انها رواية تعتبر من أفضل الأعمال التى قدمها “هدرا جرجس” في هذه الرواية أنه اعتمد على حدثٍ واحد وعدد محدود من الأبطال، ثم أقام العالم كله وأقعده حولهم، وترك للقارئ (الذي يتحول إلى مشاهد في أحيانٍ كثيرة) مشهد البطل في النهاية بشعره المجعّد وهذيانه المحموم، سائرًا في الطرقات، محطًا لأسئلة الكثير من العابرين واستنكارهم بعد أن تورطوا (ولاشك) فيما آل إليه حاله! لم يكن الدكتور “دميان” يتنبأ لابنه “حنا” الذي اعتبره “صيادًا للملائكة” وقادرًا على تخيل الأشياء الخفية ومناجاة الأرواح الطيبة، لم يكن يتنبأ له بمثل هذا المصير الأسود أبدًا؛ بل ولم تبدُ حياة “حنّا” الهادئة الوادعة تؤدي إلى ذلك أيضًا، تلك الحياة التي ابتعد فيها عن كل ما يتعلق بالآخرين، فلا أصدقاء، ولا زوجة، ولا احتكاك يولد المشاكل، لا شيء على الإطلاق. عامل بسيط “بار مان” على باخرة سياحية، لا يشارك حتى في شرب ما يقدمه للآخرين، ولا يسعى -كغيره- إلى سهرات حمراء أو صفراء مع ركاب تلك الباخرة التي يحلم الكثيرون بالوجود على سطحها، هو هناك في عالمه الخاص جدًا في وحدته التامة، يتأمَّل عريه ويراقب العصافير حتى في محبسه، ويناجي الإله الذي يؤمن به بطريقة فطرية لا دخل له فيها، ولكن المدينة تأبى وأهل المدينة يستنكرون! لم يكن “حنّا” رجلًا عاديًا وعابرًا في حياة المدينة (تلك التي لم يشر الكاتب إلى اسمها وإن كان قد اكتفى بوصفها بكونها لا تبعد عن “أسوان” كثيرًا) لقد كان رجلًا مسيحيًا، والمدينة رغم تعاملها الظاهري ببساطة مع ذلك “المسيحي”؛ إلا أن التفرقة العنصرية والمعاملة غير الإنسانية خامدة تحت الرماد، تبدو في تصرفات أطفال المدرسة العدوانية، الذين حاولوا أن يجبروه على “الإسلام” بنطق الشهادتين، فلم يخلصه من بين أيديهم إلا امرأة ظهرت لحنّا فجأة “كملاك رحمة”، تبدو كذلك في موقف “العاهرة” المسلمة التي اتخذت من “النقاب” ستارًا لممارستها الرذيلة، ثم هي ترفض بشدة أن تأتي لـ”مسيحي” في بيته، تلك العاهرة التي قبلت في النهاية ودخلت بيت “حنّا” بتحريض من صديقه المسلم “منصور”، لينكشف أمرهم وتتجمهر المدينة كلها حول بيت “حنّا” الذي تخلصه الشرطة من بين أيدي الناس بصعوبة لتمارس إهانته بطريقتها الخاصة في السجن! وحشية الإنسان! تبدأ الرواية بمشهدٍ دال يشاهده شخصيات الرواية الأساسية الثلاث مصادفة في وقت واحد، هو مشهد افتراس “أسد” للإنسان، يبدو المشهد قاسيًا وتفاصيله مقززة، ولكن الكاتب/ الراوي رصد بدقة ردود أفعال كل شخصية منهما إزاء ذلك المشهد العابر، بدا المشهد على ما فيه من قسوة عاكسًا لنفسيات وشخصيات مشاهديه الثلاثة، الذين سنتعرف عليهم فيما بعد لنكتشف أن “الإنسان” ممثلًا في “منصور” وأهل مدينته الذين تجمهروا حول “الإنسان”/”الآخر” المختلف عنهم في الديانة فقط “حنّا” وكادوا يفترسونه، كانوا أكثر وحشية من ذلك الأسد؛ ذلك أنهم حولوا ذلك الإنسان من شخصية هادئة مسالمة إلى مجنون يهذي! الفرد المهمش في مواجهة العالم! لا يمكن أن تقتصر صورة “حنّا” المسيحي “صياد الملائكة” في ذهن القارئ والمتلقي على تلك الحادثة رغم كونها دالة ومؤلمة ومتكررة، حيث نجح “هدرا جرجس” في تحويل بطله الهامشي إلى “أمثولة” يعبّر بها عن ذلك النوع من البشر، يغدو فيها بطلًا إشكاليًا بامتياز يواجه العالم وحده، لا يريد منه شيئًا ولا يطالبه بشيء، ومع ذلك تتحد كل