ماذا تقرأ هذه الأيام؟ discussion

سوف أحكي عنكِ
This topic is about سوف أحكي عنكِ
129 views
الفصل الأول من رواية "سوف أحكي عنكِ

Comments Showing 1-3 of 3 (3 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by أحمد (new) - added it

أحمد مهنى | 3 comments الدكتور

سمعت أنها تسكن بمكان قريب من هنا... كل شيء في ذلك المقهى يُذكّرني بها، حتى ذلك القهوجي الودود، يقولون إن ذلك المقهى وكل العمائر المحيطة به كانت أرض مقابر، لكن وجود النيل أضفى على المقابر مكاسب غير متوقعة، لذلك نقلو الرفات وأزالو المقابر، وبنوا تلك العمائر الممتدة على الكورنيش حتى هنا. اتصلت بصديقي القديم لأسأله إن كان قد علم أي شيء عنها فلم يرد، أشرت إلى «رزق» بيدي من بعيد فاقترب مسرعاً وهو يبتسم ويقول: «والله العظيم يا بيه ربنا وحده يعلم أد إيه أنا بفرح لما بتكون موجود، حكم يا بيه مش كل الزباين زي حضرتك»، ابتسمت له وطلبت قهوة مظبوط، لا أجد قهوجياً غير «رزق» في هذا المقهى تقريباً، في أي وقت آتي أجده هو، لا أعرف إن كان هناك شخصاً آخر أم إنه يقيم هنا دائماً، أحضر إلى هذا المقهى منذ ثلاثة أشهر تقريباً، أكاد أحفظ كل ما يردده الناس هنا، الأستاذ «شاهين» دائماً يلعب الطاولة وهو يؤنّب خصمه على سلبية المجتمع، وعم «سيد» التاكسجي يسرد حكايته التي لا تنتهي مع الشوارع، «رزق» القهوجي لا يتحدَّث مطلقاً، دائماً ما يقف أمام مدخل المقهى يستند بظهره إلى إحدى الواجهات الزجاجية يدخّن سيجارة وينظر نحو النيل، أحياناً لا يترك سيدة أو فتاة تمر أمامه إلا ويتفحّصها جيداً وأحياناً أشعر وكأنه غير موجود، عجيب أمره، يعاملني باحترام مبالغ برغم شروده الدائم مع الجميع، لو علم أني طبيب ربما يزيد من تودُّده.. ربما يطلب كشفاً مجانياً. أحضر «رزق» فنجان القهوة، ووضعه أمامي برفق ثم انطلق مسرعاً.. اتصلت بصديقي مرة أخرى ولم يردّ.. كان المقهى في مقابل كورنيش «المظلات» مباشرة.. تستطيع أن ترى النيل من داخل المقهى، بعد العصر يطوي «رزق» الشِّيش من واجهات المحل الزجاجية فيبين النهار بضوئه غير المشمس، كنا في مثل هذا الوقت نجلس أنا و«ليلى» بمقهى «السمان» بالإسكندرية... يومها.. في آخر يوم رأيتها، ذلك اليوم القريب البعيد، كنا قد اتفقنا على تفاصيل الخطوبة، تحركنا من أمام الجامعة سيراً حتى وصلنا بحري، لم نجد مكاناً في مقهى «فاروق» فجلسنا بـ«السمّان».. في الداخل كان المقهى مزدحماً، لكن أحدهم أشار إلى ترابيزة فارغة في الجزء المرتفع من المقهى، صعدنا ثلاث درجات ثم خطونا إلى الترابيزة... كانت عليها مفارش صفراء وعلى أطراف المفرش علامة «ليبتون» الصفراء، جلسنا في هدوء، ولفت انتباهي فتاة يبدو من مظهرها أنها لعوب تجلس خلف «ليلى».. كانت تجلس منفردة تدخّن سيجارة، وتنظر نحو شخص يجلس مع فتاة أخرى.. كانت تتحدث مع الرجل وكلما لاحظت نظراته للفتاة المنفردة مسكت ذقنه وحرّكت رأسه نحوها هي، لم تكن التصرفات طبيعية.. أحسست وكأنها منافِستها في المنطقة.. غير أن الفتاة المنفردة كانت أكثر جمالاً، أشار الرجل للفتاة الوحيدة برأسه كتحيّة عابرة منه، فردّت بغمزة من عينها، ولم يقاطعهما سوى القهوجي وهو يضع لها كوب ليمون، اقترب منا القهوجي فطلبت «ليلى» فنجان قهوة مظبوط، وأكدتْ عليه أن يحضره في فنجان، وطلبتُ ليموناً فغمز لي ومضى مسرعاً... منذ أن عرفتها وهي تفرط في شرب القهوة، نصحتها أن تقلل من شرب القهوة ضاحكاً وأنا أحاول إخبارها مازحاً بأنها ستفسد جهازها العصبي وعندما نتزوج لن تشعر بشفاهي تلمس بشرتها، وكانت تضحك وتقول: «متحاولش تقنعني إنك بقيت دكتور.. إنت لسه تلميذ في كلية الطب».
