مختارات من شخصية مصر 1 مختارات من شخصية مصر 1 discussion


62 views
بروفيل المجاعة.. وصف مخيف لأحد فترات المجاعة فى مصر

Comments Showing 1-4 of 4 (4 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by غدير (last edited Aug 31, 2011 07:29AM) (new) - added it

غدير فقرة من الكتاب.. بعنوان " بروفيل المجاعة" :

ولعل أشهر وأبشع المجاعات، ما سجله البغدادى أثناء " الشدة المستنصرية" التي إستمرت بضع سنين متصلة في أواخر الفاطمية، وانحدرت فى مراحلها الأولى إلى النمنمية ثم إلى أكل التربة والحيفة، وذلك حين لم يعد يوجد الناس الذين يؤكلون!، وانتهت بفناء رهيب للسكان لايملك قارئ البغدادي إلا أن يتصوره فناء كاملاً أو شبه كامل.

ولا يقل عن الشدة المستنصرية هولاً وبشاعة بعض المجاعات الأخرى البارزة على إمتداد العصر العربي.
والتفاصيل التى يرويها البغدادى كشاهد عيان هى مذهلة بأخف تعبير!، ولا يمكن أن يتخيلها من لم يقرؤها مباشرة هو وغيره من الرواة والشهود والمؤرخين. وهى تتردد عندهم جميعاً كما تتكرر في معظم المجاعات بحيث تشكل نمطاً أو دورة بشرية محددة.

ففى البدء ترتفع الأسعار ويشتد الغلاء. وتكاد العبارة "إنخفض النيل فعم الغلاء" أن تكون إفتتاحية تقليدية وقاسماً مشتركاً فى كل مجاعة وذلك لتنقص الانتاج أو غيابه تماماً. ولنفس السبب يكون الفقراء هم أول ضحايا المجاعة، وكثيراً ما يبيعون أبنائهم رقيقاً. كذلك فلما كانت مخازن حبوب الدولة مركزة عادة فى المدن، فإن سكان الريف يهرعون إليها فيحدث خروج ريفي من جانب وتكالب مدني من جانب آخر.

ولكن مع إستمرار القحط لا يلبث الأغنياء كالفقراء، فى المدن كما فى الريف، أن يتساقطوا فى الشوارع جوعاً. وقد يخرج من القاهرة وحدها عشرات الآلاف للدفن كل يوم.
حينئذ أو بعدئذ تبدأ مرحلة أكل لحوم الحيوانات لإبتداء من الحمير والبغال إلى القطط والكلاب، حية وميتة، بل وحتى الحيفة.

وحين تنفد هذه وتستهلك تماماً تبدأ مرحلة النمنمية أو أكل لحوم البشر، إذ ينقلب الناس على بعضهم البعض، وتبدأ عملية صيد الرؤوس أو قنص البشر. فتخطف الأطفال فى الشوارع، ومثلهم الكبار من الرجال والنساء فى مرحلة لاحقة، أحياناً بخطاف يدلى من نوافذ البيوت، ثم يؤكل الكل إما مسلوقاً أو مشوياً أو حتى نيئاً.

وإذا تقفر البيوت من الأحياء، يحتلها قطاع الطرق والزعار "اللصوص" ، وقد ينزعون كل أخشابها المتحركة والثابتة لتكون وقوداً : لقد أصبح الأثاث الخشبي وسيلة مألوفة لطبخ اللحم البشري.

وفيما بعد - قرب النهاية- قد يصل عدد ضحايا النمنمية إلى مثل عدد ضحايا الجوع، بينما تتوقف تماماً عملية دفن الموتى ، ببساطة لموت عمال المدفن أنفسهم. هكذا تتحول مدن الأحياء إلى مدن للموتى، إذ تصبح الشوارع والبيوت مقابر عامة مكتظة بالجثث الملقاه التي تنشر الطاعون على الفور في الهواء، فإذا المجاعة تستحيل إلى وباء أيضاً فيجتمع الإثنان على ما تبقى من السكان ليصل الإقفار إلى أقصى منتهاه

