هنجراني هنجراني discussion


18 views
دراسة الشاعر (كريم الصياد) عن ديوان هنجراني

Comments Showing 1-3 of 3 (3 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by محمد (new) - added it

محمد عبادة الفيلسوف السلبي “صورة امرئ القيس ومعلقة دوريان جراي”
الفيلسوف السلبي
“صورة امرئ القيس ومعلقة دوريان جراي”
قراءة في ديوان” هنجراني” لمحمد سالم عبادة


إن الفكرة التقليدية عن ثبات العالم واستقرار القيمة تحدُث في الذهن نتيجة غض البصر التلقائي عن الكون، أما الشاعر هنا فتوجهه قيمة النظر والتأمل والاستغراق في الرؤية، إنه الفيلسوف السلبي الذي اختار أن يعبّر عن سياقه الخاصّ باللا سياق، وعن رؤيته الخاصة بإغماض عينيه، هو صورة امرئ القيس الذي أسرف الشاعر في ذكره في قصائده، صورته الخالدة التي لا تبيد وتظل شبابًا، كلاسيكية الشكل واللغة حول مضمون حداثي وما بعد حداثي، فهو معلقة دورْيان جراي الذي خاف من أن يشيخ فطعن صورته كما طعن الشاعر هنا قصيدته
1- تمهيد:
نحاول في هذه الدراسة المختصرة تطوير خطوات المنهج الفينومينولوجي (الظاهرياتي) في دراسة الأدب لمناسبة موضوعه، مع تحديد خطواته ووظيفة كل خطوة، وعلاقة هذا التطوير بالنقد الغربي المناظر، ويمكن للمهتمّ بالعملِ الأدبي والتطبيقِ النقدي أن يتجاهل القسم الأول النظري من الدراسة ويعبر إلى القسم الثاني التطبيقي مباشرة بعد التمهيد، فالجانب النظري لا يهم سوى النقاد أو الباحثين المتخصصين.
وتحاول هذه الدراسة تجاوز الأزمة المزدوجة الشهيرة في نقد الحداثة: اللا حكم عند البنيويين، واللا معنى عند التفكيكيين، وهذا يعني أن الدراسة ستحاول النفاذ إلى عقل المؤلف في النص من جهة، والربط بين هذه المرحلة ومرحلة الحكم على المعالجة التي تمت في النص لهذا العقل(أو الموضوع الأساسي) من جهة أخرى، أي: الجمع بين الفهم والقيمة، بين الحكم الوصفي والحكم المعياري، ضد موت المؤلف، وضد التأويلات اللامتناهية واللعب غير المقنن وغير المحدود في النص وبالنص.
2- القسم الأول: القراءة:
تتم هنا إعادة بناء خطوات المنهج الفينومينولوجي مطبَّقًا في الأدب باستلهام مبادئ المنهج الفينومينولوجي عند هوسّرْل، وتطبيق المنهج عد مدرسة جنيف النقدية، مثل: مارسيل ريمونMarcel Raymond، وجان روسيهJean Rousset، وجان بيير ريتشاردزJean-Pierre Richards، وجورج بوليهGeorges Boulet، وألبير بيجانAlbert Beguin، وجان ستاروبنسْكيJean Starobinski ، حيث رأى هؤلاء أن النص الأدبي شكل من أشكال الوعي، وأن النقد شفافية متبادلة بين الأذهان(الناقد-المؤلف-القارئ)، وهؤلاء الستة بالذات يوسعون من مفهوم الوعي المقصود ليشمل سائر أشكال المعتقدات والمفاهيم(انظرْ:Hillis Miller:Theory Then and Now,Hemel Hempstead,Harvester Wheatsheaf,1991)
وليس الهدف الوصول إلى حقيقة موضوعية توافق عليها كل الأطراف، بل أن تعود للنقد الأدبي والفني عمومًا وظيفته في التفسير والحكم على العمل، تلك الوظيفة التي يعتبرها البعض (أو الغالبية) الآن سذاجة لا تُوصف، ولكن بحيث لا يُسقط الناقد على النص رؤاه سابقة التجهيز، وقد تطرف النقد الغربي الحداثي في اتجاهين: الأول يضم الذين تمرّدوا على الذات الوجودية(البنيويين)وحاولوا أن يؤسسوا علمًا للنقد يقوم على الموضوعية المطلقة، فاستبعدوا الحكم القيمي أي: الذات الناقدة، والثاني يضم من تمرّدوا على الموضوعية الآلية وعلى مركزية المعنى وواحدية التفسير، وهؤلاء استبعدوا الموضوع تمامًا من النص ومارسوا طريقة اللعب الحر بالنص من أجل الوصول إلى معانيَ لا نهائية بالنص الواحد تختلف باختلاف القارئ، هؤلاء استبعدوا الذات الناقدة، وأولئك استبعدوا الموضوع النصّي، فكيف إذًا يمكن للناقد من جهة أن يفسّر ويحكم، ومن جهة أخرى أن يستبعد ذاتيته مؤقتًا فيقي النص من التشويه؟ كيف يمكن للنص أن يحتفظ بموضوعيته والناقدِ بذاتيته في الحكم والتذوق في آن واحد؟