لم تتوقف «ليلى» عن إضفاء صفة التحدي في كل شيء تفعله، وحدها تقتنع بما تريد أن تقتنع به ولا تسمح لأي شخص مهما كان أن يثنيها عن إرادتها، عنيدة حدّ الموت، لكن في اليوم الأخير بدا عليها القلق، ألححت عليها أن تخبرني عن السبب ولم تجبني، تعللت بعدة أشياء في الدراسة والكلية وأصدقائها، وسألتني عما سيحدث إذا دخلت الجيش بعد تخرّجي، لم أكن قد أعددت أي تخيل لهذا الاحتمال من قبل، فكرت في كل شيء باعتبار أنني سأنهي دراستي ونتزوج ولم أفكر في الجيش، قلت لها «لا تقدّري البلاء قبل وقوعه». يمكن لأي شيء أن يحدث إذا أصابني الدور ودخلت الجيش، أبي يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة، لا أعرف تحديداً ماذا يمكن فعله.. حينها تخيلت أنني عاجز عن تدبير أموري بنفسي، قلت لها ربما أهرب من الجيش، وبعد مرور الوقت أدفع غرامة ويا دار ما دخلك شر.. نسيت أنها تكره أي حسّ يدفع إلى عدم تحمّل المسؤولية خاصة إذا كانت مسؤولية وطنية أو كما تحبّ أن تقولها مسؤولية اجتماعية، تخيلت أن كلماتي الأخيرة أثارت حفيظتها، لكنها لم تلتفت لقولي وبدا عليها الشرود، تنهدت وطلبت عنّاباً.. كانت «ليلى» تنظر نحو البحر بعينين هادئتين، لطالما لمحت في عينيها ذلك الفتور، لكن الفتور في عينيها يحمل خلفه دائماً ثورة خبيئة لا يدركها سوى من اقترب من «ليلى»، الفتور في عينيها سرعان ما يتحول إلى ثورة ملتهبة وكأن نيران العالم أجمع تشتعل داخلها، حتى تحول لون عينيها إلى هذا السواد الدامس من فرط الاشتعال، لم تكن على قدر مبهر من الجمال الاستثنائي، جمالها كان هادئاً، لكنها كانت جذابة، تستطيع أن تثير حولها الفضول وتلفت لها النظر، براقة برغم كل ما في عينيها من غموض.
سألتها مرة أخرى عن سبب شعوري بأنها ليست كعادتها، ولم تلتفت، كان ضوء الشمس خارج المقهى ينسحب تدريجياً فطلبت مني أن نتمشى أو نفعل أي شيء.. لم أُرِدْ مغادرة المقهى قبل أن أعرف أي الفتاتين في الجوار ستنتصر على الأخرى، حاولت إلهاءها عن رغبتها هذه لدقائق، لكن إلحاح «ليلى» جعلني أمتثل لرغبتها.. تمشينا قليلاً في اتجاه بحري، وكان محل آيس كريم «النظامي» مكتظاً، قلت لها مازحاً: «هتقولي ما لك وإلا مفيش آيس كريم» مازحتني بعناد وقالت: «هجيب لنفسي». جلسنا على الشاطئ المقابل نأكل الآيس كريم، وكان هناك بعض من الوافدين من خارج الإسكندرية يلتقطون صوراً تذكارية بالقرب منا، رأيت الشمس تنحسر خلف قلعة «قايتباي» على امتداد نظري، بينما العديد من مراكب الصيد الصغيرة تملأ الأفق من خلفنا، همست لي «ليلى» وأشارت نحو الوافدين، كان أحدهم يلتقط صوراً، وهو ينفث دخان سيجارته بعنف، وبعد أن انتهى من التقاط الصورة ألقى سيجارته في الماء، فهمت ما تقصده، اقتربت مني وقالت: «متوحشين.. إسكندرية بتنزف كل ما يجيها البقر دول». وجدت أن الوقت مناسب لأزايد على اشتراكيتها فقلت لها: «أظن من حقهم يشاركوكي إسكندرية، محدش بيسرق الوطن من حد، مش دا كلامك؟». قالت بتحدٍّ: «بس البقر مش بيشاركوا الناس الوطن، دول محتاجين تربية». لم أكن في مزاج يسمح لي بالجدال معها، خاصة وأنها تصر على رأيها في كل مرة ولا ترضخ أبداً لكلامي، كان محل «النظامي» قد ازدحم جداً، وقد انحسرت الشمس تماماً ولم يبقَ غير سماء رمادية أوشكت على السواد، قلت لها: «عاوزِك في مشوار صغير»، وابتسمت ولم تمانع...
