إسماعيل "يفاجئنا دائما بمسارات موسيقية وقفلات غير متوقعة، وهو كبير جدا في موهبته، وكبير في إدارة صوته، وله جرأة في الارتجال الموسيقي والصعود بصوته إلى جواب الجواب بشكل لم نعرفه في أي صوت حتى الآن". وكان عبد الوهاب يحب أن يسمع الشيخ دائما، وخاصة في مطلع سورة "الحاقة". وبالفعل فإن الشيخ مصطفى كان يرتجل اللحن في لحظته وبما يفتح الله عليه من موهبته وحسه وذوقه وثقافته ومعرفته وفهمه للمعاني، ومن خلال التفاعل مع الجمهور الذي يسمعه. ويحكي نصير شمة أن عبد الوهاب في تلحين قصيدة "سهرت منه الليالي" لم يعرف كيف يعود في أحد أجزاء اللحن من السيكاه إلى النهاوند المقام الرئيسي، فاستعان بالشيخ مصطفى إسماعيل الذي أسعفه في لحظتها.
أما عمار الشريعي فقد تحدث عن قراءة الشيخ لآيات من سورة النمل، في قوله تعالى "قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ" ويقولها من النصف الأسفل من مقام الرست، من الدو للصول، وأنه يعيدها مرتين في الأولى يقولها كاملة وفي الثانية يعيد "أنا آتيك" ثلاث مرات بتصرفات وتجليات، ثم قفلة عجيبة. ومن سورة القمر في قوله تعالي "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا"، وكيف أن الشيخ مصطفى إسماعيل دخل بمقام الصبا تماما وهو مقام يعبر عن الحزن والشجن والحرقة والهزيمة، ثم أعادها بنفس المقام مع نقل نفسه درجة من أول "ففتحنا أبواب السماء" بقفلة من السيكاه، ثم يعيدها من أول "فانتصر، ففتحنا أبواب السماء" في مقام العجم ويقفل القراءة بمقام الصبا، ويقول الشريعي إن هذا الأداء النغمي والتصرف من الشيخ يؤكد عظمته وفهمه ودرايته بالمقامات وحسه السليم.
كان الشيخ مصطفى إسماعيل يحب صوت أم كلثوم ويقول إنه صوت دسم، وصوت صالح عبد الحي، وبعض الناس يجد أن الشيخ مصطفى أحيانا كان يبدو متأثرا بطريقة صالح عبد الحي، كانت زوجته السيدة فاطمة عمر لا ترتدي الحجاب، ولم يمانع الشيخ في ظهورها في الصحافة هكذا وهو الشيخ الوقور، بل وكانت يوم التسجيل الصحفي معه تعزف على البيانو، وكان أن وقف بجوارها وصفق لها وقال لها أحسنت. ونشرت الجريدة تقريرا عن حياة الشيخ وعزف زوجته يومها لأغنية "اطلب عيني" لليلي مراد.
وفي صباح يوم الثلاثاء 26 ديسمبر 1978 توفى الشيخ مصطفى إسماعيل ودُفن فى مسجده الملحق بداره فى قرية ميت غزال بالسنطة بمحافظة الغربية وفقا لوصيته، تاركا خلفه ميراثًا ومحبةً وعرفانًا بلا حد في قلوب عشاقه.
http://www.tahrirnews.com/posts/43742...
يمكن أن نستعير من دور "أنا هويت" لسيد درويش ويونس القاضي جملة "مفيش كده ولا في المنام" لوصف عبقرية وموهبة الشيخ مصطفى إسماعيل، فصوت الشيخ، خاصة في الليالي والاحتفالات الدينية ووسط الجمهور، كأنه يريد أن يقول "إنا سمعنا قرآنا عجبا"، فبعد جمال وبلاغة القرآن، يأتي "العجب" "كل العجب" من صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، أعظم قارئ في مصر كما قال عنه الشيخ محمد رفعت.
وإليكم الحيثيات..
الشيخ مصطفى إسماعيل من مواليد يوم 17 يونيـو 1905 بقرية ميت غزال من أعمال طنطا، مركز السنطة بمحافظة الغربية، وهو ابن محمد المرسي إسماعيل، وستيتة حسنين إسماعيل، وكان البكري لأبويه. وتتلمذ في الكُتَّاب منذ السادسة من عمره على يد الشيخ عبد الرحمن أبو العينين وحفظ عنده ربع القرآن في خلال عامين، ثم أتم المصحف كاملا في كُتَّاب الشيخ عبد الله شحاتة ولم يكن عمره -وقتها- يتجاوز العاشرة.
