صوته المتميز بين أبناء جيله لم يضع الشعر فوق الحياة، ولم يتركه تحت نعليها ظلا لخطوتها ولكنه جعل من القصيدة (النثرية خصوصاً) مسافة لا مرئية ترى من خلالها زخم الحياة بأساطيرها وتناقضاتها المباشرة وعنفها اللاإنساني دون أن تسقط في الدعاية لها أو الكفر بها، وهكذا تسحبك قصيدته إلى مساحة هادئة هدوءا خادعا لتتأمل وتتهكم وتسخط أحيانا على صورتك المنعكسة فيها. تجربة قطعت شوطها عبر أعماله «نحوك الآن كأني» و«مظاهرة شخصية 1» و«مظاهرة شخصية 2» و«سيد الأجنحة». لذلك كان سؤالي الأول معه عن القصيدة والحياة:
أليس من المؤلم لشعر يترصد الحياة ويستهدفها أن يجبر على أن يكون نخبويا، كلما أوغل في الحساسية؟ ألا تؤرقك عزلة الكتابة؟
أرى أن الإبداع الإنساني حالة متفوقة دائما على الوسط الاجتماعي الذي تظهر فيه، ولذلك فالمجتمع يتأخر في فهم أي حالة إبداعية ولا يستوعبها إلا بعد مرور وقت طويل، والمشكلة في رأيي تكمن في قضية التلقي التي تستند أساسا إلى رصيد ثقافي تقليدي، ومجتمعاتنا مازالت بطيئة في مواكبة النماذج الطليعية، كما حدث ويحدث مع كل طفرات الشعر الحديث، فهناك أمسيات أقيمت ومجموعات طبعت ولكنها تفتقر إلى الحضور ولا يتعاطى قراءتها إلا القليل. فثقافة الجمهور المحافظة تقلل من فرص تقبله لما هو مختلف حتى إذا كان يشير إلى حياته نفسها. نحن مجتمع لا يقرأ والماضي سيد من لا يقرأ.
قصيدة التفعيلة ربما كانت على رغم تمردها في زمنها استمرارا لتقليد غنائي وللصوت الجماعي؟ هل هذا ما دفعك لتنتقل إلى قصيدة النثر؟
ما نقلني هو الوعي الذي أسس ذائقة مختلفة للتعامل مع النص. أصبحت موقنا أن ما يندرج في ثقافة العين أو الثقافة البصرية هو ما يمكن أن يمثلني الآن، فكان التخلي عن استناد النص إلى الصوت كمعيار من معاييره الأساسية، هو تخل عن استحواذ ثقافة الأذن على ذائقتي... أنا أحاول فقط أن أكون ابن وقتي، وهو وقت يتجه إلى تكريس الاستقلالية الفردية في خضم التنوع الكبير لانفتاح ثقافات ومجتمعات. هذا التنوع لا يمكن أن يعطي ديمومة للجماعات المتواطئة مع أفكار معينة أو المتبنية لتوجهات ثابتة. فكرة الجماعة ذاتها تشي بوجوب تقديم تنازلات لعطاءاتها المحكومة بقيمها المشتركة وهو ما أرفضه شخصيا.
في مقدمة ديوانك «سيد الأجنحة» عبارة «هذا ما دونه الشجاع الشهم مطارد أحلامه....» كأن هناك راوياً للشخصية محور الديوان.. هذا التغريب ألا يصنع بطولة وحالة أسطورية؟ أليس دعما لتقليد رومانسي إلى حد ما؟
في سيد الأجنحة هناك محاولة تشتبك فعلا بمسار الرومانسية التي أنتجت نوعا من حس البطولة في المجموعة وإن بطريقة مختلفة. وذلك لكوني أكتب ما يشبه السيرة الذاتية لشخصية غير متوافقة مع محيطها. فأنا أنطلق من فكرة عابرة دفعتني إلى التوجه إلى خلق نموذج مستقل شكلا ليتسنى لي أسطرته، وليصبح قابلا للتمثل في المجتمع، ربما كنت أتخفى وراء قناعه لأجعله مفتوحا للتداول ولا أحصره في شخصية الكاتب.