اقترب «رزق» بابتسامة قلقة، وقال: «سجايرك خلصت يا بيه، اتفضل سيجارة»، ومدّ يده بسيجارة «سوبر».. وقعت في غرام السجائر السوبر منذ جئت إلى القاهرة، كنت أعرف أن كل شيء يؤدي إلى الموت حتماً، يجب أن يكون شكله جميلاً وجاذبيته مفرطة.. ولم يتحقق ذلك في السيجارة السوبر، كانت تخبرك بأنك على وشك الموت، سيجارة تبدأ ولا تنتهي، طويلة، متناسقة، أوراقها رقيقة، لكن مع أول نفَس دخان يدخل صدرك وحتى قبل أن يصل إلى صدرك، كنت تشعر وكأن كل الخلايا تشتعل وتشتعل معها الذكريات والأفكار واليأس، ولم يكن شيئاً يناسبني في ذلك الوقت مثل اليأس، اليأس وتلك السيجارة.. طلبت من «رزق» أن يجلس إذا كان يحبّ ذلك، شكرته على السيجارة واعتذرت له.. في كل الأحوال لم أنسَ أنني كنت يوماً ثرياً يقطن في «رشدي» بالإسكندرية، وأدخن السجائر المستوردة، لكنني منذ أتيت إلى القاهرة كل مظاهر الثراء، وربما اختفت أية مظاهر أخرى.
اقترب مني «رزق» ولمحت في عينيه احمراراً غريباً، كان طويلاً نحيفاً متهالكاً، وبدأ قتَب يتكون في أعلى ظهره، عندما تراه تشعر وكأنه وصل للتو من سفر طويل مرهق، اقترب مني وجلس، سألني: هو الواحد ممكن يموت عطشان؟ ضحكت بشدة على سؤاله، ولما أحسست أني أحرجته سكتّ فجأة، ولم أستطع أن أتلفّظ للحظات، ثم أخبرته أنه قد يموت أيضاً من كثرة الشرب، تنهّد وهو يقول: «بس أنا هموت عطشان يا افندم»، ثم قام وهو يسألني إذا كانت القهوة قد أعجبتني.. استغربت كلمة «يا افندم» منه، فلم تكن عادته سوى التلفظ بكلمة «بيه»، أردت أن أتحدّث معه أكثر، لكني لم أجد كلاماً فــسكتّ، ولم أستطع أن أجيبه عن سؤاله أيضاً، أنا لا أحب طعم البنّ، ولا أستطيع تمييز الجيد منه من الرديء، كل ما أعرفه عن البنّ هو أن «ليلى» كانت تحب تناول القهوة بشدة، وكنت أمازحها كلما شربت أمامي فنجاناً إضافياً، طلبت من «رزق» أن يعطيني السيجارة.. أشعلتها، أخذت نفَساً طويلاً، وارتحت أكثر في جلستي ونظرت نحو النيل.
في ذلك اليوم البعيد.. عندما انتهينا أنا و«ليلى» من الآيس كريم، اتجهنا إلى شارع فرنسا، كانت محالّ الذهب تملأ الشارع، وبين كل محل وآخر تنطلق زغاريد، ويصطفّ أمام المحل مجموعة من العائلات يباركون لعروس مرتقبة، بدا المشهد باعثاً على البهجة، كنا نسير في صمت، ولم تكن تعرف ما أخطط له سابقاً، لمست يدها عن قصد، ولم أجد ردّ فعل، فكرّرتها، ولما حاولت أن أفعل الثالثة لكمتني بقبضتها الدقيقة في كتفي، وقالت: «اتلمّ». توقفت أمام أكبر محل ذهب بشارع فرنسا، وطلبت منها أن تختار هديتها بنفسها.. كنت متلهفاً لبسمتها.. طلبت مني أن نتمشى قليلاً، ولم أعترض... انتقلنا من محل لآخر، كنا نقف أمام كل فاترينة لبضع دقائق، ثم ننتقل إلى أخرى في محل آخر، حتى انتهى بنا الشارع إلى شارع آخر لم تكن أنواره زئبقية صفراء شديدة الإضاءة كتلك التي توضع أعلى واجهات محال الذهب، أمسكت يدي بثقة وجذبتي في اتجاه المنشية، وسرنا صامتين حتى ضريح الجندي المجهول.. عبرنا الطريق وجلسنا بمحاذاة الشاطئ.. أدرت ظهري لساحة المنشية والجندي المجهول، ونظرت نحو البحر وظلّت «ليلى» تنظر إلى الميدان وظهرها للبحر، كدنا نكون متلاصقين لولا احتمالات النظرات المتفحصة الأكيدة من كل المارة، كان القمر بدراً وقد زيّن تلك السماء السوداء وبقي وحيداً فيها وضوؤه يصنع خطاً من النور منعكساً على سطح البحر، وفي منتصف الخط فلوكة صغيرة بقيت وحيدة لا يركبها أحد في هذا الليل الصقيع، غير أن الغيوم أحاطت بالقمر من كل جهة وكأنها متعمدة أن تخنق ضوءه فخرج من بينها شعاع صغير من النور لا يُرى له انعكاس واضح على البحر، لا أعرف كم مكثنا صامتين وقتها، حتى أدارت «ليلى» ظهرها للناس ونظرت معي للبحر، وقالت بهدوء: «عندنا مظاهرة الصبح، أنا آسفة، لكن مش هقدر أقبل هديتك غير لما بكره يفوت على خير»، سألتها عن احتمالات عدم مروره على خير، وأخبرتني أن الاحتمالات زائدة، فهي المسؤولة عن توصيل صور مطبوعة إلى قيادات تنظيم المظاهرة، ولن تكون تلك المظاهرة كسابقاتها.. بل أعنف بمراحل، أخبرتني بذلك وهمّت بالرحيل، أمسكتها من يدها فظلت واقفة تنظر لي، وأنا بعدُ جالس ووجهي نحو البحر، سألتها إن كانت تريدني معها في الصباح، أخبرتني بأنها لا يمكن أن تطلب مني ذلك حتى لو كانت تريد، ثم تركتني ومضت، عبرت الطريق وركبت السيارة المتجهة إلى شارع «45» ولم تنظر نحوي.