الظروف والملابسات والمواقف ضده حتى تبدو وكأنها تتآمر عليه: (كان منظره مريبًا، لا لغباء أصيل في طباعه، وإنما لأنه كان دومًا مثل كتاب مفتوح لا يمكن أن تستغلق عليك سطوره، لا يكذب، ليس في كلامه فحسب بل في مظهره أيضًا، تعبيراته، حركات يديه طريقة سيره ونبرات صوته، باختصار كان عدوًا لذات نفسه، إذا اقترف ذنبًا يتحوَّل بكل كيانه إلى إصبع اتهام ويشير إليها!). يبرع “هدرا” -من خلال راويه العليم الذي يشارك القارئ الحكاية ويذكره بتفاصيلها- في رصد المواقف الدالة والمشاهد المؤثرة التي تصوّر كل شخصية بأقل قدرٍ من الكلمات، يبدو ذلك في اللقطات التي “ظهرت” فيها “صفية” تلك العاهرة المنتقبة التي يصفها صديقه “منصور” بأنها مصابة “بالشيزوفرانيا”. وليست صفية وحدها المصابة بالشيزوفرانيا، كذلك “منصور” نفسه الذي يسخر من صاحبه ويتآمر عليه بعد معرفته بظروفه وأنه يعيش في بيته بمفرده، فيعد له “الخطة” لكي تذهب “صفية” العاهرة إلى منزله، وإذا به يختفي بعد ذلك فجأة تاركًا صديقه ينهشه الناس وينتقمون من “النصراني الكافر”! لم تقتصر إدانة “هدرا جرجس” لمجتمع المدينة على مسلميه فحسب، ففي فصل قصير يأتي ذكر دور “أسقف المدينة” الذي لا يختلف كثيرًا في سلبيته ولا مبالاته عن صديق “حنّا” وغيره من أهل المدينة، يبدو اهتمامه “بالرهبنة” ظاهريًا، يقرأ “سير الرهبان” ولكنه ينفذ تعليمات “الحكومة” حتى يحصل على امتيازات خاصة. (عرف الأسقف أن ترميم سقف الكنيسة الذي أوشك على السقوط فوق رؤوس المصلين مرهون بتأييد رجال الحكومة، تأييدًا يبلغ مداه حد الإشادة بهم في العظات، بالإضافة إلى أنه لا ينسى كم الخدمات التي يقدمها له هذا الجهاز…). لذلك؛ فإن أمر محاولة قتل شاب مسيحي ليس من شأنه! كذلك يرسم الراوي بصدق بالغ دور “ضباط الشرطة” الذين يمارسون دورهم المعروف في تعذيب وإهانة “حنّا”، لاسيما كونه نصرانيًا وقع بين أيديهم فلا يتورعون عن جلده بعد أن يغمضوا عينيه، ويقولون له (هنا في بلدنا الناس أنواع.. لازم تعرف نوعك.. البلد فيها نظام يا كلب!). تقنيات سردية جذابة ربما تكون التقنية الأبرز في الرواية هي “السارد المشارك” الذي يبدو لنا موجهًا خطابه إلى المتكلم في كثير من الأحيان، وهو يشارك القارئ الحكاية بعبارات مثل (كما قلنا سابقًا)، (سنتركه يستعرض حياته كيفما يشاء)، (سيحدث ذلك على النحو التالي) (كما عرفنا).. وغيرها من العبارات التي تُشعر القارئ بالحميمية في الحكاية وأنه يكاد يكون مشاهدًا رئيسًا يلفت الراوي انتباهه كلما شعر بأنه أفلت منه. يتضح لنا أيضًا، الطريقة السينمائية في عرض المشاهد والمواقف والانتقال بين الأزمنة في الحكايات، لاسيما المشاهد التي يتعرض فيها الراوي لطفولة “حنّا” وعلاقته بوالده الطبيب “دميان”، الذي كان يرى فيه شخصية غريبة ولكنه يوقن أنه سيصبح “راهبًا” متميزًا، وكذلك اعتماد “هدرا” على تقنية الفصول القصيرة المعنونة بعناوين تفتح مجال التأويل وتحفز على مواصلة القراءة مثل (ملائكة الشرفة.. وشياطين السطوح)، و(الأسد وحكاية الثعبان الأليف)، ثم (الآكل والمأكول)، والفصل الدرامي الأخير الذي يحمل اسم (الجلجثة). تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية هي رواية “هدرا جرجس” الثانية، كان قد سبقها رواية (مواقيت التعري) التي حازت على المركز الأول بجائزة ساويرس لشباب الأدباء عام 2011.