ويُقال إن الشيخ مصطفى كان دائم "التزويغ" من الكُتَّاب؛ وكان جده يضربه بسبب ذلك حتى التزم وختم القرآن. تعلم أحكام التلاوة والتجويد وختمه ثلاثين ختمة على يد الشيخ إدريس فاخر وكان مفتشا من الأزهر على الكتاتيب، والتحق بالمعهد الأحمدي بطنطا وهو المعهد الذي أخرج الإمام الشيخ محمد عبده، وأخرج الشيخ محمود الحصري، والشيخ محمود علي البنا، وغيرهم من الأعلام.
وأتم مصطفى إسماعيل، وعمره لم يتجاوز السادسة عشرة حفظ القرآن وتجويده بالقراءات العشر. وكان أحد شيوخه بالمعهد وهو الشيخ مصطفى المروج يثني على صوته الجميل ويقول له "سيأتي يوم تأخذ فيه خمسة جنيهات في الليلة" وكان هذا في أوائل العشرينيات. وأخذ الشيخ مصطفى طريقه في القراءة في الليالي، سواء كانت بدعوة أو بدون دعوة، وسواء كانت بأجر وعشاء أو بدون أجر أو عشاء.
ويروي الأستاذ كمال النجمي في كتابه عن الشيخ مصطفى إسماعيل، عن هذه الفترة أن من معاصري الشيخ في هذه الأيام شيخا يدعى الشيخ عبد العزيز الحربي، وكان يقول عنه إن صوته كالكروان.. ويضيف الشيخ حربي كنت أسمعه في تلك الأيام من شبابه وشبابي وهو يعلو إلى جواب الجواب بسهولة واقتدار، ويقتنص أصعب النغمات، أقول مشفقا عليه: إن هذا الشاب قد ينفجر في أي لحظة! في هذه المرحلة كان هناك أحد الأعيان بطنطا واسمه حسين بك القصبي، وكان عضوا بمجلس الشيوخ، كان يُحب صوت الشيخ مصطفى ويشجعه دائما على القراءة. وسافر القصبي بك إلى إسطنبول للتصييف، وتوفى هناك عام 1922 ، ثم عاد جثمانه إلى طنطا، وتمت دعوة الشيخ مصطفى ليكون أحد القراء في ليلة العزاء.
في هذه الليلة كان هناك الشيخ سالم الهزاع الذي افتتح القراءة، ثم قفز الشيخ مصطفى إسماعيل مكان هذا القارئ فما كان من شيخ آخر يدعى حسن صبح إلا أن نهره قائلا: انزل يا ولد، هو شغل عيال؟ وقال أحد أقارب المتوفي للشيخ حسن: إنه قارئ مدعو للتلاوة. قرأ الشيخ مصطفى إسماعيل في الأيام الثلاثة من عزاء القصبي بك، وحصل على 10 جنيهات بعد أن كان آخر أجر له هو 70 قرشا. وفي ليلة عزاء أخرى، كانت هي ليلة عزاء إبراهيم بك عبده وهو من أعيان طنطا ومن كبار تجار القطن. وكان بهذا العزاء في اليوم الأول الشيخ الشعشاعي، وفي اليوم الثاني حضر للقراءة قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت والذي أُعجب به وأرسل إليه ليستمر في التلاوة بلا توقف حتى يأذن له.
وهذه شهادة من أكبر وأعظم شيخ في مصر كلها في هذا الوقت؛ مما أعطى الشيخ مصطفى ثقة بنفسه وظل يقرأ لمدة ساعة ونص كاملة وسط إعجاب الحاضرين، حتى أن الناس ارتفع صوتها بتحيته والإعجاب به وبصوته في ليلة عزاء! وبعد أن ختم وصلته ذهب الشيخ مصطفى إلى دكة الشيخ رفعت الذي هنأه وقبله وقال له: سوف أنصحك نصيحة لو أنك عملت بها ستكون أعظم من قرأ القرآن في مصر، فقد حباك الله بموهبة فذة وصوت جميل وتلقائية موسيقية عظيمة، لكن ينقصك أن تُثبت حفظك وأن تعيد القراءة على أحد المشايخ. وبالفعل تعهد به الشيخ محمود حشيش شيخ المحفظين -وقتها- لكن الشيخ رفعت نصحه مرة أخرى ليفعل ذلك على يد الشيخ عبد الفتاح القاضي وهو ما حدث بالفعل.
في أول مرة يأتي فيها للقاهرة ليقرأ في مأتم بحي الداودية ولمدة ثلاثة ليال. ويشاركه الشيخ محمد سلامة وكان معروفا عنه أنه لا يترك لغيره من القراء وقتا للقراءة اللهم إلا دقائق معدودات، وبالفعل قرأ الشيخ محمد في الليلة الأولى دون أن يترك وقتا للشيخ مصطفى، وفي الليلة الثانية ظل الشيخ محمد يقرأ من الثامنة مساء وحتى الثانية عشرة ليلا، وكان هذا في فصل الشتاء وكانت البرودة قارسة.
