أزهار الموت أزهار الموت discussion


1 view
جريدة الأخبار اللبنانية - «عربستان» التي تخالف مدينة أفلاطون

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

فايز غازي Fayez Ghazi كتبت سارة سليم:

«أنا سكبت لهم الموت وهم متمسكون بالحياة، أمّا أنا فأشرب الموت وأنا له بكلّيتي» هكذا تكلم الروائي اللبناني فايز غازي في عمله «أزهار الموت» (دار الفارابي، 2020) الذي يعيدنا إلى المأساة اليونانية، إلى المسرح الشعبي اليوناني في مقاربته لفلسفة الموت. يتناول شخوصه من الداخل، ويعطي الأولوية للجانب النفسي والأخلاقي بدل الجسدي، وطبعاً، نرى في أحيان أخرى الجانب الاجتماعي في تفاعلاتهم والمحيط، إذ يرى أن الحياة التي تتفاقم فيها الشرور ويصبح للفساد صوت قوي، تنزع فكرة الموت إلى النزعة البطولية وتصبح فكرة قبل أن تكون واقعاً، ومن هنا يقفزُ إلى أذهاننا مباشرة تساؤل سيوران: ‏هل تتوافقُ الكتابة الأنيقة مع الفِكر المتشائم؟.

وللإجابة عن تساؤل سيوران في ما يخصّ الكتابة الجيدة والتشاؤم، برأيي أنّ الكتابةَ لا تخضعُ لأي قيد ولا يمكن أيضاً أن تصنّف ضِمن إطار معيّن، كأنْ نقول رواية بوليسية، اجتماعية، سياسية أو تاريخية إلى غير ذلك من التصنيفات؛ التي أعتقدُ أنّ لا وجود لها، لأنّ الرواية كعملٍ إبداعيّ يستوعبُ كلّ شيء، ممكن، تحتملُ الرواية حكايات تاريخية أو وقائع سياسية، أو لربّما أشياء خيالية لا يمكن أن يستوعبها الواقع، لكن الرّواية كفنٍّ يمكنُ أن تستوعبَ كلّ شيء، ما يحيلني دائماً إلى قول كيليطو: وتستوعبهم الرواية.


فايز غازي قدّم في رواية «أزهار الموت»، أنموذجاً يتمثّل في مقاطعة عربستان. وطبعاً من خلال هذه المقاربة، هو لا يريد من القارئ أن يسقطَ أحداث الرواية على الواقع، كأن يقول القارئ إنّ الرواية تتناول الفساد السياسي والديني والأخلاقي، الأشياء التي سيفهمها كلنا من القراءة، وخاصّة الآن مع وجود مواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت العالم كلّه يعيشُ اللحظات السعيدة والحزينة في الوقت نفسه.
الكاتب لا يحبّذُ أن تُفهم الرّواية بهذا الشّكل البسيط، أي كحكاية ثم يُعاد شرحها، متحدثاً عن فارس وعلاقته بالسجان، والأمر الذي أوصله هناك، وحبّه لهمسة وعلاقته برأس العصابة... كل هذه الأمور مكشوفة، لكن ما الذي تريد أن تقوله «أزهار الموت»؟
ما هي طروحاتها الفلسفية وإضافتها لفنّ الرواية؟ وما هو تساؤلها؟
يقول في الإهداء: «إلى كل الهمسات العالقة في الصدور». في البداية سيفهم الإهداء بشكله الظاهر، همسة أحد شخوص الرواية كأنه يريد القول إنّها بقيت كالغصّة في حياة فارس حتّى انتقم لها، لكن عند الانتهاء من القراءة، نعود مجدداً إلى نقطة البداية لفكّ شفرات الرواية، ونعاود مرّةً أخرى استقراء جُملها المكثفة التي تتجاوز عدد صفحاتها، فهو كثّف المعنى الذي يحتمل الكثير من التفسيرات والتأويلات.
وقبل الإجابة على هذه النقطة، نلاحظ أنّ الشكل الروائي الذي قدّم به فايز عمله مختلف، إذ أنك لا تستوعب الحكاية حتى تنهي العمل. وهذا برأيي من العوامل التي حرص فايز أشدّ الحرص على التعامل معها بشكلٍّ متفرّد. لا شك في أنه قارئ متفردٌ. وكما يقول ريكاردو بيجليا في كتابه «القارئ الأخير»: «يخلق الأدب فردانية من يقرأ. ففايز لا يشرحُ الرواية في ما يظهر منها من أفكار، بل اتّخذ الظاهر منها كوسيلة تتيحُ للقارئ فهم ما بين السطور ليتّضح له مسار الرّواية، إذ يقول بيجليا في كتابه أيضاً: «علينا أن نتعلّم قراءة ما بين السطور لنعثر على الطريق».


وعودة إلى الإهداء: «إلى كلّ الهمسات العالقة في الصدور»، هو هنا لا يقصد امرأة بعينها أو بطلة الرّواية همسة، بل المقصود بالهمسة هي الحرية في مفهومها العام، إذ يرى أن أيّ دور فينا يبدأ حين لا يُمكن السطو على حريته في قول ما يريد، وتنتهي عندما يتم السطو عليها.
اتخاذه للمدينة المتخيّلة «عربستان»، التي تخالف في رؤاها مدينة أفلاطون الفاضلة، يؤسس لكلّ الشرور التّي يبدعُ البشر في صياغتها من أجل وهم البقاء والاستمرار، إذ أن بعضاً ممّن يتقلّد السُلطة تصل به الغطرسة وحب الذّات إلى توهّم نفسه بدرجة إله بشري لا يمكن أن يحاسب، فالعدالة من زاوية نظره القاصرة، هي الأشياء التي تقوم بها، أي العدالة تنطلق من أفعاله الشيطانية. فهو يرى أن كل ما يقوم به جيّد ويصبّ في مفهوم عدالتهم الخاصّة، حتّى أنه يقوم بتزوير أيّ شيء من أجل أن يحقّق ما يراه صائباً. ونرى ذلك حينما حوّل القتيل الذي استحق القتل (من مفهوم الرواية كشخص سيء تم الانتقام منه جراء الأفعال الدنيئة التي قام بها) إلى شهيد من أجل الوطن والواجب.
في أرض عربستان، حتّى النهايات المستحقة للأشرار تجعلهم أخياراً في عيون شعوب ضعيفة مغلوبة على أمرها تصدّق كلّ ما يمكن أن يبعث في نفسها البطولة المتوهمة.
وإجابة على تساؤلات الرّواية وما تطرحه، فإن الكاتبَ قارب مفهوم الحرية والدين والسياسة عندما تكون بيد بني البشر وكيف تحولهم، إذا اجتمعت إلى كائنات مشوّهة، هناك عبارة في الرّواية تلخص هذه الفكرة: «الإنسان هو القنبلة الأشد خطراً إذا ما لاءمت بين مكنوناته النفسية الدقيقة والصاعق الذي يفجّره».


تجدرُ الإشارة إلى أنّ رواية «أزهار الموت» ثاني أعمال فايز غازي الّذي هو قارئ نوعي، قبل أن يكون روائيّاً. وبطبيعة الحال ليس كل كاتب قارئاً، إذ أنّ بعضهم يعتبرُ القراءة حالةً طارئة في حياة الكاتب، في حين أرى أنّ الكتابة حالةٌ طارئة في حياة المُبدع.


back to top