رواية تقترب إلى حد كبير من مكاشفة الواقع الاجتماعي وفضح المسكوت عنه، على نحو يدعونا لاعتبارها إحدي الروايات التي تتماس بقوة مع موضوعة الهامش الاجتماعي. فضلا عن اعتبارها رواية مكان كما سوف نرى. في روايته ( صياد الملائكة ) لا يقف هيدرا جرجس هذا الموقف الاحتفالي بالمكان بقدر ما يسعى إلى إمعان النظر فيه ، ولا يستدعي غنائيات ماضوية بمآثره بقدر ما يلجأ إلى التحليل السردي له، وتشريح المكان الجنوبي بوصفه عينة انتقائية من واقع كبير مازال يرزح تحت أثقال الماضي، فيظل يحمل خواصا تخلى العالم الحديث عنها، فيما تواطأ الجميع على السكوت عنها، ودفنها في أعماق الأماكن المبعدة والأكثر هامشية. وتأتي أهمية ( صياد الملائكة ) من قدرتها على الحفر العميق في المكان فضحا للمسكوت عنه. ومن ثم، فنحن أقرب إلى رواية الهامش وأكثر اقترابا من معناها الصحيح بوصفها رواية تحمل وجهة النظر المغايرة والكاشفة والصادمة للسائد والموروث. فالمكان الذي يثير دواعي الاحتفاء والتغني بالمأثور لا يمكنه أن يكون هامشيا كما نظن، بل هو يبدو أحد تمثلات البطل الشعبي بالنسبة للمجتمع. صحيح أن فضح المكان الهامشي يضع المكان وشخصياته تحت دائرة الضوء، ولكن كلاهما يظل في موقع البطل الصغير، فكلاهما لا يمثل سوى نفسه. كلاهما لايقوم بالفعل البطولي العلني بل يتلقيان ضربات الواقع المأزوم في صمت وألم. هكذا يجد هيدرا جرجس ضالته في إحدي المدن الصغيرة بالصعيد التي لانعرف لها اسما ولاسمتا يميزها ويموضعها في الزمن، بقدر ما تظل هشة ، صغيرة، فقيرة الملامح، مليئة بالندوب والتقرحات التي تركها الزمن عبر مسيرته. ومع شاب يعاني كل صور التهميش الاجتماعي، عاجز عن الدفاع عن نفسه، هو أيضا بطل صغير، ينتمي لأقلية دينية حملت ـ هي الأخرى ـ عبر مسيرة الزمن عمليات من الإزاحة تدفع بها إلى الهامش. صياد الملائكة هو ( حنا ) ذلك الشاب المسيحي الذي تكالبت عليه كل دواعي التهميش، كما تكالبت من قبل على أبيه الدكتور دميان، الذي اعتاد أن يدوّن كل خطاياه البشرية الصغيرة حتى لاينسى الاعتراف بها أمام القسيس. كان دميان يرتعب ويحاسب نفسه على خطاياه البشرية الصغيرة. وهاهو حنا ـ بطريقة ما ـ يواصل مسيرة الأب الانطوائي المرتجف، فمنذ طفولته كان حنا يعاني أشكالا من التهميش، همشه دينه وهمشه اليتم والفقر والوحدة.. تاريخ من التهميش انتهى به ليكون خارج كل منظومة مجتمعية، يعيش وحيدا في شقة ورثها عن أبيه، يمشي في المدينة الصغيرة بجانب الحائط كما يقولون، يتوجس خيفه زملاء المدرسة الذين طاردوه في طفولته، فقط، لكونه نصرانيا، هو الآن شاب محمل بمخاوف قديمة لا يعرف لها سببا، يعمل نصف يومه على ظهر باخرة سياحية وينام النصف الآخر من اليوم. تخرج من قسم الفلسفة، ولكنه لم يجد عملا غير تقديم الخمور للسائحين. هو لم يذق الخمر في حياته، ولا يعرف شيئا عن تقاليد تقديمه، ولكنه العمل الوحيد الذي قبل به، فقبله حنا بلا حماس أو اعتراض، قبله فحسب، ووأد معه أحلامه القديمة في أن يكون كاتبا مرموقا للقصص التي أدمنها وعاشت معه في عالمه السري الخاص، مكتفيا بها، لايطلع عليها أحد، ولايحتاج من أحد شيئا. لهذا، فهو في غير حاجة لزوجة تشاركه حياته