ومع انتهاء الشيخ محمد قام معه معظم من كانوا في السرادق، لكن الشيخ مصطفى لم يستسلم لهذا الموقف المحرج وجلس على الدكة وبدء في القراءة، فعاد بعض من رحل لسماع هذا الصوت الجميل القوي. وصوت الشيخ مصطفى إسماعيل يساوي في مساحته أكثر من أوكتافيين، والأوكتاف (أو الديوان) الواحد يساوي ثماني درجات، أو سبعًا، بالإضافة إلى درجة جواب النغمة الأولى. فمثلا لو نقول: دو، رى، مى، فا، صول، لا، سى، فهذا هو سلم المقام، وبإضافة نغمة (دو) جواب؛ يصبح المجموع ثماني درجات. فكان أن ارتفع الشيخ مصطفى إسماعيل يومها إلى الجوابات العلا، وجوابات الجوابات أيضا.
وبقي الشيخ يقرأ حتى الرابعة فجرا. وبالصدفة كان حاضرا الشيخ سيد موسى والشيخ درويش الحريري الذي هنأ الشيخ مصطفى على جمال وقوة صوته وفرادته. وسأله أين تعلمت كل هذه المقامات؟ فرد الشيخ مصطفى: لم أتعلم المقامات قط، فقط التقطت أذناي كل ما سمعته طوال حياتي وتمثلته واستنبطت منه طريقتي في الأداء بالفطرة، فقال له الشيخ الحريري: فطرتك وموهبتك أقوى من كل الدراسات والمعاهد. بعدها تم دعوة الشيخ مصطفى للقراءة في عزاء بالمغربلين وتم دعوة الشيخ محمد سلامة الذي لم يحضر عندما عرف أن الشيخ مصطفى إسماعيل سوف يحضر، في هذه الليلة سحر الشيخ مصطفى بصوته وانتقالاته بين المقامات، جمهوره.
وفي عام 1943 انضم الشيخ مصطفى لرابطة تضامن القراء برئاسة الشيخ محمد الصيفي. وسأل الشيخ مصطفى: ما معنى رابطة تضامن القراء؟ فأخبره الشيخ الصيفي أنها تعني أن القراء متضامنون يشد بعضهم أزر بعض. وسمعه الشيخ الصيفي يومها وقال له: أنت قارئ ممتاز من جميع الوجوه يا شيخ مصطفى، وسوف تقرأ في احتفال المولد النبوي الذي تقيمه الرابطة يوم الجمعة 22 فبراير 1943 بمسجد سيدنا الحسين، بدلا عن الشيخ الشعشاعي الذي اعتذر بسبب مرضه، وسوف تقرأ نصف ساعة. لم يكن الشيخ مصطفى معتادا على القراءة لمدة نصف ساعة فقط، فهو يحتاج لمدة زمنية لتسخين صوته. لكنه أمسك بساعته في البيت ليتدرب على نصف الساعة، وكيف يُظهر فيها صوته وأداءه في هذا الوقت القصير.
ويومها كان هناك بالمسجد بعض من الذين حضروا للشيخ ليلة المغربلين فطلبوا منه القراءة قبل الإذاعة، وبالفعل كانت تلك فترة كافية للتسخين قبل البث الحي. ورغم أن المذيع اعترض على الشيخ مصطفى لأنه لم يكن مسجلا في الإذاعة وقتها، فإن الشيخ الصيفي أخبر المذيع أنه "لا يوجد سوى الشيخ مصطفى، وسوف يقرأ على مسئوليتي".
وكانت هذه الليلة هي ليلة الفتوح في حياة ومسيرة الشيخ مصطفى إسماعيل، ونقله من مرحلة لمرحلة أخرى. يومها سمعه الملك فاروق وطلبه للقراءة في ذكرى وفاة الملك فؤاد، وبعدها قرأ بمناسبة زيارة شاه إيران، ثم أصبح قارئًا للقصر الملكي (1943-1952) وتكفلت الخاصة الملكية والقصر بمصاريف إقامته بفندق شبرد بمصر حتى عام 1952. وتم تعيينه قارئًا للسورة بالجامع الأزهر بعد اختباره واعتماده على يد الشيخ العلامة الملقب بالضباع، شيخ عموم المقارئ المصرية وقتها، والشيخ الضباع هو الشيخ علي بن محمد بن حسن بن إبراهيم بن عبد الله، وهو إمام مُقدَّم في علم التجويد والقراءات والرسم العثماني وضبط المصاحف وعد الآي وغيرها.