لم يكن الدكتور “دميان” يتنبأ لابنه “حنا” الذي اعتبره “صيادًا للملائكة” وقادرًا على تخيل الأشياء الخفية ومناجاة الأرواح الطيبة، لم يكن يتنبأ له بمثل هذا المصير الأسود أبدًا؛ بل ولم تبدُ حياة “حنّا” الهادئة الوادعة تؤدي إلى ذلك أيضًا، تلك الحياة التي ابتعد فيها عن كل ما يتعلق بالآخرين، فلا أصدقاء، ولا زوجة، ولا احتكاك يولد المشاكل، لا شيء على الإطلاق.
عامل بسيط “بار مان” على باخرة سياحية، لا يشارك حتى في شرب ما يقدمه للآخرين، ولا يسعى -كغيره- إلى سهرات حمراء أو صفراء مع ركاب تلك الباخرة التي يحلم الكثيرون بالوجود على سطحها، هو هناك في عالمه الخاص جدًا في وحدته التامة، يتأمَّل عريه ويراقب العصافير حتى في محبسه، ويناجي الإله الذي يؤمن به بطريقة فطرية لا دخل له فيها، ولكن المدينة تأبى وأهل المدينة يستنكرون!
لم يكن “حنّا” رجلًا عاديًا وعابرًا في حياة المدينة (تلك التي لم يشر الكاتب إلى اسمها وإن كان قد اكتفى بوصفها بكونها لا تبعد عن “أسوان” كثيرًا) لقد كان رجلًا مسيحيًا، والمدينة رغم تعاملها الظاهري ببساطة مع ذلك “المسيحي”؛ إلا أن التفرقة العنصرية والمعاملة غير الإنسانية خامدة تحت الرماد، تبدو في تصرفات أطفال المدرسة العدوانية، الذين حاولوا أن يجبروه على “الإسلام” بنطق الشهادتين، فلم يخلصه من بين أيديهم إلا امرأة ظهرت لحنّا فجأة “كملاك رحمة”، تبدو كذلك في موقف “العاهرة” المسلمة التي اتخذت من “النقاب” ستارًا لممارستها الرذيلة، ثم هي ترفض بشدة أن تأتي لـ”مسيحي” في بيته، تلك العاهرة التي قبلت في النهاية ودخلت بيت “حنّا” بتحريض من صديقه المسلم “منصور”، لينكشف أمرهم وتتجمهر المدينة كلها حول بيت “حنّا” الذي تخلصه الشرطة من بين أيدي الناس بصعوبة لتمارس إهانته بطريقتها الخاصة في السجن!
وحشية الإنسان!
تبدأ الرواية بمشهدٍ دال يشاهده شخصيات الرواية الأساسية الثلاث مصادفة في وقت واحد، هو مشهد افتراس “أسد” للإنسان، يبدو المشهد قاسيًا وتفاصيله مقززة، ولكن الكاتب/ الراوي رصد بدقة ردود أفعال كل شخصية منهما إزاء ذلك المشهد العابر، بدا المشهد على ما فيه من قسوة عاكسًا لنفسيات وشخصيات مشاهديه الثلاثة، الذين سنتعرف عليهم فيما بعد لنكتشف أن “الإنسان” ممثلًا في “منصور” وأهل مدينته الذين تجمهروا حول “الإنسان”/”الآخر” المختلف عنهم في الديانة فقط “حنّا” وكادوا يفترسونه، كانوا أكثر وحشية من ذلك الأسد؛ ذلك أنهم حولوا ذلك الإنسان من شخصية هادئة مسالمة إلى مجنون يهذي!
الفرد المهمش في مواجهة العالم!
لا يمكن أن تقتصر صورة “حنّا” المسيحي “صياد الملائكة” في ذهن القارئ والمتلقي على تلك الحادثة رغم كونها دالة ومؤلمة ومتكررة، حيث نجح “هدرا جرجس” في تحويل بطله الهامشي إلى “أمثولة” يعبّر بها عن ذلك النوع من البشر، يغدو فيها بطلًا إشكاليًا بامتياز يواجه العالم وحده، لا يريد منه شيئًا ولا يطالبه بشيء، ومع ذلك تتحد كل الظروف والملابسات والمواقف ضده حتى تبدو وكأنها تتآمر عليه:
(كان منظره مريبًا، لا لغباء أصيل في طباعه، وإنما لأنه كان دومًا مثل كتاب مفتوح لا يمكن أن تستغلق عليك سطوره، لا يكذب، ليس في كلامه فحسب بل في مظهره أيضًا، تعبيراته، حركات يديه طريقة سيره ونبرات صوته، باختصار كان عدوًا لذات نفسه، إذا اقترف ذنبًا يتحوَّل بكل كيانه إلى إصبع اتهام ويشير إليها!).