المحدودة، فبعد العمل والنوم وتدوين أحلامه وقصصه الصامتة، لم يعد هناك وقت لشريك. لا يفكر في الذهاب إلى الكنيسه، فليس لديه مايعترف به لقسيس، وليس لدية طموح في خلاص. وهكذا.. فحنا، يعيش خارج كل منظومة اجتماعية أو دينية او اقتصادية أو حتى ثقافية، هكذا يعيش الشاب حنا ماتبقى له من العمر. إن الطاقة التصويرية في لغة هيدرا جرجس لاتكف عن إنتاج زخات دلالية تزيح بطل الرواية إلى أقصى حدود الهامش. بما يؤهلنا للتعاطف معه، ويؤهل حنا ليكون بطلا جديرا بالمأساة التي ستحدث له. وبهذا المعنى قد نظن أننا بإزاء رواية شخصية لا رواية مكان. لكن الأمر ليس على هذه الدرجة من البساطة، فالهامش الذي يكتب عنه هيدرا مركب ومعقد، لهذا يحضر المكان على نحو يجعله صوتا موازيا للشخصية في هامشيتها.ومع خطوات محسوبة من التصعيد الدرامي يلتقيان ويصبح كل منهما دال على الآخر. وبهذا التصعيد تتحقق جدلية الإنسان والمكان، فكلاهما وطن، وكلاهما ينطوي على تاريخ من التهميش. نحن هنا بإزاء مكان يتداعي، يتآكل من داخله نتيجة لعوامل ثقافية قديمة مازالت ترعى في جسده الهزيل، إنها واحدة من مدن الصعيد، انحسرت في شريط ضيق بين النيل والجبل، وإذا كان النيل يرميها ـ بين حين وآخر ـ ببعض السائحين كمصدر لرزق هزيل، فإن الجبل يزخها بعواصف ترابية حادة، ومع ارتفاع حرارتها تتحول إلى قطعة من الجحيم. مدينة صغيرة لاتتجاوز شوارعها عدد أصابع اليد الواحدة، تنتهى أو تبدأ بشارع ضيق يكفي بالكاد لمرور ثلاثة أفراد، ولكل شارع اسم مجهول، لايعرفه أحد ولا أحد يذكر الآن لماذا سميت الشوارع هكذا: شارع الجمهورية، شارع 23 يوليو.. وهكذا تحمل هذه الأسماء تاريخا يتآكل ويتداعى أيضا. لتنسحب دلالة المكان ( المدينة الصغيرة ) على الوطن الكبير، كلاهما يتآكل ويتداعى. عندما أسست هذه المدينة في الخمسينيات كانت رمزا للمشروع النهضوي الذي تكفلت به ثورة يوليو. وصممت مدينة حديثة لتناسب عمال ومهندسي وخبراء مصنع السكر الذي أقيم على الجانب الآخر منها. ومازالت شواهد هذا التاريخ المجيد ماثلة لكنها ـ الآن ـ بائسة الدلالة مجهولة المعني، ليس فقط أسماء الشوارع، ولكن ـ أيضا ـ نافورة الميدان الوحيد التي على شكل سمكة،كانت إهداءً من الحكومة الكندية، ورمزا على الصداقة، لكنها الآن مجرد حوض لتشرب منه خيول العربجية. المرفأ الذي كان منفذا لصناعة وتجارة السكر، تحول إلى مرسى صغير للمراكب السياحية. والعمارة الكبيرة التي تطل على النيل ويسكنها حنا الآن، هجرها سكانها تقريبا، فيما ظل اسمها: ( عمارة الخبرا ) شاهدا على مجد قديم لم يبق منه سوى الحطام والعجز، تماما مثل ( حسين ) جار حنا وصديق طفولته. كان حسين صبيا جريئا مقبلا على الحياة، اعتاد القفز على قطار القصب الذي يشق المدينة إلى مصنع السكر، وذات يوم، التهم القطار ساقيه، فأمضى حسين باقي عمره قعيدا محطما، يلتهمه الإحباط واليأس، دائم الشجار مع أمه الأرملة، فيما تعهد حنا كلما حصل على راحة من عمله، أن يصطحب حسين إلى الصيد في النيل. العلاقة بين الشابين تجسيد رمزى فائق الدلالة عن علاقة وطيدة بين مسلم ومسيحي ولدا وتربيا معا في بيت واحد، وكلاهما يعاني نفس الأمر من الإحباط والتهميش، حنا