الشاعر المتمرد في أواطننا غالبا ما يلتبس بصوت الناس العاديين باعتبارهم ممثلين للحقيقة والبراءة ولكنك في «مظاهرة شخصية» تسخر من تلاعب السلطة وغسيل الأدمغة، كما تسخر أيضا من التواطؤ الشعبي على الخوف والخرافة.. هل سقطت عنك أوهام براءة الإنسان العادي؟
فعلا.. أحيانا يبدو هذا الإنسان العادي ربما بسبب الجهل نموذجا مبسطا للسلطة، هكذا تجده في الديوان مصدقا لإشاعاتها وأساطيرها، فهو متوافق في كثير من الرؤى والأفكار وإن اختلف في الشكل. لقد حاولت كشف هذه النماذج لأنني لا أعيش في الفكرة المؤسسة على الإنسان العادي في الوقت الذي أراه فيه يحطمها في سلوكياته. كنت في ذلك مدفوعا إلى نقد جذر التغيير في المجتمع بدلا من تزييفه واستخدمت المفارقة والسخرية لكونهما أداتين نافذتين في التأثير المعنوي، ولكوني أجد نفسي فيهما.
ولكنك انطلقت في «سيد الأجنحة» إلى حالة من الفرح بطرد خوف ما، أو بتصالح مع العالم من خلال مفردات طبيعية «الهواء، الغيمة، الأشجار.. إلخ» هل يمكن أن يتصالح الإنسان مع العالم عبر الكتابة؟
العالم لم يعد قادرا على تحميلي أي شكل من أشكال
الحزن، وأدواته في خلق الأذى أصبحت غير مجدية. في
إطار هذه التجربة أردت أن أقول: إذا لم يتوافق العالم مع أحلامي فهو لا يعني شيئا، وسأعيش إنسانيتي بانطلاقها، فالفرح يصبح أصلا، يصبح سلاحا في المواجهة وعاملا في تحقيق الذات.
هل هنا أصوات معينة لشعراء أو كتاب تشعر باشتباكها معك؟
هناك نصوص كثيرة أتقاطع معها، وتأخذني الدهشة أمامها، نصوص لوديع سعادة، عماد أبو صالح، أسامة الدناصوري، سعود السويداء والنصوص الأخيرة لدخيل الخليفة، وعلي الفيلكاوي وبعض نصوص بثينة العيسى. ولا أقصد بذلك الأفضلية وإنما أعني تعاطفي مع طرائق القول وسياقاته في تناول الفكرة أو الحالة وتمثل أدوات فنية وموضوعية كالمفارقة والسخرية وتوظيف الحدث أحيانا والمشهدية (القصيدة المعتمدة على مشهد) وألمس في بعضها نوعا من الحيوية وبساطة المفردة.
ارتبطت قصيدة النثر في بداياتها بمعارك وحالات خندقة فكرية وأيديولوجية، الآن ربما كف هذا الصخب والعنف فهل صارت القصيدة في وضع أفضل؟
كل حالة كانت مرتبطة بظرف وأمكنها أن تقدم
مكتسبا للمشهد الثقافي. الحالة الأولى انشغلت بتحقيق المشروعية في ظرف سياسي نشط مهما كانت إشكالاته، لكنها كانت تتقولب في إطار المواجهة وتكتسب طابعا دعائيا، وتقل فرص انفتاحها على التجربة الفردية. ربما اختفى هاجس المشروعية الآن وأصبحت القصائد أكثر التفاتا إلى نفسها ومشروعها الفردي.
أنت وأبناء جيلك ممن تجمعهم روح مشتركة هل فكرتم في عمل جماعي: إصدار مجلة على سبيل المثال تعبر عن توجه أشمل؟
الأمر مطروح على مستوى الفكرة، وتطرقنا إليها أكثر من مرة، ولكنها عمليا تواجه بعوائق متعددة، أولها عدم وجود مجموعة كافية من المثقفين يضمنون استمرارية المشروع من دون ظهور اختلافات جوهرية، لأن من نعرفهم إن كانوا متفقين فهم متفقون على أفكار عامة فضفاضة، وثانيا أرى قضية إيجاد وقت لمثل هذا المشروع يمثل إشكالية فعلية للبعض وغير ذلك من العوائق مثل المردود المادي والعلاقة الاجتماعية الملتبسة.