نقترح الخطوات الأربع الرئيسية التالية:
1. الإخلاء Evacuation: كما يقول ميللر: يجب أن يبدأ النقد كعملية طرح وإخلاء(المرجع السابق)، يبدأ الناقد إذًا بتلقي النص على براءته الأصلية، بإفراغ الذهن من الشعر عند تلقي الشعر، ومن النثر عند تلقي النثر، فيصل النص إلى تكوينه لا هو(الناقد) الذي يصل إلى تكوين النص، فيتحول الناقد إلى القارئ المنحوت، المنقوش، المنصبّ في قالب العمل، وهو مفهوم القارئ المنحوت Inscribed Reader والقارئ النموذج Model Reader الذي ورد في مؤلفات هُوْثورْن وإمبرتو إيكو(انظرْ: Jeremy Hawthorn: A Concise Glossary of Contemporary Theory, London, Edward arnold, 1994) وانظر أيضًا: Umberto Eco: The Role of The Reader, Explorations in The Semiotics of Texts, London, Hutchinson,1981)
2. المناهزة Approximation أو: بعث المؤلف: بعد الإخلاء والاستعداد التامّ لتقبل وعي المؤلف يجب أن يحاول الناقد قدر المستطاع أن يناهز(يقترب من)فكر الكاتب، كأنه هو الذي يفكر، يحاول أن يتحرك بخطوته، أو يتحرك معه، هذه هي الطريقة الوحيدة لاقتناصه، ولكن الوعي عند الفينومينولوجيين ليس وعيًا محايدًا أو آليًا، بل هو وعي تحكمه قصدية Intentionality وتُوجهه، وبالتالي تنقسم هذه الخطوة إلى خطوتين فرعيتين: الأولى: الإحالة إلى الخارج Phonocentrism أو Logocentrism عكس تفكيك دريدا (انظر مثلًا صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998)، الثانية: فهم المقصد الموجّه للرؤية والرسالة المعرفية في النص، تعنى الأولى باقتناص الوعي والعقل خلف النص، وتعنى الثانية بإبراز طبيعة المقصد ودوره في توجيه وعي الكاتب، وليس المقصد الموجّه لعملية الكتابة(كالمحاكاة أو التعبير أو التغيير أو الاكتشاف والتفسير، ومنها مدارس الفن كالكلاسيكية والرومانسية والواقعية والحداثة)، ففرق كبير بين المقصد الموجه للوعي والمقصد الدافع للكتابة، وفي هذه الخطوة(المناهزة) يتم الحصول على الموضوع الأساسي Theme ، وهو ما قد يكون لا موضوعًا باعتبار اللا موضوع نفسه موضوعًا من الموضوعات، وعلى الناقد في هذه الخطوة إجلاء وتنقية وتنقيح وتخريج وتحقيق الموضوع قدر الإمكان، مع تلخيصه أقصى التلخيص. وهنا يظهر النص الممكن Possible بين النص القابل للقراءة(التلقي السلبي) Readable والنص القابل للكتابة(التلقي الحرّ الإيجابي التأويلي اللامتناهي)Writable، وقد ورد فقط عند رولان بارت المصطلحان الثاني والثالث، ونقترح نوعًا ثالثًا من النصوص.(انظر: Roland Barthes: S\Z: trans. by Richard Miller, Oxford, Blackwell, 1990, p. 4,5) وهذا النص الممكن هو ذاته المُحال إليه خارجًا.
3. المقاربة Approach والحكم Judgement : بعد الحصول على الموضوع يمكن حينئذٍ معالجة هذا الموضوع كما تشكّل في النص، ومحاولة تصوّره في الوعي، وإبراز عناصر الكمال والنقص في هذا التصوّر فلسفيًا، وعناصر التآلف والتخالف بين أجزائه المكوِّنة مع بعضها البعض من جهة، ومع الشكل الذي عبّر عنها من جهة أخرى، وبالتالي تتم المعالجة على مستوى الموضوع المجرّد مرّة، وعلى مستوى الموضوع المجسّد(في القصيدة)مرة أخرى، وهي خطوة نعود فيها إلى النص مرة ثانية بعد الإحالة في المناهزة، وبالتالي أيضًا يمكن الحكم على المعالجة التي تمت في العمل للموضوع من زاويتين وعلى مستويين: فأما من زاويتين أي من حيث كونه مجردًا ومجسدًا كما سبق، وأما على مستويين أي من حيث هو(في ذاته)بشكل نقدي دون مقارنة، ومن حيث هو(مقارَن) أي مع المعالجات السابقة التي تمت للموضوع نفسه إن وُجدتْ في أعمال أدبية أخرى. والحصيلة النهائية هي تحليل وتقييم الموضوع ثلاث مرات: مجردًا ومجسدًا ومقارَنًا.