تتبّعني «رزق» بنظراته المُلِحّة غير المفهومة، كنت أحب الانفراد بذاتي والرجوع إلى ذكرياتي القديمة، لكني كلما سرحت قاطعني «رزق» لسبب لا يهمني، اعتدلت في جلستي ثم ناديته، اقترب مني مسرعاً، فسألته إن كانت دورة المياه خالية، وأجابني أن «نعم»... وعندما انتهيت من دورة المياه، وعدت إلى مكاني، كان عم «سيد» التاكسجي يهذي عن «السادات» كعادته، سألته إن كان سيأخذني في طريقه إلى العمل، فأشاح بيده لي وهو يتمتم فضحكنا جميعاً، كان «رزق» لا يزال يتتبعني بنظراته، اقتربت منه وهو ما زال مستنداً على إحدى الواجهات الزجاجية للمقهى، استندت معه على الواجهة الزجاجية وسألته إن كان بالإمكان أن يُخرج كرسيين ونجلس سوياً بالخارج في هذا الهواء المتجدد، قال لي إنه لا يمكن فعل ذلك إلا بعد زوال الشمس، ولما سألته عن السبب قال: «أصل يا بيه كان فيه ظابط بياخد الإتاوة من المعلم كل شهر، وفي مرة طلب زيادة والمعلم قاله منين دي القهوة مش جايبة همها، قام خلّى الحي يشمّعها وحيلك بقى على ما عرفنا نفتحها تاني، ومن ساعتها متربّص لنا، ولولا المعلم هو كبير المنطقة وله إيد في الحي والمحافظة والقسم ذات نفسه مكناش عرفنا نفتحها تانى»، كان يتحدث بشكل درامي ينفعل مع الكلام ويمثله ويتشنج معه ويهدأ حيناً آخر.. سألته عن سبب تودّده لي، وقال إنه يتعجّب لأمري، أضع كوفية صوف على رقبتي في عز الصيف، وأجلس وحدي رغم أن كل من بالمقهى تربطني بهم صلة ومعرفة سابقة، وهذا ما يدفعه لمحاولة اكتشافي، كانت تمر أمامنا فتاة ترتدي حذاءً ذا كعب عالٍ ورقبة جلدية، اقتربت أن تصل إلى ركبتها، وقد أدخلت الجينز داخل رقبة الحذاء، كان الجينز ينحسر عليها وبدا منظره مثيراً من داخل الحذاء، تفحصتها بتمعن ووجدت أنها مثيرة، نظرت أنا و«رزق» في آن واحد إلى بعضنا البعض ثم إلى الفتاة وتابعناها حتى ابتعدت، لا أعرف لماذا جذبني مظهر تلك الفتاة، العقل وحده هو مصدر الإثارة، حين نظرت إليها جالت برأسي ألف فكرة لعوب، رمقني «رزق» بعينه وضحك.. ضحك بشدة وقال لي: «مُزة أصلي بس شعرها عيرة».. فابتسمت ولم أجبه، ثم ضحكت أيضاً بشدة، قهقهت معه حتى تمايلنا، وأخذ يضرب كفّه بكفّي، أحسست بهرمونات النشوة تجتاح جسدي، وكأن كل الغدد الصماء تذكّرت وظيفتها فجأة، وكنت أختلج.. أختلج من الضحك وكأن نوبات الضحك امتدّت ولن تتوقف حتى دمعت عيني، وبدأت عضلات بطني تنقبض من كثرة الاختلاج، فبدأت أهدأ أنا و«رزق» ونلهث باحثين عن مزيد من الأوكسجين.. نحن نضحك لأننا نفرح، نضحك لأن الأشياء الجيدة تحدث، نضحك لكي ننسى، ونضحك لكي لا نموت كمداً وأحياناً نضحك لكي لا ننسى الضحك!