يبرع “هدرا” -من خلال راويه العليم الذي يشارك القارئ الحكاية ويذكره بتفاصيلها- في رصد المواقف الدالة والمشاهد المؤثرة التي تصوّر كل شخصية بأقل قدرٍ من الكلمات، يبدو ذلك في اللقطات التي “ظهرت” فيها “صفية” تلك العاهرة المنتقبة التي يصفها صديقه “منصور” بأنها مصابة “بالشيزوفرانيا”.
وليست صفية وحدها المصابة بالشيزوفرانيا، كذلك “منصور” نفسه الذي يسخر من صاحبه ويتآمر عليه بعد معرفته بظروفه وأنه يعيش في بيته بمفرده، فيعد له “الخطة” لكي تذهب “صفية” العاهرة إلى منزله، وإذا به يختفي بعد ذلك فجأة تاركًا صديقه ينهشه الناس وينتقمون من “النصراني الكافر”!
لم تقتصر إدانة “هدرا جرجس” لمجتمع المدينة على مسلميه فحسب، ففي فصل قصير يأتي ذكر دور “أسقف المدينة” الذي لا يختلف كثيرًا في سلبيته ولا مبالاته عن صديق “حنّا” وغيره من أهل المدينة، يبدو اهتمامه “بالرهبنة” ظاهريًا، يقرأ “سير الرهبان” ولكنه ينفذ تعليمات “الحكومة” حتى يحصل على امتيازات خاصة.
(عرف الأسقف أن ترميم سقف الكنيسة الذي أوشك على السقوط فوق رؤوس المصلين مرهون بتأييد رجال الحكومة، تأييدًا يبلغ مداه حد الإشادة بهم في العظات، بالإضافة إلى أنه لا ينسى كم الخدمات التي يقدمها له هذا الجهاز…).
لذلك؛ فإن أمر محاولة قتل شاب مسيحي ليس من شأنه! كذلك يرسم الراوي بصدق بالغ دور “ضباط الشرطة” الذين يمارسون دورهم المعروف في تعذيب وإهانة “حنّا”، لاسيما كونه نصرانيًا وقع بين أيديهم فلا يتورعون عن جلده بعد أن يغمضوا عينيه، ويقولون له (هنا في بلدنا الناس أنواع.. لازم تعرف نوعك.. البلد فيها نظام يا كلب!).
تقنيات سردية جذابة
ربما تكون التقنية الأبرز في الرواية هي “السارد المشارك” الذي يبدو لنا موجهًا خطابه إلى المتكلم في كثير من الأحيان، وهو يشارك القارئ الحكاية بعبارات مثل (كما قلنا سابقًا)، (سنتركه يستعرض حياته كيفما يشاء)، (سيحدث ذلك على النحو التالي) (كما عرفنا).. وغيرها من العبارات التي تُشعر القارئ بالحميمية في الحكاية وأنه يكاد يكون مشاهدًا رئيسًا يلفت الراوي انتباهه كلما شعر بأنه أفلت منه.
يتضح لنا أيضًا، الطريقة السينمائية في عرض المشاهد والمواقف والانتقال بين الأزمنة في الحكايات، لاسيما المشاهد التي يتعرض فيها الراوي لطفولة “حنّا” وعلاقته بوالده الطبيب “دميان”، الذي كان يرى فيه شخصية غريبة ولكنه يوقن أنه سيصبح “راهبًا” متميزًا، وكذلك اعتماد “هدرا” على تقنية الفصول القصيرة المعنونة بعناوين تفتح مجال التأويل وتحفز على مواصلة القراءة مثل (ملائكة الشرفة.. وشياطين السطوح)، و(الأسد وحكاية الثعبان الأليف)، ثم (الآكل والمأكول)، والفصل الدرامي الأخير الذي يحمل اسم (الجلجثة).
تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية هي رواية “هدرا جرجس” الثانية، كان قد سبقها رواية (مواقيت التعري) التي حازت على المركز الأول بجائزة ساويرس لشباب الأدباء عام 2011.