عرج خفيف

...
عندما مرت خمسة قطارات مترو دون أن تملك العزم على اللحاق بعربة السيدات..لم تلحظ شيئا مغايرا.
استسلمت للجلوس على مقعد انتظار تتأمل اللاشىء باسترخاء،ومشاعر حيادية.
نفس اليوم،نفس الأشخاص،نفس الحكاية..نفس السبب الذى جعل حياتها مزيجا من حيوية فى حركة الذراعين وتوزان محسوب فى حركة ساقيها:لديها ساق أطول من الأخرى ..ذلك ببساطة هو سر كل شىء.
كل ما تتذكره إنها كانت تجرى بسرعة للحاق بشىء هام خرق قاعدتها الخاصة بشأن توازن حركة الساقين..لكن عندما وصلت إلى المحطة،أظلم ذلك الشغف الذى حركها،انتحر كلمبة غرفة نومها التى لا تواصل الحياة أكثر من ثلاث أيام،لم غرفة نومها تحديدا؟..لا تعرف..لا تذكر الشىء الهام..هل كان موعدا غراميا؟..مقابلة عمل؟..فرصة سفر؟..طبيب؟.
لا تتذكر..ناس ترحل وتجىء دون أن يلاحظ أحد بقاؤها دون أن تركب عربة..أخرجت ساندوتش وبدأت فى قضمه بنهم .
مجرد فارق ضئيل فى الطول بين الساقين ، اضاع من سمية سبعة وعشرين عاما من حياتها فى محاولات مضنية لاخفاؤه، تعلم انها على استعداد لإضاعة سبعة وعشرين عاما أخرى كى لا يلحظه أحد.
تحمل سمية ذلك الفارق كل شىء،أنوثتها المجروحة،تأخرها فى الزواج،قدرتها على كسب مدير العمل العجوز بلفتات بسيطة تشبع مراهقته المتأخرة،انتحار لمبات غرفة نومها،اكتساب اصدقاء بسهولة تدخين سيجارة وفقدهم ببساطة نسيان قهوتها على النار.
أم وطفلها،جلسوا بجوارها،داعبت الطفل فى روتينية عهدتها بنفسها كلما رأت طفلا،كدليل على قوة أنوثتها،واستعدادها التام لأمومة مستقبلية.
لكنها فى واقع الأمر"تكره الأطفال" تداهمها كوابيس عن أكلها لهم ، تضيف اعمارهم إليها ،كل عمر بفرصة أخرى للتشكيل دون أن يختفى العرج،ولو مرة من أحلامها،كوابيس سعيدة..هذا ما لم تستطع اخفاؤه عن نفسها.
دون إشارة واحدة فوجئت بالأم،تلحق بمحطة المترو،تركت الطفل بجوار سمية التى لم تتحرك ولم تلحظ شيئا مغايرا.
واصلت مداعبته بروتينية،لكنه تحدث إليها بصوت خشن،ورجولى:نسيت الموعد.
الخوف؟..لا تعرف ..لا شىء مثير..ربتت على رأسه دون اكتراث،كانت فقط تواصل ما تعرفه عن الأطفال..تنهد الطفل فى خيبة أمل واضحة.

لم تمر دقائق حتى بدأ توافد أباء وأمهات، تركوا أطفالهم بجوارها،ثم أسرعوا للحاق بعربة المترو،لا لركوبه،بل الموت تحت قضبانه،لم تتوقف العربات عن الحضور والدهس،لم يصرخ أحد،.. وكذا سمية لم تلحظ شيئا مغايرا.
الطفل الأول بدا ككبير لباقى الأطفال،يسيطر عليهم بسحر ما..تعرفه سمية قطعا،تلك القوة العلوية غير المبررة،الاعتيادية والمنقوصة،أكملتها كثيرا بخيالها،خيالها قطعة البازل الناقصة التى تمنح تلك القوة وجودها،قوة تعطى مديرها العجوز حق التلصص،وتعطيها ألق التحايل الممتع.
ساعة تلو ساعة وسمية فى مكانها،وعربات المترو لا تتوانى عن التهام الجميع،تاركين أطفالهم بجوارها،من لم يملك طفلا،ترك شيئا يخصه:منديل،ساعة،محفظة.
سرعان ما تزاحم خلق كثيرون،على شبابيك التذاكر،لحجز تذاكر الذهاب تحت قضبان العربات،مات كثير منهم نتيجة التدافع،قبل عبور الحواجز الإلكترونية،اضطرت شرطة المترو لاحتجاز الكثير منهم،استدعوا قوات أكثر لمحاصرة مداخل المترو،بعد أن وصلت تلك الرغبة إلى سكان الحى،ثم تدفقت كموجات الدومينو،إلى أحياء أخرى.
استسلمت سمية للبقاء دون حركة،غفت،صحت لتجد سفنا تسير على قضبان المترو..وميكرفون يقلد صوت السفن،ومروحة ضخمة تضخ الهواء..وقطيع من الأطفال،يملأون المكان ويقلدون حركات الطفل الأول،انتبهت لعرجه.
سرعان ما عرفت إنها تحت قيادة الطفل الأعرج ،انهدمت الجدران ،خرجوا إلى الشوراع ،كان أحدهم يطبق الشوارع كعلب بيبسى فارغة ويقذفها فى صناديق قمامة،كان قطيع الأطفال يعرجون مثلها،فيما يسيطر عليهم الطفل صاحب السحر.
لكن سمية لم تلحظ شيئا مغايرا،أخرجت كاميرا لتسجيل حمى الشوارع الفارغة.

الأطفال تفرقوا،كانوا يعرجون بحماس من يرغب فى اثبات شىء،أما سمية فخجلت من كل هذا العرج المحيط،رأته عارا يأكل الشوراع.
تشبثت بكل ما لديها من ايمان،كى تحافظ على مشيتها المحسوبة التى لا تفضح عرجها.
فى البيت،كان والدها يعلم أمها مشية تجعلها تبدو كعرجاء حقيقية.
فتحت التلفاز،لتجد الجميع يتحدث عن أهمية أن الوقت قد حان لنتحدث بصراحة عن العرج،دون محاولة لاخفاؤه.
فى اليوم التالى،كان الناس فى الطرقات يعرجون بابتسام،انتقل إلى مانشيتات الجرائد.
فى العمل،كان مديرها العجوز،محاصرا بالعرجى،ويصرخ:"أقسم بالله..أنا مثلكم كنت أخفى عرجى لأحيا".
عندما أدركت إن حياتها ضاعت لاخفاء عرج يتباهى به الجميع،نفذت كابوسها السعيد..بأكل أول طفل تقابله،امتصت روحه،وأضافت إلى عمرها،عمرا أعرج.
انضم إليها عدد كبير،وبدأوا فى أكل الأطفال العرجى..دون أن يلحظوا شيئا مغايرا.
أحمد الفخرانى
20/2/2011
2 likes ·   •  1 comment  •  flag
Share on Twitter
Published on March 16, 2011 17:13
Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by Mostafa (new)

Mostafa elsaqa واحشني زرياب قوي قوي


back to top

تياترو

أحمد الفخراني
صانع أشكال
Follow أحمد الفخراني's blog with rss.