جلست إلى أقرب كرسي، وتركت «رزق» بالخارج، لم يضحك أحد معه هكذا من قبل، ولم أجد أي سبب للضحك غير الرغبة في الهروب من أي شيء، حتى لو كانت مكالمة في هاتف لا يجيب منذ الصباح، محاولات للبحث عن المبالاة بشيء واحد هو الاستمتاع بلحظة واحدة في الحياة قبل الغوص في لا مبالاة غير منتهية، ضحكت لأني لم أكن أنتظر أخباراً جيدة أو سيئة لم يكن بحياتي ما يدفعني للبهجة أو الحزن، لم أقدم على محاولة للانتقام أو محاولة للابتكار، لا أجد سوى شعور عميق بالندم، ولا أعرف على ماذا أندم.. لكني أندم في كل يوم أكثر من ذي قبل وأندم على عدم الندم من قبل.. منذ أن قدمت هنا وأنا أساوي «صفر»، صفراً واحداً صحيحاً ومكتملاً.. وهل يمكن لصفر أن ينقسم إلى كسور؟!!، إني أهذي، لم أفعل سوى ما يجعلني أظل هكذا، لا أصبحت رقماً موجباً ولا أيقنت أن قيمتي سالبة فأحاول التصحيح، حتى الضحك لا يمكنني


message 2: by أحمد (new) - added it

أحمد مهنى | 3 comments وحدها «ليلى» يمكنها أن تجيب تساؤلاتي العديدة، لماذا أصرّت على الدخول في المظاهرة؟! لو كانت أجابتني قبل رحيلها، قبل أن تركب تلك العربة المتجهة إلى شارع «45» وتختفي في لمح البصر، لو كانت طلبت مني أن أقف بجوارها في اليوم التالي، لو كانت ألحّت عليَّ أن أكون إلى جوارها، أو كانت لعنتني ورفضتني ونعتتني بالسلبي والجبان، وأقسمت أنها لو رأتني مرة أخرى لبصقت على وجهي.. لو كانت أخبرتني من أول اليوم أنها ضمن أعضاء تنظيم المظاهرة، لو أخبرتها أنا من البداية أني كنت أعرف بوجود مظاهرة في اليوم التالي.. لكن شيئاً من هذا لم يحدث مطلقاً.. تركتني وحيداً عند المنشية واختفت، أضواء السيارة من الخلف كانت تستفزّني، وكأن أحدهم يُخرج لسانه لي في أيام الطفولة، وكأنها أيقونة تفيد الغيظ على شاشة الإنترنت يطلّ منها وجه أصفر يُخرج لساناً أحمر طويلاً، تركتني «ليلى» في هذا الليل الصقيع ومضت مسرعة، جلست وحدي في مكاني حتى منتصف الليل، وكان البرد تشتد ضراوته، وضعت يدي في جيبي ووقفت.. نظرت يميناً ويساراً ولم أستطع تحديد وجهتي، تمشيت ناحية محطة الرمل، كانت الفنادق والمقاهي قد أقفلت، ومع الأضواء الصفراء الملتهبة للميدان يبدو مظهر واجهات الكازينوهات بديعاً، توجهت نحو كازينو «الإيليت»، قطعت الشارع كله في سباق محموم مع البرد، يلفحني الهواء فأرتجف وأستقوي عليه فأسرع الخطى، سمعت قعقعة نعل نسائي خلفي يمشي على وتيرة هادئة، ثم بدأ يسرع قليلاً، ولما اقتربت مني بحيث أسمعها قالت: «لمون». وضحكت بصوت ملحوظ، نظرت خلفي فوجدتها هي نفس الفتاة اللعوب التي كانت تجلس وحيدة في مقهى «السمان»، تعجّبت منها، وأكملت سيري، وكان بار «الإيليت» يبدو واضحاً على الرصيف الآخر، هممت أن أعبر الطريق، فكررت كلمتها: «لمون»، نظرت لها وقلت: «حضرتك تقصديني؟»، ضحكت وقالت لي: «حضرتك؟!!»، ويبدو أنها استغربت الكلمة، فأومأت لها أنني أقصدها بكلمة «حضرتك». قالت: «هو انت اسمك لمون؟». ولم أجد مفراً من أن أقترب منها دون أن أعلم لماذا.. أخبرتها بأنني سوف أدخل «الإيليت» إذا أرادت أن تأتي معي، ولم ترفض.
