فاجأني الشاعر أحمد أبو سليم بصدور روايته الأولى، «الحاسة الصفر»، عن دار فضاءات، في عمان. قلت في نفسي: لعل أحمد انضم إلى قائمة الشعراء الذين انتقلوا إلى كتابة الرواية، سأماً من الشعر، أو تقليداً لموضة الرواية، أو تراجعاً عن مسيرتهم الشعرية، أو استكمالاً لها، وخشيت أنّ يكون أحمد قد خسر القصيدة ليتورط في الرواية، علماً أنّ منطلقهما مختلف ومغاير، وشتان بين هذه وتلك.
وعلى عكس التوقعات، بل على عكس الصدمات التي شعرت بها حيال الكثير من روايات الشعراء، وجدت نفسي أمام نص روائي داهش، بل أكاد أقول إنه مكتمل، وكانه استمرار لجيل الروائيين الكبار، من أمثال غالب هلسا، وجبرا، وكنفاني.
جاءت «الحاسة صفر» لتروي سيرة ذاتية لشاب فلسطيني يذهب بحثاً عن أخيه عيسى، الذي فقدت أخباره في لبنان، وفي رحلة البحث ينخرط سعيد (بطل الرواية) في صفوف المقاومة، في لبنان، ويستعرض مفاصل مهمة في حياة المقاومة التي جمعت بين التونسي والسوري والأردني والفلسطيني واللبناني، وحتى السيرلانكي، وبين المسيحي والمسلم وبقية العقائد والإيديولوجيات، لكنه لا يكتفي بوصف فسيفسائي للثورة بل يحلل التشظي الذي وصلت إليه والهزائم والخسارات والانكسارات، حتى خروج المقاومة من لبنان، وعودة سعيد إلى مواصلة دراسته في دمشق.
لكن ما يميز رواية «الحاسة صفر» أنها توصلك إلى الحاسة الصفر فعلاً، وأنت ترى تردي وتراجع وتشظي كل شيء بين يديك، بل إن صورة المرأة في العمل، والتي جسدتها ليلى، كانت صورة واقعية مؤلمة؛ فهي تتعرض للاغتصاب والخيانة والتشويه، ولم تعد الصورة المثالية، التي كثيراً ما كتب عنها الروائيون السابقون، قائمة.
يتداخل السردي مع السيرة، والغرائبي مع الواقعي، والحقيقي مع المتخيل، في لغة شاعرية وسردية في آن واحد، إذ إن الشاعر في أحمد لم يطغ على السارد، والروائي لم يفلت خيوطه السردية ليسلمها للشعر، كما فعلت أحلام متسغانمي في روياتها الأولى «ذاكرة الجسد»، بل ظل يسير الخطان من دون تغلُّب واحد على الآخر، وهذه ميزة قلما تتوفر في رواية عربية، فقد غلبت الشعرية ـ مثلاً ـ على روايات إدوار الخراط، بل اختفت اللغة في رويات علاء الأسواني، وعلى ذلك قس، بينما تمتع أبو سليم ـ رغم أن هذا عمله الأول ـ بمهارة فائقة في السرد، وعدم إفلات الخيوط من بين يديه، بل إنه يلعب بالشخوص بطريقته الغرائبية فيدخل شمعون بيرز في مواجهة البطل مرتين: مرة حينما تم اعتقاله، ومرة حينما حاول اغتياله، وألقي القبض عليه.
الغريب، أيضاً، أن عيسى المفقود، وهو أحد المناضلين الفلسطينيين، بل أحد المقاتلين، والذي يظل سعيد أخاه، ويبحث عنه من دون أن يجده.. يتبين، في النهاية، أن أباه هو موردخاي اليهودي، والذي يقوم باغتصاب والدته، عام 48، أيام اللجوء. وكانه أراد أن يعكس رواية «عائد إلى حيفا»؛ فهل كان يرمز بالأم التي جعلها غوركي رمز الثورة البلشفية، إلى الأم الفلسطينة المغتصبة، والمجني عليها؟ وهل أراد أن يرمز بعيسى إلى المسيح المخلص، والمجني عليه، والغائب الحاضر، أو المنتظر؟
أسئلة كثيرة تطرحها الرواية، بل مفاصل عديدة تتعرض لها، وكانها جزء من ملحمة فلسطينة لا تنتهي.
لا أريد استعراض المزيد من فانتازيا الرواية، والتلاعب حتى بالرموز المعروفة، كي يظل لدى القارئ غموض البحث عن الرواية وقراءتها، فهي واحدة من الروايات النادرة، بل والفارقة ـ إن كان ذلك التعبير مناسباً للقول إن أحمد أبو سليم كتب رواية مميزة، حقاً ـ وأثبت خلالها ليس قدرته المتميزة على كتابة القصيدة، بل وحتى الرواية المتقنة، والملتزمة، وإن كنا لا نبحث عن فن ملتزم لمجرد الالتزام، فقد تخطينا النظرة التقليدية للأدب، ولكننا نقدره أكثر حين يأتي عفو الخاطر.
«الحاسة صفر» رواية توصل القارئ إلى الحاسة صفر، بل تجمد الأعصاب نتيجة المرارة التي يتذوقها؛ لا سعيد وحده، بل العديد من شخوص الرواية، وشخوص الحياة نفسها.