الصامت الضعيف وحسين العاجز المشوه. لم تكن رحلة الصيد الشهرية تعنى شيئا لأي منهما سوى أن العلاقة بينهما تمضي بقوة القصور الذاتي، بينما فقدت عنفوانها وحميميتها، فقط ،عاجزان يتساند كل منهما على الآخر، هذا هو واقع الحال، فلاحسين يصطاد شيئا ولا حنا راغب في أي صيد، هكذا يمضيان الوقت معا، بين ابتسامات المجاملة وإيماءات الامتنان، ربما على ذكريات قديمة لم يبق منها سوى هذه الجسلة الطلليةعلى شاطيء النيل. وعلى الرغم من كل هذه العلامات التي تعمق دلالات التهميش في علاقة حنا بالمكان تظل هناك علامة كبرى ماثلة في خلفية النص، من خلال المشهد الاقتتاحي الذي جمع بين حنا وصديقه ( منصور ) وصفية غانية المدينة. اعتاد حنا زيارة صديقه منصور في دكانه الصغير. ولسبب ما، انهمك منصور في الإدمان على الحشيش ومضاجعة صفية. ولسبب غير محسوب ـ أيضا ـ يجد حنا نفسه متورطا في علاقة مع صفيه، رتبها له منصور. ومع كثير من الخوف والارتباك تزوره في بيته، هي أيضا لا تجد سببا في مضاجعة شاب كئيب على غير دينها، ربما تفعل هذا من باب الاعتياد، كأي امرأة تعاني نفيا وتهميشا في مجتمع على هذه الدرجة من الصرامة الشكلية. وبحضور صفية على مسرح الأحداث، تطرح الرواية علامة جديدة عن التهميش الاجتماعي للمرأة. صفية مثل أي امرأة تعاني الفقر والجهل، لكنها تعرف أنها تمتلك جسدا مثيرا، وقادرا على أن يضمن لها الحد الأدني من الحياة. هي من الذكاء بحيث تعرف طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه، لذلك هى تخفى جسدها وراء نقاب، يترك مساحة صغيرة لعينين حائرتين مهزومتين. هكذا.. ثم شيء مشترك يجمع بين صفية وحنا في شقة واحدة، الهزيمة. لكن عيون الرقباء كانت تترصدهما، عندئذ تستحكم الحبكة التراجيدية في علاقة الإنسان بالمكان، عندما يقتحم البعض الشقة، وينهالوا ضربا وركلا على صفية وحنا معا. هكذا يتأكد معنى الهزيمة المشتركة بين حنا وصفية. فعندما سقطا تحت الأقدام، سقطت معهما كل أقنعة الزيف وأوهام السلام الاجتماعي. إن مشهد الانسحاق تحت الأقدام، لايمثل فضحا للمسكوت عنه فحسب، بل هو النهاية الطبيعية لكل صور التهميش اليومي الذي تعانية المدينة وسكانها، ويأتي هذا المشهد عبر زخات درامية تتصاعد بين حالات التهميش والاغتراب والسأم لتصل إلى لحظة صاخبة وحاسمة، هى لحظة الانهيار الأخير لكل محاولات المقاومة. إن بناء الرواية، الذي يمضي رتيبا وعلى مهل لمناسبة الواقع الكئيب للمكان وسكانه، يأخذ في التصعيد التدريجي، بلا مفاجئات وبسلاسة وكانما يستدرج القاريء إلى هذه اللحظة التي تحشدنا بكثير من الغضب، ويضاعف من إحساسنا بالغضب درجات من التعاطف والانحياز المشاعري لكل شخصيات الرواية بما في ذلك صفية، التي وضعت النغمة الأخيرة والأكثر صخبا في كروشندو التهميش. نحن أمام نهاية تضع القاريء أمام واقعه، وتدفعة لمساءلة نفسه. لهذا فثم بعد أخير في هذه الرواية، هو ذلك الطابع التحريضي الذي تغمرنا به، ويدفعنا للثورة على واقعنا، عندئذ تنجح الرواية في تجسيد وجهة نظر الكاتب، وينجح النص في الكشف عن الأيديولوجيا المضمرة في خطابه، لنجد أنفسنا بإزاء عمل مميز يعرض لموضوعة الهامش الاجتماعي في تمثلات عديدة ومركبة.