4. الإغلاق Closing: أي اعتبار رؤية الناقد للعمل والفنان رؤية مغلقة حتى إشعار آخَر بضرورة تطويرها أو تعديلها أو نقضها، واعتبار أنها رؤية يمكن لها أن تكون موضوعية وخاضعة للاشتراك وحكم الآخرين عليها نقادًا وكتابًا وجمهورًا، رفضًا أو قبولًا، وليست رؤية ذاتية محضة لا يمكن النظر إليها، فمثل هذه الرؤية ليست نقدية، بل هي في أحسن الأحوال عمل فني مجاور للعمل الأصلى، والإغلاق لذلك ضد المبدإ التفكيكي المفتوح من كل جهة، الذاتي، الذي لا يُوجه باعتباره موضوعيًا، ولا يمكن الحكم عليه إيجابًا أو سلبًا.
-بطبيعة الحال لا يظهر في التطبيق سوى الخطوتين الثانية والثالثة: المناهزة والمقاربة، أما الأولى فهي خطوة مبدئية سالبة توازي مرحلة الشكّ الديكارتي، وأما الرابعة فهي خطوة ممتدة في لغة الناقد وعند الاعتبار بالعملية النقدية من حيث مستواها المعرفي.
3-القسم الثاني:
أ_الموضوع الأساسي:
بالرغم من مظهر الديوان الذي يوحي بكونه ديوانًا مجمَّعًا تقليديًا، إلا أن هناك روحًا واحدة واضحة تجمع قصائده، وهو ما يبدو حتى من الوهلة الأولى بعد قراءة خمس أو ست قصائد، ويبدو الشاعر حريصًا في عمله على أن يصل القارئ من البداية إلى هذا الجوهر، فعنوان القصيدة الأولى: في الفعل الهنجراني.لابد وأن يلفت القارئ المتأنّي في تناصّه مع عنوان الديوان، بالفعل، فهذه القصيدة بمثابة مدخل لقراءة العمل كله، ويقدم لنا فيها الشاعر خيوطه الأساسية كلها، ويبقى لنا أن نتتبعها على امتداد الديوان ونجمّعها في بؤرة تصوّرية واحدة، وهذا يعني أن هذه المرحلة من الدراسة(مرحلة اقتناص واستخلاص الموضوع الأساسي)سوف تنقسم بدورها إلى ثلاثة أقسام: الخيوط الأساسية، تتبع الخيوط، ثم جمع الخيوط، وذلك كما يلي:
1- الخيوط الأساسية: وهي التي يمنحنا الشاعر إياها في القصيدة الأولى:
1- السخرية المباشرة:”الأوله صلّ اللهم على الآلاتي/اللي نوتتها شاربه حاجه أصفره”
2- الإشارة إلى حال العبث الوجودي والمجتمعي:”أصل الوجود نفرة حمار”
3- النزعة التأدبية Literariness(باستعمال الفصحي من حين إلى آخر):”والوعدُ مكذوبٌ خبيثٌ هنجراني”
4- اللا سياق كبناء فني وظاهرة عالمية:”أنا سارق اللحظة ومسروق من سياق”
5- اللا مبالاة(عند القارئ)واللا مبالاة المقابلة(عند الشاعر):”خلصت قصيدة الوادْ/وهو ف وادْ/وباقي الناس ف وادْ”
2- تتبع الخيوط:
1- السخرية المباشرة: أظهر الخيوط وأكثرها امتدادًا، فالشاعر غزير السخرية، يعبّر عن أغلب مشاعره وأفكاره بالسخرية من الآخرين ومن الذات، والأمثلة كثيرة من الديوان في هذا المسار: كقصيدة (تشنج) كلها، خاصّة”سأرهق محبوبي صعودًا على اللولب”، و(عسير عنب) مع ألفاظها التي لا معنى لها: تلاتشرات، خعيخع، عبـ وموي، والإضافة الساخرة”أبو لهولهم وأبو لهولي”في تشبيه للشاعر (عماد بعرور) بأبي الهول المعاصر الذي يلقى بالألغاز على مدخل مصر، وقصيدة (تناكة)، وفي(بحث علمي)نقرأ”الإرج في عين أمه غزال”وهو أسلوب الشاعر في صياغة الدعابة، ليس من المعنى، بل من اللفظ واللا معنى المصاحب لتشويه اللفظ الموجود أو اختلاق لفظ غير موجود، ليس من المفارقة التي تفترض أسبقية الفهم، بل من اللعب بالألفاظ واعتصار اللا معنى لتقطير اللا شيء، وهو ما يتصل بموقف الشاعر الذي سيلي ذكره وتفصيله، فهنا تم تشويه(القرد) أو(الإرد) إلى الإرج(وحدة قياس للطاقة)، وألفاظ قصيدة (فصام) التي يلعب فيها التركيب المزجي دورًا في الحبكة الشكلية(القوافي) وبناء المعنى في كل مقطع جديد، وأما الأمثلة على الألفاظ التي لا وجود لها فألفاظ(عسير عنب)سابقة الذكر، وغيرها.