فيم تفكر الآن؟
لدي هاجس يهيمن عليّ من فترة ليست قصيرة ويتمثل في أشكال العنف التي يمارسها البشر، وقد كتبت نصوصا مدفوعة بقوة هذا الهاجس، فتهيأ لي أن تكون مشروعا شعريا قادما وضعت له اسم «الشوارع القريبة».
أليس من المؤلم لشعر يترصد الحياة ويستهدفها أن يجبر على أن يكون نخبويا، كلما أوغل في الحساسية؟ ألا تؤرقك عزلة الكتابة؟
أرى أن الإبداع الإنساني حالة متفوقة دائما على الوسط الاجتماعي الذي تظهر فيه، ولذلك فالمجتمع يتأخر في فهم أي حالة إبداعية ولا يستوعبها إلا بعد مرور وقت طويل، والمشكلة في رأيي تكمن في قضية التلقي التي تستند أساسا إلى رصيد ثقافي تقليدي، ومجتمعاتنا مازالت بطيئة في مواكبة النماذج الطليعية، كما حدث ويحدث مع كل طفرات الشعر الحديث، فهناك أمسيات أقيمت ومجموعات طبعت ولكنها تفتقر إلى الحضور ولا يتعاطى قراءتها إلا القليل. فثقافة الجمهور المحافظة تقلل من فرص تقبله لما هو مختلف حتى إذا كان يشير إلى حياته نفسها. نحن مجتمع لا يقرأ والماضي سيد من لا يقرأ.
قصيدة التفعيلة ربما كانت على رغم تمردها في زمنها استمرارا لتقليد غنائي وللصوت الجماعي؟ هل هذا ما دفعك لتنتقل إلى قصيدة النثر؟
ما نقلني هو الوعي الذي أسس ذائقة مختلفة للتعامل مع النص. أصبحت موقنا أن ما يندرج في ثقافة العين أو الثقافة البصرية هو ما يمكن أن يمثلني الآن، فكان التخلي عن استناد النص إلى الصوت كمعيار من معاييره الأساسية، هو تخل عن استحواذ ثقافة الأذن على ذائقتي... أنا أحاول فقط أن أكون ابن وقتي، وهو وقت يتجه إلى تكريس الاستقلالية الفردية في خضم التنوع الكبير لانفتاح ثقافات ومجتمعات. هذا التنوع لا يمكن أن يعطي ديمومة للجماعات المتواطئة مع أفكار معينة أو المتبنية لتوجهات ثابتة. فكرة الجماعة ذاتها تشي بوجوب تقديم تنازلات لعطاءاتها المحكومة بقيمها المشتركة وهو ما أرفضه شخصيا.
في مقدمة ديوانك «سيد الأجنحة» عبارة «هذا ما دونه الشجاع الشهم مطارد أحلامه....» كأن هناك راوياً للشخصية محور الديوان.. هذا التغريب ألا يصنع بطولة وحالة أسطورية؟ أليس دعما لتقليد رومانسي إلى حد ما؟
في سيد الأجنحة هناك محاولة تشتبك فعلا بمسار الرومانسية التي أنتجت نوعا من حس البطولة في المجموعة وإن بطريقة مختلفة. وذلك لكوني أكتب ما يشبه السيرة الذاتية لشخصية غير متوافقة مع محيطها. فأنا أنطلق من فكرة عابرة دفعتني إلى التوجه إلى خلق نموذج مستقل شكلا ليتسنى لي أسطرته، وليصبح قابلا للتمثل في المجتمع، ربما كنت أتخفى وراء قناعه لأجعله مفتوحا للتداول ولا أحصره في شخصية الكاتب.