ولقد يعود النيل إلى الإرتفاع ويطغى على الأرض ويروي الحقول بالفعل في آخر الفيضان أو في العام التالي ، ولكن بلا جدوى ولا غناء، فقد قضت المجاعة على الفلاح الذي يمكن أن يزرع. وبهذا الشكل تضاعف الكارثة من نفسها بمعدل الربح المركب وبميكانزم الحلقة الجهنمية المفرغة.
ومن الناحية الأخرى فقد يظهر فجأة " أغنياء المجاعة" من واضعي اليد -ممن نجوا من الموت - على ممتلكات الموتى من ضحاياه بعد أن أصبحت بلا صاحب. كذلك قد تدفع المجاعة والوباء بالكثير من الناس إلى الهرب فراراً من مصر كلها إلى البلاد المحيطة ابتداءاً من الشام والحجاز واليمن حتى برقة والمغرب. غير أن معظمهم يموت على الطريق، إما جوعاً وعطشاً أو بالعدوى وإما كصيد لآكلي لحوم البشر.


message 2: by غدير (last edited Aug 31, 2011 07:50AM) (new) - added it

غدير وإستكمالاً لباقي الفقرة..

والآن - كمجرد عينة تطبيقية - خذ هذا النص المقتضب عن "ابن تغرى بردى" في شدة ليست بأسوأ ما عرفت مصر الوسطى، وهى التي وقعت سنة 461 هـ. فيقول : " بلغ الغلاء العظيم بمصر منتهى شدته الذي لم يسمع مثله في الدهور من عهد يوسف..
واشتد القحط والوباء سبع سنين متوالية حتى أكل أهلها الجحيف والميتات وأفنيت الدواب وبيع الكلب بخمسة دنانير والهر بثلاثة دنانير. ولم يبق لخليفة مصر سوى ثلاثة أفراس بعد العدد الكثير. ونزل الوزير يوماً عن بغلته فغقل عنها الغلام لضعفه من الجوع، فأخدها ثلاثة نفر فذبحوها وأكلوها، فأخذوا فصلبوا فأصبحوا وقد أكلهم الناى ولم يبق إلا عظامهم.

وظهر على رجل أنه كان يقتل الصبيان والنساء ويبيع لحومهم ويدفن رؤوسهم وأطرافهم فقتل. وبيعت البيضة بدينار، وبلغ أردب القمح مائة دينار ثم عدو أصلا، حتى حكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مد جوهر فقالت من يأخذه بمد قمح فلم يلتفت إليها أحد".

ذلك إذن هو بروفيل المجاعة - الوباء، أو بالأحرى جزء منه كما يتكون لدينا من روايات مؤرخي وشهود العصر.
ولسنا نعلم مبلغ الدقة والصحة فيها تماماً ولكنهم جميعاً لا يفتأون يرددون أنهم على يقين أنا القارئ لن يصدق حرفاً منهم وسيرميهم بالكذب الذميم.... إلخ، إلا انهم بدورهم لاينفكون يقسمون بأغلظ الأيمان ليس فقط على صحة كل حرف فيها وأنهم رأوها رأى العين ، ولكن كذلك على أنها جميعاً هى القاعدة اليومية الصرفة لا الإستثناء والشذوذ _ يقصد الكاتب هنا أن كل ما قيل ليس حوادث عرضية وإنما كانت تحدث كل يوم وبشكل طبيعي!_

ومهما يكن فإن تكرار الرواية والتفاصيل المشابهة في أزمات أخرى سابقة ولاحقة عند كل المؤرخين المعاصرين، لا يمكن أن يترك مجالاً للشك فى هامش منها على الأقل. ويكفينا دليلاً أن مصر في نهاية عصورها الوسطى أيام الحملة الفرنسية كانت قد انحدرت إلى 2.5 مليون نسمة.


message 3: by Dina (new) - added it

Dina Bushra ميرسى اوى الف شكر :)


message 4: by غدير (new) - added it

غدير Dina wrote: "ميرسى اوى الف شكر :)"

عفواً دينا :)


back to top