2- الإشارة إلى حال العبث الوجودي والمجتمعي: كما في قصيدة(بناقص دوريان جراي):”كل الكلام عندي أبيض من الطهر أسود من الأغربة”فالأسود كالأبيض، ومثل”لاعلم مريديني: مايدوروش ف الحقايق على الأجوبة” ومثل:”وها نقش على المية دوريان”،”وأضيّع ميراث الحقايق ميراثي وأبيعه بأشعار زهيدة”، وفي(صورة رامي يحيى):”بعدها تخسر تظفر كله محصّل بعضه ف غزوة رامي”، وفي (فصام):”يرفض الحلم من غير أساس”،”ملاك الضياع…الأمينْ”فالوحي المعاصر هو الضياع كما يشير استعمال التركيب(ملاك-أمين)، والرقص بلا هدف، وفي(المعلم الأول):”النصوص اللصوص”ومساواة البديلين الدرويشيين، والعطس من الحقيقة في النهاية، فالزيف والوهم وضع صحّي أو وضع بشري(ص 65)، وفي تكعيب لقصيدة: “في البدء كان الكون نهد”(ص60).
3- النزعة التأدبية Literariness: وهو ما يعني أن الشاعر يفتعل التعبير الفصيح أحيانًا-أحيانًا كثيرة في الحقيقة-ليسخر من الأدب والثقافة والمثقف الذي لا فعل له، وعلى مدار العمل يظهر استعمال الألفاظ الفصحى وبعضها نادر الاستخدام حتى في شعر الفصحى، مثل:”وراغَ إلى الفراغِ فراغ”في قصيدة(بلوتو)ففعل راغَ نادر الاستخدام، والأكثر شيوعًا صيغة راوغَ، تظهر الألفاظ الفصيحة كذلك في:”واعرّي عن العلم بالذات ذوات أصلها الجهل عريًا”مع استخدام المفعول المطلق(عريًا)وفي العامية للتأكيد نستخدم اسم المرّة(قعد قعدة، أكل أكلة،..)، وكذلك نقرأ:”سأرهق محبوبي صعودًا على اللولب”، وفي نوة قاسم:”والله يا مصر وثغرك باسم”، وفي بلوتو”إله البرد والظلمة” وليس (الضلمة)بالضاد، وغيرها.
4- اللا سياق كبناء فني وظاهرة عالمية: فبرغم توحد قصائد الديوان تحت حدس واحد كما سيلي الذكر، لكن طبيعة كل قصيدة على حدة تبدو كما لو كانت بالفعل لحظة منتزعة من سياق كما يقول الشاعر عن نفسه”أنا سارق اللحظة ومسروق من سياق”، وهو هنجراني، لص النَّص، ونَص اللص، وهي ظاهرة بنائية فنية، النص النكتة أو الفزورة، كما هي ظاهرة عالمية واقعية في ملاحظة الشاعر لانهيار الأبنية والنظم المعرفية والقيمية والمؤسسية كما سنرى في قصائد(بحث علمي، فصام، المعلم الأول) على الأخصّ.
5- اللا مبالاة(عند القارئ)واللا مبالاة المقابلة(عند الشاعر): كما في(أحكام اللام الساكنة):”لما تنظر فِ وشوش الناس تشوفهم بالملل ماشيين”وفي(فصام):”غير أنه اتولد وسط مجتمع المغلقين”، وفي(تكعيب لقصيدة):”صلوا عليك بالشعر زورًا يا نبي”. أما اللا مبالاة المقابلة فتظهر في تيمة السكر والعربدة والغيبة المنتشرة في العمل:مثل مقطع(هذيان)، و”وِفْ عزّ ما الدخان ما بيسطلني”في(الدوران حول راس الرجا)، وفي قصيدة(ويسكي باللمون).


message 2: by محمد (new) - added it

محمد عبادة تابع :
...................