في الداخل طلبت لنفسها قهوة، وكنت أظنها ستطلب بيرة، ولم أكن أشرب الخمر، طلبت لنفسي «بيبسي» ولم أتكلّم، كانت ترتدي جينزاً ضيقاً وحذاءً ذا كعب عالٍ وله رقبة جلدية يعلوها شريط من فراء، وقد أدخلت الجينز داخل رقبة الحذاء، نظرت لها ووجهي يكسوه الركود، لم أكن من نوعية الشباب الذين يصطحبون البنات إلى البارات، وإن كنت لا أمانع لكني لم أحب أن أبدأ، لم أعرف لماذا عرضت عليها القدوم معي، كان يمكنني تجاهلها من البداية، اقتصرت في السابق علاقاتي بمواعدات خارجية، في كازينو أو في شاطئ بعيد بالعجمي، وكانت تنتهي المقابلة عادة بمداعبات صبيانية، والآن معي ساقطة محترفة ويغلّفنا الصمت، بدأت حديثها معي بالسؤال عن «سيجارة»، ولم يكن معي سجائر، قالت: «أنا كنت هموت من الضحك لما طلبت لمون ورايا في القهوة، مين اللي كانت معاك؟. «خطيبتي». «بس مفيش في إيدك دبلة». «هنتخطب قريب». «صاحبتك يعني». ولم أجد رداً، لعلها تستهزئ بي، سألتها عما حدث مع الرجل والفتاة الآخرين في المقهى وضحكتْ ولم تردّ، كان الوقت يمر.. نسكت فترة ونتحدث دقائق، ثم سألتني عن سبب شرودي، وأخبرتها عن كل شيء، كنت كل عشر دقائق أطلب مشروباً إضافياً، واشتريت لها علبة سجائر، هي تدخّن وأنا أتحدّث، قالت: «ليه؟ إوعى تسيبها.. روح لها الصبح وخلّي بالك منها.. من يومين شفت ظابط ابن كلب ماسك شاب زيك تمام، ومكلبش فيه ونازل فيه ضرب، بكره يضربوا البنات، لو مكانك يا أروح معاها يا إما موديهاش». كان الفجر قد اقترب، قلت لها إنني سأرحل وبقيت هي، دفعت الحساب ووضعت لها خمسين جنيهاً تحت حقيبتها فقالت مسرعة: «أنا مطلبتش منك فلوس».
لم أردّ وخرجت ولم أرها ثانية، تمشّيت في اتجاه محطة مصر.. كان الهواء يدفعني إلى ذلك الاتجاه، ولم أرغب في مواجهة البرد بوجهي، أدرت له ظهري ومشيت، وعلى مسافة قريبة كان كباريه ليلي على الصفّ الآخر، من النوع الذي تقضي فيه ليلة كاملة تشرب وتشاهد راقصة وتدفع مبلغاً زهيداً.. وقفت أنظر إليه وأصوات الأغاني والصاجات تخرج إلى الشارع خافتة، وارتفع الأذان فجأة، فتوقف صوت الغناء بالداخل، حتى انتهى الأذان، فعاد الغناء من جديد، ابتسمت، تعجبت ومضيت في طريقي، كلنا متناقضون، نوقف الرقص من أجل الأذان ثم نسكر، أسهر مع فتاة ليل في كازينو ثم أدّعي أنني لا أشرب الخمر، وما الخمر غير ما نفعله من تناقض!!، الجميع حيرى، لم أكن سكران ولا يقظاً، كنتُ صفراً خائباً لا يساوي شيئاً، كان الشارع يرمي بي بسرعة في اتجاه محطة مصر، وحين اقتربت كان على يميني سور حديدي كبير يخفي خلفه بقايا مدائن يونانية خربة اختفت تحت الأرض، كم من مدينة غرقت تحت الإسكندرية، لعلها ابتلعت الكثير في آخر يوم لها، كانت «كليوباترا» تجري وتصرخ ولا أظن أن «يوليوس» أجابها، أشعل الحرائق في المدائن، كان الجنود يجرون ناحية الشمال وكان «أنطونيوس» يزحف ناحية المدينة.. أظنّ أن هذا الشارع وتلك المدينة المهترئة تحديداً القابعة تحت قدمي هي مشهد الحرب الأخيرة.. خرب «يوليوس» الأساطيل حتى لا يصل لها «أنطونيوس»، لكنه وصل.. وصل في النهاية.. تُرى من طعن مَن أولاً؟ لكني متأكد أن هنا تحديداً كان المشهد الأخير، لعل «كليوباترا» صرخت عندما وقع «يوليوس»، لكنها أخذت مكافأتها وأكثر، ولم تستمر الإسكندرية كثيراً بعد ذلك اليوم، إني أهذي.. لم أكن سكران لكني أهذي، نظرت نحو الشارع الخلفى.. أمضيت وقتاً طويلاً منذ أن ذهبت ليلى، كان رجلاً يسير نحوي مترنحاً، بدأ في فتح قميصه ومن خلفه لافتة كبيرة مضيئة لمحل كبير، أحسست وكأني في فيلم سينما، وأن المشهد يقترب من النهاية وسوف يلقى البطل حتفه الآن، ولم أعرف من فينا البطل أنا أم هو.. اقترب مني وزعق في وجهي: «أنت عاوز تعرف منحرفين.. أنا بقى منحرفين»، وكان يبدو أنه خرج حالاً من الكباريه الرخيص، نظرت في كل الاتجاهات في هذه الطرق المفترقة ولم أجد سوانا، استجمعت عزيمتي، وزعقت فيه بكلمة واحدة: «امشي»، فجرى مسرعاً وكأن شيئاً لم يحدث.. سألت نفسي هل ينتهى المشهد بتلك السهولة.. هل يمكن أن تكون الحياة بتلك البساطة، أن تنتهي الصراعات بكلمة واحدة، أن تكون الحبكة الدرامية رهينة شجاعة لحظية وصرخة في وجه رجل واحد وحسب! سألت نفسي كثيراً كل الأسئلة المتاحة ولم أبحث عن إجابات، كان ضوء الشمس بدأ يظهر، والحركة بدأت تدبّ في الشارع، أوقفت تاكسي وذهبت للمنزل.