في روايته ( صياد الملائكة ) لا يقف هيدرا جرجس هذا الموقف الاحتفالي بالمكان بقدر ما يسعى إلى إمعان النظر فيه ، ولا يستدعي غنائيات ماضوية بمآثره بقدر ما يلجأ إلى التحليل السردي له، وتشريح المكان الجنوبي بوصفه عينة انتقائية من واقع كبير مازال يرزح تحت أثقال الماضي، فيظل يحمل خواصا تخلى العالم الحديث عنها، فيما تواطأ الجميع على السكوت عنها، ودفنها في أعماق الأماكن المبعدة والأكثر هامشية.
وتأتي أهمية ( صياد الملائكة ) من قدرتها على الحفر العميق في المكان فضحا للمسكوت عنه. ومن ثم، فنحن أقرب إلى رواية الهامش وأكثر اقترابا من معناها الصحيح بوصفها رواية تحمل وجهة النظر المغايرة والكاشفة والصادمة للسائد والموروث. فالمكان الذي يثير دواعي الاحتفاء والتغني بالمأثور لا يمكنه أن يكون هامشيا كما نظن، بل هو يبدو أحد تمثلات البطل الشعبي بالنسبة للمجتمع. صحيح أن فضح المكان الهامشي يضع المكان وشخصياته تحت دائرة الضوء، ولكن كلاهما يظل في موقع البطل الصغير، فكلاهما لا يمثل سوى نفسه. كلاهما لايقوم بالفعل البطولي العلني بل يتلقيان ضربات الواقع المأزوم في صمت وألم. هكذا يجد هيدرا جرجس ضالته في إحدي المدن الصغيرة بالصعيد التي لانعرف لها اسما ولاسمتا يميزها ويموضعها في الزمن، بقدر ما تظل هشة ، صغيرة، فقيرة الملامح، مليئة بالندوب والتقرحات التي تركها الزمن عبر مسيرته. ومع شاب يعاني كل صور التهميش الاجتماعي، عاجز عن الدفاع عن نفسه، هو أيضا بطل صغير، ينتمي لأقلية دينية حملت ـ هي الأخرى ـ عبر مسيرة الزمن عمليات من الإزاحة تدفع بها إلى الهامش.
صياد الملائكة هو ( حنا ) ذلك الشاب المسيحي الذي تكالبت عليه كل دواعي التهميش، كما تكالبت من قبل على أبيه الدكتور دميان، الذي اعتاد أن يدوّن كل خطاياه البشرية الصغيرة حتى لاينسى الاعتراف بها أمام القسيس. كان دميان يرتعب ويحاسب نفسه على خطاياه البشرية الصغيرة. وهاهو حنا ـ بطريقة ما ـ يواصل مسيرة الأب الانطوائي المرتجف، فمنذ طفولته كان حنا يعاني أشكالا من التهميش، همشه دينه وهمشه اليتم والفقر والوحدة.. تاريخ من التهميش انتهى به ليكون خارج كل منظومة مجتمعية، يعيش وحيدا في شقة ورثها عن أبيه، يمشي في المدينة الصغيرة بجانب الحائط كما يقولون، يتوجس خيفه زملاء المدرسة الذين طاردوه في طفولته، فقط، لكونه نصرانيا، هو الآن شاب محمل بمخاوف قديمة لا يعرف لها سببا، يعمل نصف يومه على ظهر باخرة سياحية وينام النصف الآخر من اليوم. تخرج من قسم الفلسفة، ولكنه لم يجد عملا غير تقديم الخمور للسائحين. هو لم يذق الخمر في حياته، ولا يعرف شيئا عن تقاليد تقديمه، ولكنه العمل الوحيد الذي قبل به، فقبله حنا بلا حماس أو اعتراض، قبله فحسب، ووأد معه أحلامه القديمة في أن يكون كاتبا مرموقا للقصص التي أدمنها وعاشت معه في عالمه السري الخاص، مكتفيا بها، لايطلع عليها أحد، ولايحتاج من أحد شيئا. لهذا، فهو في غير حاجة لزوجة تشاركه حياته المحدودة، فبعد العمل والنوم وتدوين أحلامه وقصصه الصامتة، لم يعد هناك وقت لشريك. لا يفكر في الذهاب إلى الكنيسه، فليس لديه مايعترف به لقسيس، وليس لدية طموح في خلاص. وهكذا.. فحنا، يعيش خارج كل منظومة اجتماعية أو دينية او اقتصادية أو حتى ثقافية، هكذا يعيش الشاب حنا ماتبقى له من العمر.