3- جمعُ الخيوط:
تجتمع كل هذه الخيوط في(موضوع التفكك) المعرفي والقيمي والمجتمعي، فهذا هو الموضوع خلف النص، والعقل خلف الفن، أو: في الفن بتعبير الفيلسوف جورج سانتايانا، فالنص هنا(وعْيٌ بتفكك العالَم ونسبية العقل)، وهذا الوعي ليس وعيًا وصفيًا شاملًا خالصًا، فالإنسان في الفينومينولوجيا ليس آلة، والمعرفة يوجهها قصد واهتمام وعاطفة وغاية، ما يدركه الرجل يختلف عما تلاحظه المرأة لاختلاف الصفات النفسية والاهتمامات بين الجنسين مثلًا، وما يؤدي إلى الاختلاف في الرؤية هو الاختلاف المبدئي والأسبق في توجه الوعي، لأن الفكرة التقليدية عن ثبات العالم واستقرار القيمة تحدث في الذهن نتيجة غض البصر التلقائي عن الكون، أما الشاعر هنا فتوجهه قيمة النظر والتأمل والاستغراق في الرؤية، إنه الفيلسوف السلبي الذي اختار أن يعبّر عن سياقه الخاصّ باللا سياق، وعن رؤيته الخاصة بإغماض عينيه، هو صورة امرئ القيس الذي أسرف الشاعر في ذكره في قصائده، صورته الخالدة التي لا تبيد وتظل شبابًا، كلاسيكية الشكل واللغة حول مضمون حداثي وما بعد حداثي، وهو معلقة دورْيان جراي الذي خاف من أن يشيخ فطعن صورته(أنا الوقتِ دوريان جراي/مش هموتْ/صوت اللذة يعلَى/وصوت الساعات في خفوتْ)كما طعن الشاعر قصيدته(كل الكلام عندي أبيض من الطهر أسود من الأغربة/وأضيّع ميراث الحقايق ميراثي وأبيعه بأشعار زهيدة)، وآثرَ الزيف على الحقيقة التي تثير العطس(عشان لما ها رجع واشممكوا ريحة الحقيقة أكيد مش ها سامح أكيد لو عطستوا).!
الفكرة إذًا هي الوعي بالتفكك والانهيار(انهيرضع، انهيرفض، انهيرقص، انهياره، انهيار)-في قصيدة فصام، والقصد هو الرغبة في الفهم من جهة، وفي التغيير من جهة أخرى، تلك الرغبة التي لم تجد لسؤالها حلًا ولا لنشاطها فعلًا.
هكذا يكشف هذا النص الذي يبدو لأول وهلة ساخرًا مداعبًا كتابًا في النكت عن عقل فلسفي يعبّر عن فاجعة العدمية، بأسلوب وطريقة لا تقل عدمية، ولا تقل مرارة كذلك، هذا هو الفيلسوف السلبي الذي يعبر عن فلسفته بنقيضها،صاحب النصّ-اللصّ، الهنجراني.
ب-مقاربة الموضوع:
1-الموضوع مجرَّدًا:
الوعيُ بفكرة تفكك العالم وسيولة المعارف والقيم، وهي فكرة شائعة عند الأدباء الشبان من الجيل نفسه، تحت تأثير فساد المؤسسة السياسية بخاصة من جهة، ووافد غربي ما بعد حداثي من جهة أخرى، على أن أكثر الأدباء الشبان في تناولهم للموضوع نفسه يعبّرون عن وضع سيكولوجي في الأساس، كاليأس أو الحزن أو الإحباط مما يدفعهم دفعًا إلى تقلُّد(أو تقليد)حال الوعي بالتفكك كوضع معرفي، فالسيكولوجي أدى إلى المعرفي وهو افتعال، أما محاولة سالم فجاءت على قدر من الأصالة والصدق، فهي تبدأ من الوضع المعرفي(الوعي بالتفكك والانهيار)كما نجد في التركيز على قضية الخصخصة ولو لا شعوريًا: “رنده أقسى من سنين الخصخصة”ص51، “ما فضلش لابن البلد غير لحمه يتخصخص”ص72، وقصيدة (فصام) كما ذكرنا، وكما سنذكر، وفي (بحث علميّ)التي عنوانها الفرعيّ: Uncertainty (الارتياب، وهو مبدأ فيزيائي اكتُشف عام 1927)يتضح الوعي المعرفي باللا يقين العلمي المعاصر على المستوى المنهجي، وكذلك(بلوتو)حيث يبدو فيها الوعي بالانقلاب العلمي على مستوى الحقيقة العلمية، وهذا كله ينتج عنه حالة من الرفض والتآمر على الواقع بالحلم، وعلى الحقيقة بالزيف، هذا هو الفيلسوف السلبي الهنجراني.