الشاعر المتمرد في أواطننا غالبا ما يلتبس بصوت الناس العاديين باعتبارهم ممثلين للحقيقة والبراءة ولكنك في «مظاهرة شخصية» تسخر من تلاعب السلطة وغسيل الأدمغة، كما تسخر أيضا من التواطؤ الشعبي على الخوف والخرافة.. هل سقطت عنك أوهام براءة الإنسان العادي؟
فعلا.. أحيانا يبدو هذا الإنسان العادي ربما بسبب الجهل نموذجا مبسطا للسلطة، هكذا تجده في الديوان مصدقا لإشاعاتها وأساطيرها، فهو متوافق في كثير من الرؤى والأفكار وإن اختلف في الشكل. لقد حاولت كشف هذه النماذج لأنني لا أعيش في الفكرة المؤسسة على الإنسان العادي في الوقت الذي أراه فيه يحطمها في سلوكياته. كنت في ذلك مدفوعا إلى نقد جذر التغيير في المجتمع بدلا من تزييفه واستخدمت المفارقة والسخرية لكونهما أداتين نافذتين في التأثير المعنوي، ولكوني أجد نفسي فيهما.
ولكنك انطلقت في «سيد الأجنحة» إلى حالة من الفرح بطرد خوف ما، أو بتصالح مع العالم من خلال مفردات طبيعية «الهواء، الغيمة، الأشجار.. إلخ» هل يمكن أن يتصالح الإنسان مع العالم عبر الكتابة؟
العالم لم يعد قادرا على تحميلي أي شكل من أشكال
الحزن، وأدواته في خلق الأذى أصبحت غير مجدية. في
إطار هذه التجربة أردت أن أقول: إذا لم يتوافق العالم مع أحلامي فهو لا يعني شيئا، وسأعيش إنسانيتي بانطلاقها، فالفرح يصبح أصلا، يصبح سلاحا في المواجهة وعاملا في تحقيق الذات.
هل هنا أصوات معينة لشعراء أو كتاب تشعر باشتباكها معك؟
هناك نصوص كثيرة أتقاطع معها، وتأخذني الدهشة أمامها، نصوص لوديع سعادة، عماد أبو صالح، أسامة الدناصوري، سعود السويداء والنصوص الأخيرة لدخيل الخليفة، وعلي الفيلكاوي وبعض نصوص بثينة العيسى. ولا أقصد بذلك الأفضلية وإنما أعني تعاطفي مع طرائق القول وسياقاته في تناول الفكرة أو الحالة وتمثل أدوات فنية وموضوعية كالمفارقة والسخرية وتوظيف الحدث أحيانا والمشهدية (القصيدة المعتمدة على مشهد) وألمس في بعضها نوعا من الحيوية وبساطة المفردة.
ارتبطت قصيدة النثر في بداياتها بمعارك وحالات خندقة فكرية وأيديولوجية، الآن ربما كف هذا الصخب والعنف فهل صارت القصيدة في وضع أفضل؟
كل حالة كانت مرتبطة بظرف وأمكنها أن تقدم
مكتسبا للمشهد الثقافي. الحالة الأولى انشغلت بتحقيق المشروعية في ظرف سياسي نشط مهما كانت إشكالاته، لكنها كانت تتقولب في إطار المواجهة وتكتسب طابعا دعائيا، وتقل فرص انفتاحها على التجربة الفردية. ربما اختفى هاجس المشروعية الآن وأصبحت القصائد أكثر التفاتا إلى نفسها ومشروعها الفردي.
أنت وأبناء جيلك ممن تجمعهم روح مشتركة هل فكرتم في عمل جماعي: إصدار مجلة على سبيل المثال تعبر عن توجه أشمل؟
الأمر مطروح على مستوى الفكرة، وتطرقنا إليها أكثر من مرة، ولكنها عمليا تواجه بعوائق متعددة، أولها عدم وجود مجموعة كافية من المثقفين يضمنون استمرارية المشروع من دون ظهور اختلافات جوهرية، لأن من نعرفهم إن كانوا متفقين فهم متفقون على أفكار عامة فضفاضة، وثانيا أرى قضية إيجاد وقت لمثل هذا المشروع يمثل إشكالية فعلية للبعض وغير ذلك من العوائق مثل المردود المادي والعلاقة الاجتماعية الملتبسة.
فيم تفكر الآن؟
لدي هاجس يهيمن عليّ من فترة ليست قصيرة ويتمثل في أشكال العنف التي يمارسها البشر، وقد كتبت نصوصا مدفوعة بقوة هذا الهاجس، فتهيأ لي أن تكون مشروعا شعريا قادما وضعت له اسم «الشوارع القريبة».
جريدة النهار
العدد 70 - 12/11/2007