المجالس المجالس discussion


1 view
مجلس الموت

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

أنس الدغيم ضيوف المجلس : ( الزمخشريّ، جلال الدين الروميّ، محمد إقبال، الرافعي، سيّد قطب، حسن البنا)
......
أمّا هذا المجلس فقد افتتحه شيخُنا الزمخشريّ بقوله :
(يا ابنَ أُمّي وأبي هات، حديثَ الآباء والأمّهات، وحدِّثْ عن رجالِ العشيرة، وكرامِ الأخلّاءِ والجيرة، من الجارِ الجُنُب، وماسِّ الطُّنُب، ومَن جاثَنياهُ على الرُّكَبْ، وجارَيناه في كَشْفِ الكُرَبْ، ومَن رفدَنا بالخير ورفَدْناه، ومَن أفادَنا الحكمةَ وأفَدْناه، قدِ اقتضاهم مَن أوجدَهُم أن يَفْنَوْا، وخَلَتْ منهم الدّيارُ كأن لم يغنَوْا، وكفى بمكانهم واعظاً لو صودفَ من يتّعظ، وموقِظاً عن الغفلةِ لوْ وُجدَ مَن يستيقظ).
ثمّ قرأتُ عليهم من قَولِ صاحبِنا لمُريده، إذ يقول:
واعلَمْ أنّ الموتَ عند أهل الصدقِ والإيمان الحقِّ هو ترجمانُ الشّوقِ إلى الله ولقائه، وإنّه عَودةُ الرّوحِ إلى وطنها الأوّل، ولقاء صاحب المُلك.
ولقد سُئِلتُ مرّةً: ما هو دواءُ الشّوق؟ فقلتُ: هو الموت، فقال ليَ السّائلُ: ولكنّي أسمعهم يقولون: إنّ دواءَه اللّقاء، قلتُ: أجلْ؛ هو ذاك، ولكن من تُلاقي؟ فقال: ألقى الحبيب، فقلتُ له: ومن هو حبيبُك؟ … فَبُهتَ الذي فكّرْ.‍‍‍‍
إنّه إغماضةُ العينين، ولكنّه انفتاحُ القلبِ على عالَم السّماء، وإنّه سكونُ الجوارحِ والأعضاء، ولكنّه طيرانُ الرّوح إلى فضاءِ الشّهودِ واللّقاء.
فاستوقفني هنا مولانا جلال الدين الروميّ وقال:
(إنّ هنالكَ فرقاً بين موتٍ وموت، فالعارفونَ لا يُقاسُ موتُهم على مَوت الجهلاء والعامّة. إنّ العارفين لا يتوجّعون ولا يحزنون لمفارقتهم هذه الدنيا الفانية، ويستقبلون الموتَ مسرورين فَرِحين.
إنّ الموتَ في حقِّهم نفحةُ حياة، ورسالةُ فوزٍ ونجاة.
لقد كانت الريحُ التي أرسلها الله على أمّة هودٍ لفحةً وجحيماً على الكافرين، ونفحةً ونعيماً على المؤمنين)
ثمّ تلا قولَه تعالى: ( فأمّا إنْ كان من المُقَرَّبين، فرَوحٌ وريحانٌ وجنّةُ نعيم، وأمّا إن كان من أصحابِ اليمين فسلامٌ لك من أصحاب اليمين، وأمّا إنْ كان من المُكذِّبين الضالّين، فنُزُلٌ من حَميمٍ وتَصليةُ جحيم).
فقال محمد إقبال: أجل
آيةُ المؤمنِ أن يلقى الرّدى ... باسمَ الثَّغرِ سروراً ورِضا
ثمّ قلت، ويقول صاحبُنا:
لا تنسَ الموتَ فتخلدَ إلى الحياة، ولْيكُنْ إذا ما جاءكَ، حبيباً جاء على شَوق، فما هي إلا نزعةٌ أو سكرة، حتّى تلحقَ بالرَّكْب، وما هي إلا طَرفةُ عينٍ حتى تكون في جنّاتِ النّعيم بإذنِ ربّ العالمين.
فهذا بلالٌ الحبشيّ رضي الله عنه، يعالجُ سكراتِ الموت، فتندبه زوجه وتقول:
وابأساه.. واحزناه، فيقول لها: بلْ قولي… وافرحاهُ… واطرباه، غداً ألقى الأحبّة، محمّداً وصحبَه.
طاروا على أجنحةِ الشّوق، وفنوا عن العوالم والخلق، وغابوا في الملك الحقّ، فالموتُ عندهم حياة، وسكراتُه جذباتُ عشقٍ من كفِّ الحبيب.
وهذا معاذُ بن جبلٍ رضي الله عنه يقولُ وهو يُغالبُ سكراتِ الموت: أيْ ربّ.. اخنُقني خَنَقاتِك، فَوعزّتك وجلالك إنّي أحبّك.
فقال حسن البنّا:
(إنّ الأُمة التى تُحسِنُ صناعةَ المَوت وتعرف كيف تموتُ الموتةَ الشريفة، يَهَبُ اللهُ لها الحياةَ العزيزةَ فى الدنيا، والنَّعيمَ الخالد في الآخرة، وما الوهنُ الذي أذلّنا إلّا مِن حُبِّ الدنيا وكراهيةِ الموت)
ثم قرأت بعد ذلك آخرَ كلماتِ صاحبنا عن الموت، إذ يقول:
نعم: إنّه الموت، طريقٌ إلى حضرةِ الرّحمن، وما وارِداتُه إلا حَدْواً لقوافلِ العشقِ السّائرةِ إليه.
فإذا جاءكَ الموتُ فعلِّمْ قلبَكَ أنْ يقول: (وعَجِلْتُ إليكَ ربّ لِترضى).
فقال سيّد قطب:
إنّ الحياةَ الدنيا تتّصلُ بالحياة الآخرة
فنرى الموتَ نقلةً مِن عالَم الفَناء إلى عالَم البَقاء
وخطوةً يخلُصُ بها المؤمنُ مِن ضيق الأرضِ إلى سَعَة الجنّة
ومن تطاولِ الباطلِ إلى طُمأنينة الحَقّ
ومن تهديد البغي إلى سَلام النعيم
ومن ظُلمات الجاهليّة إلى نور اليقين.
وعند تمام قول سيّد قطب، انفضَّ مجلسُنا المبارَك.
فالحمدلله في الأولى والآخرة.


back to top