message 3: by أحمد (new) - added it

أحمد مهنى | 3 comments يومها فكرت عدة مرات في النوم ولم أستطع، غيّرت ملابسي عدة مرات وعدت مرة أخرى لمحاولات النوم، تخيّلت ليلى تجري ويجري خلفها كلب بوليسي يمسكه عسكري ضخم، وهي تصرخ باسمي، وتكاد أنفاسها تنقطع، وبينما هي تجري تعثرت وسقطت وهجم عليها الكلب والعسكرى، انتفضت واقفاً، غيّرت ملابسي مرة أخرى، أخذت مبلغاً إضافياً، خرجت من غرفتي فوجدت أبي في الصالة يجلس متحفزاً، سألني باتهام: «إنت رايح فين؟» ولم أعقّب، سكتّ لحظة ثم قال: «متنزلش النهارده، اسكندرية النهارده مقلوبة، العيال الإخوانجية بتوع الجامعة فاكرين نفسهم رجالة وعاملين مظاهرات، والأمن مش هيسكت، إنت عارف، وكمان محمود بيه كلمني وقالي خلي الدكتور ميروحش الجامعة النهارده»، نظرت إليه في شرود مميت، لم أجد أي كلمة تقال، وكانت مبرراتي ساذجة، فأخبرته أنهم ليسوا إخوانجية فحسب لكن المظاهرة للجميع، الكل سيشترك بها. ونهرني بصوت مرتفع: «يعني إنت كنت عارف؟ يبقى أكيد كنت ناوي تروح، طب أنا قاعدلك النهارده لما نشوف آخرتها معاك، طول عمرنا عايشين من غير مشاكل، عاوز تودينا في داهية؟ بقى الكل هيشارك؟!»، وكان نباح الكلب يتردّد بأذني، لم أسمع بقية كلمات أبي، فقط سمعت نباح الكلب الذي يجري خلف ليلى، دخلت غرفتي مجدداً، واستسلمت للنوم العميق.. وكان يوم فرحي على «ليلى»، وكنت قد أقمت علاقة معها وشككنا في حمل، غير أن هول الشك منعنا من التفكير في عمل تحاليل، فعجّلنا بموعد الفرح، وكنا قد اشترينا الفستان من القاهرة، واتصلت بي صباحاً، وطلبت مني أن أشتري لها بوكيه ورد أبيض؛ لتمسكه بيدها في الاستوديو، لكني لم أذهب للفرح، تركتها وحيدة أمام الكوافير، ولم أذهب، وظلّت تتصل بي هي وأهلها، لكني لم أردّ، خرجت إلى المقهى، أخرجت هاتفي المحمول، كتبت لها رسالة مقتضبة تفيد بأني لن أتزوج فتاة أقمت معها علاقة، وطلبت عصير ليمون بارداً.. بارداً جداً، وجلست أشاهد الماتش، وبعد دقائق تلقّيت رسالة من كلمة واحدة «ندل»، وكان كلب كبير يجري ناحية المقهى، ولما اقترب مني انقضّ عليّ. فاستيقظت فزعاً وجدت الساعة قد اقتربت من الواحدة ظهراً.
ولما اطمأنّ أبي إلى نومي العميق ذهب إلى العمل، نزلت مسرعاً، أخذت مفاتيح السيارة وانطلقت، اتصلت بـ«ليلى» عدة مرات حتى أجابت، قلت لها إن ظروفاً طارئة منعتني من الحضور مبكراً، وسألت عن مكانها، وأخبرتني أنها رجعت للمنزل لتحضّر أشياء، ذهبت إليها مسرعاً، وكان معها حقيبة ظهر متوسطة الحجم، ركبت معي وابتسمت، وطلبت مني أن أسرع، في الطريق لم تكن قلقة مثل الأمس، كانت متحمّسة وثائرة، ومندفعة، وطلبت مني أن أشغّل أغاني لـ«فيروز»، وكانت أول أغنية لها هي «سألتك حبيبي» وكانت تغني..
سألتك حبيبي لوين رايحين
خلينا خلينا وتسبقنا السنين
إذا كنا عطول.. اتلاقينا عطول.. ليش بنتلفت خايفين
ومن مين خايفين؟!
