يوميات مواطنة مفروسة في مصر المحروسة
discussion
all discussions on this book
|
post a new topic
يوميات مواطنة مفروسة في مصر المحروسة
discussion
على الخلاف الداخلي تعترف الكاتبة منذ البداية بأن ما كتبته هو نتيجة عادة مراقبة البشر التي تحبها .. فكما يراقب البعض الطيور تراقب هي الناس .. ربما هي لم تسمع بالحكمة العربية "من راقب الناس مات هماً " .. أو "مات فرسة" في هذه الحالة.
أول ما ستلاحظه وأنت تتوغل في الكتاب هو تغلغل الأغاني في كل الفصول، حتى سيبدو لك أن الكاتبة لا تراقب الدنيا فقط، بل تتنصت عليها ايضاً ، حضور الأغنيات شامل سواء في أسماء الفصول أو مضفرة بداخل السرد، وكثيراً ما تستعمل الكاتبة كلمات الأغاني كوسيلة غير مباشرة للتعليق على الأحداث، ويستوي لديها أن تكون هذه الكلمات راقية تغردها فيروز أو شعبية يصرخها محمود الحسيني (صاحب شربت سيجارة بني)، قديمة كتواشيح سيد درويش أو جديدة كأغاني شيرين، لا فارق، المهم انها تعطي الكاتبة الصدى الذي تريده لترسيخ فكرتها.
المواطنة المفروسة تستخدم أسلوب سلس جذاب، لا يوجد به تحذلق الاستاذ الجامعي ولا استعراضية من يجيد لغة أجنبية ولا سهوكة البنات، لهذا فكل من سيبدأ هذا الكتاب حتماً سينهيه في وقت قياسي وبمتعة مضمونة، وهي تفضل أسلوب الكاميرا المحايدة في نقل ما تراه من صور، لكنها كاميرا أشبه بجهاز الأشعة تنفذ الى عمق المشكلة مباشرة فتكشف جذورها وتترك أغصانها عارية تحت ضوء الشمس بلا ظل يسترها، فلا يجد القاريء بدا من أن يصاب بالفرسة هو الآخر من المجتمع بعد ان انتقلت له وجهة نظر الكاتبة.
الأجواء مصرية جداً، وحتى عندما ستسافر مع فصول الكتاب الى السعودية فالمواطنة ستحيطك بكل العادات التقليدية المصرية .. ستشعر احيانا ان الكتاب هو نسخة مبسطة من "وصف مصر" لكنه أقرب لـ "وصف المصريين".
لن تحس كثيرا بالشخصية الانثوية لدى الكاتبة ، ربما فقط في فصل يتعلق الشوبنج .. أما غير ذلك فالصوت السردي محايد جداً يصلح لأن يكون لرجل أو امرأة .. وأغلب الملاحظات لقطات عقلية أكثر منها نفثات شعورية .. حتى تون الكتابة "رجولي" قليلاً ويخلو من الرهافة الأنثوية التقليدية، والكاتبة تعتمد على التحليل المستمر لكل ما تتلقاه حواسها ..كل شيء يخضع للتحليل ، وبشكل يقترب من الفلسفة التركيبية: تبدأ من جسم صغير أو فكرة بسيطة أو غرض شخصي، وعن طريق هذا الشيء الأولي تصل لفكرة أشمل وأعرض تتجاوز شخصيتها وتلمس المجتمع ككل.
المواطنة المفروسة ليست مفروسة فقط بل شجاعة أيضاً ، لأنها تعترف للقراء بأسرار عن حياتها الشخصية لم يطلبها أحد (ربما لأنها قد تزوجت بالفعل ولم تعد تسعى لرسم صورة مثالية عن نفسها !!) ، فهي كما تتلصص على الناس في الشارع تسمح لنا بأن ننظر في داخلها أيضاً ، فتخبرنا بأريحية انها تزور طبيباً نفسياً ، وانها تكلم نفسها في الشارع ، وانها تخاطب أبطال الأفلام وتجلسهم أمامها في الصالون وتعاتبهم، وتصطدم احياناً في عواميد النور وهي تمشي، بل وتوثق الإهانات التي كانت توجه لطولها المميز في الصغر.. وهي بهذا تضع قدمها على الخط الفاصل بين المحلل وبين الفنان .. فالمحلل الجامد ينظر بعين مدققة الى التجربة التي أمامه ، بينما الفنان يوجه ثاقب بصره إلى الداخل.
هناك تباين في حجم الفصول يوحي أن بعضها كتب على عجل ليكتمل الكتاب ، وشخصياً
شعرت أن الفصل الأخير عن ميدان التحرير غير متسق مع باقي العمل ، وربما تم حشره بسرعة قبل الطبع لكي يكون لهذا الحدث الرائع تحية خاصة .. لكن موضوع التحرير أكبر من ان يناقش بهذ العجالة، صحيح أن الفصول السابقة تحوي بعض إرهاصات لتغيير ما يحدث في المجتمع (هناك فصل يتحدث عن خالد سعيد وعن تناول الاعلام الحكومي لقضيته، وكيف أن عدو الدولة في هذه اللحظة أصبح الحكومة) لكن الختام بميدان التحرير كان احتفالي اكثر منه موضوعي.
الكتاب في المحصلة هو نقل ممتع لبعض وقائع حياة عادية ، فالكاتبة ليست مارجريت تاتشر وليست مدام كوري وليست ماريا كالاس حتى الآن ، لكنها ستأخذك في رحلة ذاتية خاصة تننقلك من محلات سيتي ستارز الى مزارع الزيتون في اسرائيل، ومن دفء العناية بأعشاش اليمام الى سطحية موظفي المتحف المصري، ومن ظاهرة علمية هي "متلازمة الطرف الوهمي" الى ظاهرة مصرية هي الاستهلاك الزائد للطعام في رمضان.
باختصار الكتاب سيجعلك ترى غير العادي في الشيء العادي، وهذا هو أحد تعريفات الفن الأولى.
اربعة نجوم من خمسة