2-الموضوع مجسَّدًا:
وهنا نعالج كمثال قصيدة فصام، والمعلم الأول:
أ_فصام: تعتمد القصيدة على توليد المعاني الجديدة المركبة من التركيبات اللفظية المختَلَقة المتمازجة، ويمارس التركيب الجديد دورًا في الحبكة الشكلية من جهة، وتوليد المعاني الجديدة من جهة أخرى، وهذا يحكمه قانونان: الأول عنوان وموضوع القصيدة(فصام)حيث يميل الفصاميون إلى نحت كلمات جديدة لا وجود لها من جذور أصلية(هامش ص 55)، وهي كلمات لا معنى لها، لكنها ذات معنى حاضر في النص، وهو الفعل الهنجراني في الإيجاب والسلب، والرؤية خلف الجفن، والتعقّل بالفم، والإحساس بالمعدة أو الكليتين، أما القانون الثاني فهو ترابط هذه الكلمات الدلالي وبالتالي المقاطع لإفادة الرؤية الكلية: الانهيار، ويمكن تحليل القصيدة مع تقسيمها لمقاطعها أو كلماتها المفتاحية في بداية كل مقطع كالتالي: انهيرضع، انهيرفض، انهياره، انهيرقص، انهيار:
1- انهيرضع:يمكن تحليل اللفظ بالفصحى إلى (انهيار-يرضع)، كما يمكن تحليله بالعامية إلى(إنْ-ها-يرضع)حيث تفيد(ها)التسويف، فيصير المعنى: إن سوف يرضع، وهو التحليل المعتمَد ها هنا وفيما يلي من كلمات مزجية، يقول الشاعر:”لو كان سيرضع فنزّ صدر الأمل طينًا، لو كان سيرضع ولا أمل، لو كان سيرضع من أمه في الأندلس(الغرب المتحضّر)-وواضح أن الشاعر متأثر بتجربته في الغرب-فرفض الرضاع لأنه وُلد في مجتمع المغلقين(الشرق المتخلف)، وحين يرجع من الغرب سوف يرضع بدلًا من الحلم العذاب والأنين.
2- انهيرفض: (إن سوف يرفض): يرفض وجوده في القمقم، وخارج القمقم، ولو سيعرف محبوبته التي داست قلبه، فسوف يرفض تعليق حبال المشانق لنفسه، لكنه سيشنق قلبه بحبل الوتين.
3- انهياره: (إن تكن يارِه): وياره(أو يارا)اسم علم فارسي الأصل بمعنى(قدرة)، فربما كان المعنى: إن تكن قدرة، غير أن ذكر (البنت) يقطع الشك، فربما هي فتاة عرفها الشاعر عمومًا، أو عرفها في الغرب لو كانت إشكالية(الغرب المتحضر-الشرق المتخلف)هي المحور، أو اسم مغنية مشهورة(يارا)، على أية حال لم تصر البنت شكل يارا كما تمنى والدها، فماتت حضارة(حضارة الغرب المتمناة) وبقيت يارة التي ليست على شكل يارا تواسي أباها الحزين.
4- انهيرقص: (إن سوف يرقص): إن سوف يرقص فمايْكل جاكسون مَلاك الضياع الأمين، وهو حامل الوحي المعاصر: الضَّياع والرقص بلا نهاية ولا هدف.
5- انهيار: (إن سيكون يار): واليار بالفارسية هو الجبروت والقدرة مثل (يارِه)، والأمر شبيه في الفارسية بالتحوّر الذي دخل على (زاد لتصبح زادِه أو العكس: بمعنى بِنت)، الإحالة إلى الفارسية نتيجة استعمال لفظتي يارا وشهريار في المقطع السابق والحالي على الترتيب، ومعنى شهريار بالفارسية(جبروت البلد)ويتناصّ مع يارا إيجابًا، ومع البنت(شهرزاد=بنت البلد)سلبًا، ولفظة (انهيار) بتحليلها السابق إلى مركباتها تجهل اللفظ مزدوج المعنى: الجبروت+الانهيار، وهما ضدان كذلك فيه، ويشير المقطع تصريحًا إلى توقّع الانهيار من بُعد في ديار ألف ليلة (المشرق) ولو بعد حين.
وهكذا يحصل لدينا نص متماسك، بل عالي التماسك، يمارس فيه اللفظ دورًا فريدًا غير تقليدي، ويرتبط برؤية التفكك والضياع القابعة خلف النص، بل هي النص الممكن ذاته.