ولا أعرف لماذا كانت تشعر «فيروز» بالخوف! ربما لأننا في زمن قد تغلّب عليه الخوف قبل كل شيء، لكن العجيب لم يكن خوفها، الخوف صار أمراً طبيعياً في بلاد كبلادنا، وزمن كالذي نعيش فيه، لكن العجيب والغريب وغير المنطقي أن «فيروز» كانت تمشي معه، ولا تعرف سابقاً إلى أين، كانت تمشي معه فقط لتكون معه! كانت تريد أن تبقى مع حبيبها بغضّ النظر عن الرحلة وعن نهايتها، وعن الطريق وعن آخره، المهم أنها بجوار من تحب فقط ولا شيء آخر.. ولما استشعرت الخوف تساءلت: وأين المشكلة في أن نحب بعضنا.. إذا كنا عطول اتلاقينا عطول ليش بنتلفت خايفين؟! إذا كان حبنا في النور وفي الحلال، وإذا وجد كل منا الآخر فلماذا الخوف؟ والأغرب من كل ذلك من مين خايفين؟!
كانت أغنية «فيروز» تستغرقني، وتأخذني من «ليلى»، وكانت «ليلى» تنظر لي وتبتسم، وكأن نفس الأفكار خطفتها للحظات، وجاء بعدها أغنية أخرى، وغنّينا سوياً، غنّينا بصوت مرتفع وواضح وبإيقاع متناسق، وكانت جذابة وجميلة وبراقة، وكنت أشعر أني مختلف وأني ثائر، وأني متحمس لأشياء لا أعرفها، كنت أشعر أني متصالح مع نفسي، وأني راضٍ.. أمسكت يدها فلم تمانع، وقبّلت يدها ولم تمانع أيضاً، وقالت لي: يمكننا أن نشتري الشبْكة بالليل، وقلت لها إن فستان الفرح سوف نشتريه من القاهرة، وقالت إن فستان الفرح يوم الفرح، لكن يوم الشبكة ستكتفي بتأجير فستان سهرة، وأكدت عليها رغبتي في شراء فستان لكلا المناسبتين، وقالت: لا تسبق الأحداث، وقلنا أشياء كثيرة ومبهجة ومليئة بالرغبة والشغف، ومضى بنا الطريق سريعاً فوصلنا، بحثت عن ركنة للسيارة ولم أجد، نزلت «ليلى» وذهبت أنا لأبحث عن مكان أركن به السيارة، واتفقنا أن نتقابل أمام مبنى كلية الآداب، الطريق القصير الذي قطعناه سوياً أضاف لي الكثير، أظن أن علاقتنا في هذا الطريق فقط تطورت أو على الأقل توطّدت، تمنّيت أن يتكرر المشهد في المساء، صوت «فيروز»، مع امتداد الطريق، أنا وهي وحدنا، وابتسامتها، والبحر. إنها جنة الدنيا.. الجنة بلا شك.
كان «رزق» قد بدأ يضع الكراسي أمام المقهى، وخرجت لأجلس معه، لكن «مجدي» حضر، وأراد أن يتحدّث معي في موضوع مهم، أخبرني أنه اجتاز كل الاختبارات التي تؤهله للعمل بالجريدة المستقلة التي طالما تمنّى العمل بها، وتبقى فقط كتابة مجموعة مقالات تحقيقية عن قضية محددة، وكان «مجدي» يعرف أني ما زلت أحتفظ بسلسلة مقالات كتبتها عن اتحادات الطلاب.. ألحَّ عليَّ في طلبها وعرضها ممهورة بتوقيعه، كانت تلك المقالات تشكّل جانباً من وجداني وحياتي الشخصية، في الحقيقة لم تكن مقالات، بل كانت أشبه بحديث مع الذات، تفريغ لمذكرات شخصية وتحليل لمعايشة دامت لخمس سنوات.. لم أستطع أن أرفض مباشرة، غلبني حيائي فطلبت منه مهلة للتفكير، ولم يمهلني سوى يومين، سألته إن كان سينشرها على أنها تحقيق مع شخص عايش ذلك الواقع أم سينشرها كما هي على أنها مقالاته الشخصية.. وأخبرني أنه يجب أن يقدّمها على أنها مقالاته.. رأيت في عيني «مجدي» احتياجاً حقيقياً لما قمت بكتابته في مرحلة لن تتكرر.. لم يكن يهمني على الإطلاق نشر المقالات باسمي، وأيضاً كنت أحب الاحتفاظ بها لي وحدي، بكل ما فيها من مشاهدات وتفاصيل خاصة.. ملامح لذكريات تخصني وحدي أحياناً.. وتخصني أنا و«ليلى» أحياناً أخرى.. لم أعرف ماذا يجب أن أفعل، كان «مجدي» قد أخرج علبة سجائره وعزم عليَّ بواحدة، بدأت أشعر أن الدخان يخنقني، فاعتذرت له، ونظرت في الاتجاه الآخر.. هناك حيث النيل يمتدُّ ولا شيء آخر.


back to top