فاجأني الشاعر أحمد أبو سليم بصدور روايته الأولى، «الحاسة الصفر»، عن دار فضاءات، في عمان. قلت في نفسي: لعل أحمد انضم إلى قائمة الشعراء الذين انتقلوا إلى كتابة الرواية، سأماً من الشعر، أو تقليداً لموضة الرواية، أو تراجعاً عن مسيرتهم الشعرية، أو استكمالاً لها، وخشيت أنّ يكون أحمد قد خسر القصيدة ليتورط في الرواية، علماً أنّ منطلقهما مختلف ومغاير، وشتان بين هذه وتلك.
وعلى عكس التوقعات، بل على عكس الصدمات التي شعرت بها حيال الكثير من روايات الشعراء، وجدت نفسي أمام نص روائي داهش، بل أكاد أقول إنه مكتمل، وكانه استمرار لجيل الروائيين الكبار، من أمثال غالب هلسا، وجبرا، وكنفاني.
جاءت «الحاسة صفر» لتروي سيرة ذاتية لشاب فلسطيني يذهب بحثاً عن أخيه عيسى، الذي فقدت أخباره في لبنان، وفي رحلة البحث ينخرط سعيد (بطل الرواية) في صفوف المقاومة، في لبنان، ويستعرض مفاصل مهمة في حياة المقاومة التي جمعت بين التونسي والسوري والأردني والفلسطيني واللبناني، وحتى السيرلانكي، وبين المسيحي والمسلم وبقية العقائد والإيديولوجيات، لكنه لا يكتفي بوصف فسيفسائي للثورة بل يحلل التشظي الذي وصلت إليه والهزائم والخسارات والانكسارات، حتى خروج المقاومة من لبنان، وعودة سعيد إلى مواصلة دراسته في دمشق.
لكن ما يميز رواية «الحاسة صفر» أنها توصلك إلى الحاسة الصفر فعلاً، وأنت ترى تردي وتراجع وتشظي كل شيء بين يديك، بل إن صورة المرأة في العمل، والتي جسدتها ليلى، كانت صورة واقعية مؤلمة؛ فهي تتعرض للاغتصاب والخيانة والتشويه، ولم تعد الصورة المثالية، التي كثيراً ما كتب عنها الروائيون السابقون، قائمة.
يتداخل السردي مع السيرة، والغرائبي مع الواقعي، والحقيقي مع المتخيل، في لغة شاعرية وسردية في آن واحد، إذ إن الشاعر في أحمد لم يطغ على السارد، والروائي لم يفلت خيوطه السردية ليسلمها للشعر، كما فعلت أحلام متسغانمي في روياتها الأولى «ذاكرة الجسد»، بل ظل يسير الخطان من دون تغلُّب واحد على الآخر، وهذه ميزة قلما تتوفر في رواية عربية، فقد غلبت الشعرية ـ مثلاً ـ على روايات إدوار الخراط، بل اختفت اللغة في رويات علاء الأسواني، وعلى ذلك قس، بينما تمتع أبو سليم ـ رغم أن هذا عمله الأول ـ بمهارة فائقة في السرد، وعدم إفلات الخيوط من بين يديه، بل إنه يلعب بالشخوص بطريقته الغرائبية فيدخل شمعون بيرز في مواجهة البطل مرتين: مرة حينما تم اعتقاله، ومرة حينما حاول اغتياله، وألقي القبض عليه.
الغريب، أيضاً، أن عيسى المفقود، وهو أحد المناضلين الفلسطينيين، بل أحد المقاتلين، والذي يظل سعيد أخاه، ويبحث عنه من دون أن يجده.. يتبين، في النهاية، أن أباه هو موردخاي اليهودي، والذي يقوم باغتصاب والدته، عام 48، أيام اللجوء. وكانه أراد أن يعكس رواية «عائد إلى حيفا»؛ فهل كان يرمز بالأم التي جعلها غوركي رمز الثورة البلشفية، إلى الأم الفلسطينة المغتصبة، والمجني عليها؟ وهل أراد أن يرمز بعيسى إلى المسيح المخلص، والمجني عليه، والغائب الحاضر، أو المنتظر؟
أسئلة كثيرة تطرحها الرواية، بل مفاصل عديدة تتعرض لها، وكانها جزء من ملحمة فلسطينة لا تنتهي.
لا أريد استعراض المزيد من فانتازيا الرواية، والتلاعب حتى بالرموز المعروفة، كي يظل لدى القارئ غموض البحث عن الرواية وقراءتها، فهي واحدة من الروايات النادرة، بل والفارقة ـ إن كان ذلك التعبير مناسباً للقول إن أحمد أبو سليم كتب رواية مميزة، حقاً ـ وأثبت خلالها ليس قدرته المتميزة على كتابة القصيدة، بل وحتى الرواية المتقنة، والملتزمة، وإن كنا لا نبحث عن فن ملتزم لمجرد الالتزام، فقد تخطينا النظرة التقليدية للأدب، ولكننا نقدره أكثر حين يأتي عفو الخاطر.
«الحاسة صفر» رواية توصل القارئ إلى الحاسة صفر، بل تجمد الأعصاب نتيجة المرارة التي يتذوقها؛ لا سعيد وحده، بل العديد من شخوص الرواية، وشخوص الحياة نفسها.