إن الطاقة التصويرية في لغة هيدرا جرجس لاتكف عن إنتاج زخات دلالية تزيح بطل الرواية إلى أقصى حدود الهامش. بما يؤهلنا للتعاطف معه، ويؤهل حنا ليكون بطلا جديرا بالمأساة التي ستحدث له. وبهذا المعنى قد نظن أننا بإزاء رواية شخصية لا رواية مكان. لكن الأمر ليس على هذه الدرجة من البساطة، فالهامش الذي يكتب عنه هيدرا مركب ومعقد، لهذا يحضر المكان على نحو يجعله صوتا موازيا للشخصية في هامشيتها.ومع خطوات محسوبة من التصعيد الدرامي يلتقيان ويصبح كل منهما دال على الآخر. وبهذا التصعيد تتحقق جدلية الإنسان والمكان، فكلاهما وطن، وكلاهما ينطوي على تاريخ من التهميش.
نحن هنا بإزاء مكان يتداعي، يتآكل من داخله نتيجة لعوامل ثقافية قديمة مازالت ترعى في جسده الهزيل، إنها واحدة من مدن الصعيد، انحسرت في شريط ضيق بين النيل والجبل، وإذا كان النيل يرميها ـ بين حين وآخر ـ ببعض السائحين كمصدر لرزق هزيل، فإن الجبل يزخها بعواصف ترابية حادة، ومع ارتفاع حرارتها تتحول إلى قطعة من الجحيم. مدينة صغيرة لاتتجاوز شوارعها عدد أصابع اليد الواحدة، تنتهى أو تبدأ بشارع ضيق يكفي بالكاد لمرور ثلاثة أفراد، ولكل شارع اسم مجهول، لايعرفه أحد ولا أحد يذكر الآن لماذا سميت الشوارع هكذا: شارع الجمهورية، شارع 23 يوليو.. وهكذا تحمل هذه الأسماء تاريخا يتآكل ويتداعى أيضا. لتنسحب دلالة المكان ( المدينة الصغيرة ) على الوطن الكبير، كلاهما يتآكل ويتداعى.
عندما أسست هذه المدينة في الخمسينيات كانت رمزا للمشروع النهضوي الذي تكفلت به ثورة يوليو. وصممت مدينة حديثة لتناسب عمال ومهندسي وخبراء مصنع السكر الذي أقيم على الجانب الآخر منها. ومازالت شواهد هذا التاريخ المجيد ماثلة لكنها ـ الآن ـ بائسة الدلالة مجهولة المعني، ليس فقط أسماء الشوارع، ولكن ـ أيضا ـ نافورة الميدان الوحيد التي على شكل سمكة،كانت إهداءً من الحكومة الكندية، ورمزا على الصداقة، لكنها الآن مجرد حوض لتشرب منه خيول العربجية. المرفأ الذي كان منفذا لصناعة وتجارة السكر، تحول إلى مرسى صغير للمراكب السياحية. والعمارة الكبيرة التي تطل على النيل ويسكنها حنا الآن، هجرها سكانها تقريبا، فيما ظل اسمها: ( عمارة الخبرا ) شاهدا على مجد قديم لم يبق منه سوى الحطام والعجز، تماما مثل ( حسين ) جار حنا وصديق طفولته.
كان حسين صبيا جريئا مقبلا على الحياة، اعتاد القفز على قطار القصب الذي يشق المدينة إلى مصنع السكر، وذات يوم، التهم القطار ساقيه، فأمضى حسين باقي عمره قعيدا محطما، يلتهمه الإحباط واليأس، دائم الشجار مع أمه الأرملة، فيما تعهد حنا كلما حصل على راحة من عمله، أن يصطحب حسين إلى الصيد في النيل. العلاقة بين الشابين تجسيد رمزى فائق الدلالة عن علاقة وطيدة بين مسلم ومسيحي ولدا وتربيا معا في بيت واحد، وكلاهما يعاني نفس الأمر من الإحباط والتهميش، حنا الصامت الضعيف وحسين العاجز المشوه.