ب_المعلم الأول: يتم هنا كذلك تحليل القصيدة على أساس قسمة مقاطعها، وهي أقرب إلى حوارية شعرية كالتالي:
1- م1(المقطع الأول)-على لسان الشاعر ثم أفلاطون:
تبدأ القصيدة من الهيولى، والنطق الصحيح لها في اليونانية(هيولِيHylo= ὑλο بكسر اللام)، وإن كان الشائع بالفتح، والوجود المنظور عند أرسطو (المعلم الأول) يبدأ كذلك من الهيولى كالقصيدة، يتأمل الشاعر هذه الهيولى كوجود أنثوي محض لم يلقح بعد “وجود أنثوي محض ما فيهش ريحة الفحولة” ، لأن الخلق يحدث من غير عدم عندما تُداخِل الصورة Form المادةَ Matter وهو التلقيح الكوني في ميتافيزيقا أرسطو.
ثم ينتقل الشاعر من الوجود إلى المعرفة وهي القضية الأساسية في القصيدة، “عقول الخلايق ناقصْها الكافولة” أي ما تزال في مرحلة طفولة الوعي وسذاجته، تلك السذاجة ليست الجهل، بل طلب العلم دون الخبرة به، لأن العلم لن يفيد كما يتصور الناس، وستبدو من القصيدة بعد ذلك المبارزة بين أفلاطون وأرسطو على عقول الطلاب، وفي هذا المقطع الأول نقرأ: “وأستاذ بيضحك ويزعق عليهم أكيد إنتو بظتوا” وهم يغنون: “أرسطو يا لهوي في وسطه” والوسط هنا يشير إلى الوسطية الأخلاقية الشهيرة عند أرسطو(الفضيلة وسط بين رذيلتين)، فالطلاب مهووسون بأرسطو، والناس مبهورون بمنطقه وعلمه وموضوعيته وواقعيته، في مقابل أفلاطون الرومانسي الحالم، برغم أنه سيتضح في النهاية أن أفلاطون بخياله ولا علميته أرحم على الناس من أنفسهم.
2- م2-على لسان أرسطو:
(السمين) هنا يشير إلى أفلاطون”سمين المزيَّف وسادد عليكو الطريق لو لاحظتوا”، فاسمه الأصلي: أرسطوكليس: أي الأحسن الشهير، ولُقب بأفلاطون Plato :أي العريض لضخامة بدنه، وهو يسد على الطلاب الطريق حين يوحي لهم باكتمال الحقيقة ونهاية الفلسفة بفلسفته هو الخاصّة التي يراها أرسطو مزيفة.
3- م3-على لسان الطلاب وأرسطو بالتبادل:
الطلاب: تعالَ يا أرسطو يا وحي الهيولى.
أرسطو: من المؤكد أنكم تريدون أرسطوَ خاصًا لأغراضكم.
الطلاب: سنقتل بيدك أفلاطون، فتعال.
أرسطو: كلمة تخرج من أفواهكم، وحين آتي ستنسون أنكم لفظتم.
4- م4- على لسان الطلاب وأرسطو بالتبادل أيضًا:
الطلاب: سنقتل بيدك، ولهذا دلالات كثيرة.
أرسطو: سأقلب هدوءكم، وأقلّب عليكم سنينكم، وسيعرف الكل حينئذٍ مقامه.
5- م5-على لسان الطلاب:
أغنية في مدح أرسطو.
6- م6-على لسان أرسطو:
-سأرى حين أجىء لو كنتم اختنقتم بعد أم لا، سأعيدكم مرة أخرى لبطن الهيولى، هل حفظتم الدرس؟ لأني حين أعود وأجعلكم تشمون رائحة الحقيقة فإنني لن أسامح لو عطستم!
فأرسطو صادم بصرامته، والحقيقة صادمة بأرسطيتها، وأفلاطون الحالم الرومانسي المثالي أفضل من حقيقة بلا أمل ولا يقين فيها(عودٌ على قضية الديوان الأساسية).


message 3: by محمد (new) - added it

محمد عبادة تابع:
............


3-الموضوع مقارَنًا:
مقارنة عُقدتْ فعلًا بين حال سالم وحال أغلب شعراء عامية جيله، ومقارنات أخرى أكثر تفصيلًا وعددًا يمكن أن تعقد لذيوع الفكرة من جهة، ولتميز موقف الشاعر منها من جهة أخرى، والمقام لا يتسع سوى لمقارنات محدودة كمقارنة فكرة العبث عند سالم بالعبث عند عادل محمد في ديوان تعودْ أن تموت(انظر دراستنا عن عادل محمد بعنوان “الظاهرة السيزيفية” على هذا الموقع):
فالعبثية التي أشار لها عادل محمد عبثية مجتمعية جعلت المواطن المتعيِّن بظروف موضوعية كزمان ومكان وشخصية محددة سيزيفَ جديدًا، يرفع صخرته بلا طائل ولا نهاية، أما عبثية سالم فهي مجتمعية وميتافيزيقية أيضًا، فهي عبثية الحق والقيمة، على المستوى المعرفي والقيمي معًا، عبثية وضع الإنسان في العالم كإنسان في قصة لا يعرف نهايتها ولا قيمتها، عبثية أوسع نطاقًا وأكثر تفردًا في جيل يعاني أغلبه من العبثية المجتمعية كعادل محمد، لذلك كان عادل أقرب للجمهور من حيث الرؤية، وسالم أكثر تفردًا من الزاوية نفسها.