واستمع يومها للشيخ مصطفى وأثنى عليه وصوّب له فقط كلمة "مستقر" من قوله تعالي من سورة القمر "وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ" فالجمهور يقرؤها بالرفع وأبو جعفر المدني وحده يقرؤها بالخفض. وتم اعتماده بالإذاعة المصرية. وبعد 1965 تم تكريم الشيخ مصطفى في عيد العلم، ليكون بذلك أول قارئ يحصل على وسام رفيع من رئيس الجمهورية. وحصل على نفس الوسام وقتها كل من الدكتور طه حسين، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.
وكان السادات يقلد لزملائه في السجن صوت الشيخ مصطفى إسماعيل من كثرة حبه له. وقد قربه منه بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية. وسافر الشيخ مصطفى مع السادات إلى القدس وقرأ القرآن بالمسجد الأقصى وكان وقتها قد تجاوز السبعين من عمره.
كان عبد الوهاب مغرما بصوت الشيخ مصطفى، وكذلك السيدة أم كلثوم. وكان عبد الوهاب يقول لو الشيخ مصطفى ترك القرآن واتجه للغناء فسوف يترك عبد الوهاب الغناء، لأن "مين يقدر يجاري صوت الشيخ مصطفى؟". وذات مرة ذكر عبد الوهاب أن الشيخ مصطفى إسماعيل "يفاجئنا دائما بمسارات موسيقية وقفلات غير متوقعة، وهو كبير جدا في موهبته، وكبير في إدارة صوته، وله جرأة في الارتجال الموسيقي والصعود بصوته إلى جواب الجواب بشكل لم نعرفه في أي صوت حتى الآن". وكان عبد الوهاب يحب أن يسمع الشيخ دائما، وخاصة في مطلع سورة "الحاقة". وبالفعل فإن الشيخ مصطفى كان يرتجل اللحن في لحظته وبما يفتح الله عليه من موهبته وحسه وذوقه وثقافته ومعرفته وفهمه للمعاني، ومن خلال التفاعل مع الجمهور الذي يسمعه. ويحكي نصير شمة أن عبد الوهاب في تلحين قصيدة "سهرت منه الليالي" لم يعرف كيف يعود في أحد أجزاء اللحن من السيكاه إلى النهاوند المقام الرئيسي، فاستعان بالشيخ مصطفى إسماعيل الذي أسعفه في لحظتها.
أما عمار الشريعي فقد تحدث عن قراءة الشيخ لآيات من سورة النمل، في قوله تعالى "قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ" ويقولها من النصف الأسفل من مقام الرست، من الدو للصول، وأنه يعيدها مرتين في الأولى يقولها كاملة وفي الثانية يعيد "أنا آتيك" ثلاث مرات بتصرفات وتجليات، ثم قفلة عجيبة. ومن سورة القمر في قوله تعالي "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا"، وكيف أن الشيخ مصطفى إسماعيل دخل بمقام الصبا تماما وهو مقام يعبر عن الحزن والشجن والحرقة والهزيمة، ثم أعادها بنفس المقام مع نقل نفسه درجة من أول "ففتحنا أبواب السماء" بقفلة من السيكاه، ثم يعيدها من أول "فانتصر، ففتحنا أبواب السماء" في مقام العجم ويقفل القراءة بمقام الصبا، ويقول الشريعي إن هذا الأداء النغمي والتصرف من الشيخ يؤكد عظمته وفهمه ودرايته بالمقامات وحسه السليم.
كان الشيخ مصطفى إسماعيل يحب صوت أم كلثوم ويقول إنه صوت دسم، وصوت صالح عبد الحي، وبعض الناس يجد أن الشيخ مصطفى أحيانا كان يبدو متأثرا بطريقة صالح عبد الحي، كانت زوجته السيدة فاطمة عمر لا ترتدي الحجاب، ولم يمانع الشيخ في ظهورها في الصحافة هكذا وهو الشيخ الوقور، بل وكانت يوم التسجيل الصحفي معه تعزف على البيانو، وكان أن وقف بجوارها وصفق لها وقال لها أحسنت. ونشرت الجريدة تقريرا عن حياة الشيخ وعزف زوجته يومها لأغنية "اطلب عيني" لليلي مراد.
وفي صباح يوم الثلاثاء 26 ديسمبر 1978 توفى الشيخ مصطفى إسماعيل ودُفن فى مسجده الملحق بداره فى قرية ميت غزال بالسنطة بمحافظة الغربية وفقا لوصيته، تاركا خلفه ميراثًا ومحبةً وعرفانًا بلا حد في قلوب عشاقه.
http://www.tahrirnews.com/posts/43742...
Published on June 26, 2016 14:38
No comments have been added yet.