لم تكن رحلة الصيد الشهرية تعنى شيئا لأي منهما سوى أن العلاقة بينهما تمضي بقوة القصور الذاتي، بينما فقدت عنفوانها وحميميتها، فقط ،عاجزان يتساند كل منهما على الآخر، هذا هو واقع الحال، فلاحسين يصطاد شيئا ولا حنا راغب في أي صيد، هكذا يمضيان الوقت معا، بين ابتسامات المجاملة وإيماءات الامتنان، ربما على ذكريات قديمة لم يبق منها سوى هذه الجسلة الطلليةعلى شاطيء النيل.
وعلى الرغم من كل هذه العلامات التي تعمق دلالات التهميش في علاقة حنا بالمكان تظل هناك علامة كبرى ماثلة في خلفية النص، من خلال المشهد الاقتتاحي الذي جمع بين حنا وصديقه ( منصور ) وصفية غانية المدينة.
اعتاد حنا زيارة صديقه منصور في دكانه الصغير. ولسبب ما، انهمك منصور في الإدمان على الحشيش ومضاجعة صفية. ولسبب غير محسوب ـ أيضا ـ يجد حنا نفسه متورطا في علاقة مع صفيه، رتبها له منصور. ومع كثير من الخوف والارتباك تزوره في بيته، هي أيضا لا تجد سببا في مضاجعة شاب كئيب على غير دينها، ربما تفعل هذا من باب الاعتياد، كأي امرأة تعاني نفيا وتهميشا في مجتمع على هذه الدرجة من الصرامة الشكلية. وبحضور صفية على مسرح الأحداث، تطرح الرواية علامة جديدة عن التهميش الاجتماعي للمرأة. صفية مثل أي امرأة تعاني الفقر والجهل، لكنها تعرف أنها تمتلك جسدا مثيرا، وقادرا على أن يضمن لها الحد الأدني من الحياة. هي من الذكاء بحيث تعرف طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه، لذلك هى تخفى جسدها وراء نقاب، يترك مساحة صغيرة لعينين حائرتين مهزومتين. هكذا.. ثم شيء مشترك يجمع بين صفية وحنا في شقة واحدة، الهزيمة. لكن عيون الرقباء كانت تترصدهما، عندئذ تستحكم الحبكة التراجيدية في علاقة الإنسان بالمكان، عندما يقتحم البعض الشقة، وينهالوا ضربا وركلا على صفية وحنا معا. هكذا يتأكد معنى الهزيمة المشتركة بين حنا وصفية. فعندما سقطا تحت الأقدام، سقطت معهما كل أقنعة الزيف وأوهام السلام الاجتماعي.
إن مشهد الانسحاق تحت الأقدام، لايمثل فضحا للمسكوت عنه فحسب، بل هو النهاية الطبيعية لكل صور التهميش اليومي الذي تعانية المدينة وسكانها، ويأتي هذا المشهد عبر زخات درامية تتصاعد بين حالات التهميش والاغتراب والسأم لتصل إلى لحظة صاخبة وحاسمة، هى لحظة الانهيار الأخير لكل محاولات المقاومة.
إن بناء الرواية، الذي يمضي رتيبا وعلى مهل لمناسبة الواقع الكئيب للمكان وسكانه، يأخذ في التصعيد التدريجي، بلا مفاجئات وبسلاسة وكانما يستدرج القاريء إلى هذه اللحظة التي تحشدنا بكثير من الغضب، ويضاعف من إحساسنا بالغضب درجات من التعاطف والانحياز المشاعري لكل شخصيات الرواية بما في ذلك صفية، التي وضعت النغمة الأخيرة والأكثر صخبا في كروشندو التهميش.
نحن أمام نهاية تضع القاريء أمام واقعه، وتدفعة لمساءلة نفسه. لهذا فثم بعد أخير في هذه الرواية، هو ذلك الطابع التحريضي الذي تغمرنا به، ويدفعنا للثورة على واقعنا، عندئذ تنجح الرواية في تجسيد وجهة نظر الكاتب، وينجح النص في الكشف عن الأيديولوجيا المضمرة في خطابه، لنجد أنفسنا بإزاء عمل مميز يعرض لموضوعة الهامش الاجتماعي في تمثلات عديدة ومركبة.