واختلف التناوُل، فعادل يعبر عن العبث باستعمال أسطورة هي بمثابة عنوان فكرة العبث وتجسُّدها الميثولوجي والفولكلوري والفلسفي(كما عند كامو)، أما سالم فعبّر عن العبث بالعبث ذاته، العبث بالألفاظ والدلالات وبالسخرية على حال نفسه والآخرين، وكان عادل قريبًا من الموضوع، وسالم متحدًا به، هو الموضوع.
كما يمكن مقارنة الموضوع بموضوع كريم الصياد في ديوانه الأمر: فالوعي بالعبث والتفكك واضح في قصيدة تأسيسية في ديوانه(سفر التكوين)إذ قال:
“ما جدوى الأسماءْ ؟
الأبعادْ :
أرضٌ وسماءْ
ويمينٌ ويسارْ
وأمامٌ ووراءْ
وأنا أتحرك فيها بحوارْ
بين فناءٍ
وبقاءْ
هل أجرؤ كي أكسرْ ؟
هل أكسر كي أعبرْ ؟
هل أعبر كي أهبطْ ؟
وأخططْ
وأعود كيانًا يتحوّرْ
وأظل نبوءة مجهولٍ لا يظهرْ
في لوح الغيبِ ،
وكُتُب الشِّعرِ ،
ونشرات الأنباءْ”
فالصيرورة هي الجوهر وهي الطبيعة، وكأنه لا كينونة ثابتة للأشياء، ولا للذات، وهو حال التغير والسيولة الدائمة، أما في قصيدة(سفر الخروج)فنقرأ:
“كل يتحول/كل يتأوّل/بين الناسخ والمنسوخْ..لا تحسبْ نفسك خالدْ/بين الأول والأول”
لكن بينما يقف سالم عند مرحلة التعبير عن المعاناة من العبث بالعبث، يخرج الصياد من الحالة:”اليومَ أخرج بالنبوءةِ، أفسخ المنصوص في كل العقود”ثم يقدم الحلّ وهو الذات الفردية المتعالية”سأظل أنسخني وأملأ بي النظامَ أكوّن المستعمراتِ به أحير كل طب النفس فيّ بكثرتي وتعقدي وتداخلي”-قصيدة(مستعمَرَة)، فالأمل قائم لكنه صعب المنال، والإرادة هي الحل، والفردية كلمة السرّ للدخول إلى عالم جديد.
وقد استعمل سالم اللفظ(كما في قصيدة فصام)، واللغةَ(كما وضح في ظاهرة النزعة التأدبية)، لكن الصياد لم يقدم جديدًا على مستوى اللفظ أو اللهجة، وإنما انبهر بموضوعه وقدمه بلغة مراوِغة فحلّ التأويل والغموض عنده محلَّ التمويه واللعب التفكيكي عند سالم.
والسؤال لسالم:
1. 1. ماذا بعد الوعي بالتفكك؟ وإلى أين يصل الوعي؟ أو الإرادة؟
2. 2. ألم يحن الوقتُ للسياق؟ وإلى متى يظل سارقًا مسروقًا؟
3. ماذا عن موقف الشاعر من الثوابت والمستقرات عند الجمهور؟ ومتى سيحاول خلخلة هذه الثوابت أو خلق ثوابت جديدة معرفية وقيمية؟
4. متى سيتحول النص الممكن إلى نص ضروري؟ لتكتمل الرباعية: Readable/Writable/Possible/Necessary؟ وهل سيخرج الموجود بالقوة(النص الممكن)إلى الوجود بالفعل(النص الموجود فعلًا)، هل سيخرج من الهيولي إلى الصورة؟ صورةِ امرئ القيس أو دورْيان جراي؟
كريم الصياد
21-6-2008
ــــــــــــــ
*المصادر والمراجع
1.Hillis Miller: Theory Then and Now,Hemel Hempstead,Harvester Wheatsheaf,1991.
2. Jeremy Hawthorn: A Concise Glossary of Contemporary Theory, London, Edward arnold, 1994.
3. Umberto Eco: The Role of The Reader, Explorations in The Semiotics of Texts, London, Hutchinson,1981.
4. Roland Barthes: S\Z, trans. by Richard Miller, Oxford, Blackwell, 1990.
5- دريدا: صيدلية أفلاطون، ترجمة كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998


back to top