في واحدة من شذرات بيسوا في "كتاب اللاطمأنينة" يقول: "كل واحد منا متعدد في ذاته، كل واحد هو أشخاص متعددون أو امتداد لهم". وفي هذه الرواية تظهر السيرة الشخصية لبطل الرواية كما لو أنها تخصنا نحن، حكايته هي حكايتنا أو جزء منها، وسخريته من العالم هي طريقتنا المخبوءة في التعبير عن موقفنا، وقدره التراجيدي ينطوي على قدر كبير من رحلتنا، نحن الجيل الذي ولد في ظل الحروب، والخوف والهجرة.
لكن رغم ذلك تبدو هذه الرحلة من الداخل تشبه ما يحصل للمصارع الذي يترك الحلبة منتصرا، فقط لأنه حصل في النهاية على فسحته في النوم، والتي تنطوي على طبيعة تعويضية، وليس كما يظهر في سطح الحكاية، والتي يبدو المصارع فيه مهزوما، أو ممثلا يموت - قبل أن يكمل دوره - على المسرح.
"تقول أسطورة قديمة، إن الانسان يتحول بعد الموت الى موجود آخر يتلاءم مع ما حوله، فإن دُفن في الجبال تحول الى صخرة، وإن دفن في البحر تحول الى سمكة، وإن دفن في الصحراء غدا حبة رمل، لذا قررت أن أدفَن في حقل الكرز كي أتحول الى شجرة كرز". بهذا المقتطف الذي جاء على لسان رجل كبير مسنّ، جار البطل في رواية "النوم في حقل الكرز"، تتضح لي، أنا القارئ، الطبقة الأولى من العتبة النصية، غير أن السؤال الذي واجهني هو كيف يكون الموت قرينا للنوم السعيد؟ وكيف تصير اليقظة هي التعبير المفرط عن درامية الحياة بعيدا عن نظام العلامات، حيث لا تبدو الحياة مطلبا للكائن بل الموت، وبصيغة أخرى لا تظهر السعادة كشرط يرافق الوجود كحلم أو ضرورة، بل القبر باعتباره مأوى وتعويضاً عن سيرة مليئة بقصص الهزائم!
وفي خطابه المبثوث في معظم مساحة الحكي، يحاول البطل رسم صورة تعبر عن قرار نهائي بعدم العودة الى العراق، وكأن هذا القرار صادر من المنطقة الأعمق في ذاته مدعومة بمنطق الحياة نفسها والتي تسعى الى الجنة الأرضية، لكن المضمر في النسق السردي يتضح للقارئ ومن خلال اللغة المراوغة بأن "سعيد ينسين" يحاول بلا أمل أن يقتل رغبة قاسية ومرّة في العودة، هذه الرغبة تأتي على شكل كوابيس يظهر فيها الأب الغائب وهو يوجه سؤالاً للإبن، سؤالاً واحداً لا غير: "أين قبري؟"، كما لو أن هذا الطلب الملحّ والمصيري هو دعوة مكشوفة للعودة من أجل العثور على قبر لجثة هائمة تبحث عن مأوى. هذه الذريعة، الوهم الذي كان ينمو في طبقات لاوعي البطل، سوف تقوده الى القبض على الذكريات، الأشياء التي تربطه بالمدينة الأخرى البعيدة، قرينة الجحيم في الوعي، والجنة في اللاوعي، فيبدو خطابه الرافض واهناً وضعيفاً في ما تنشره اللغة من فضائح، تحتفظ بها في طبقة ما تحت السطح، وهذا ما ينكشف في النهاية، إذ يخترع لنا البطل قصة نحن كقراء لا نعرف مدى حقيقتها، علاقة افتراضية غامضة بدون تفاصيل مع بنت صحفية تبلغه يوما ما بأنه يجب أن يعود حالاً لأنها وجدت جثة أبيه في مقبرة جماعية... هكذا ينهار خطاب البطل الذي كافح ليظهره متماسكاً، وتنهار صورة الرافض للعودة، لتحل محلها صورة تتطابق مع خطاب اللاوعي في اللغة، النسق المضمر، والذي يكشف عن نهاية المعركة، بين ذواته المتعددة، معترفاً بأنه في ورطة عليه أن يتصدى لها، لمواجهة تتضمن الهروب الى التراجيديا التي تبدو وكأنها قدرنا جميعا، نحن الذين نشترك مع "سعيد ينسين" بحكاية واحدة.
وسعيد ينسين في رواية أزهر جرجيس، يبحث في الحقيقة عن مدينة مخبوءة في لاوعيه، عن مكان مثل حلم لن ينضج أبداً. يقول إيتالو كالفينو في مقطع من إحدى حكاياته في مدنه اللامرئية: "رأوا امرأة تركض في الليل عبر مدينة مجهولة، رأوها من ظهرها عارية، وبشعر طويل، حلموا أنهم يتعقبونها، وبينما هم ينعطفون ويستديرون، افتقدوها، وحين استفاقوا انطلقوا يفتشون عن تلك المدينة، فلم يجدوها، وجدوا مدينة أخرى".
لقد عثر ينسين على مدينة لا تشبه الصورة التي في الحلم والتي عرضها بشكل واقعي الكثير من العائدين الى الوطن، عثر على مدينة أخرى هي بمثابة سرير يصلح للنوم بعد رحلة لم يجد فيها المسافر شيئاً سوى الكوابيس. لهذا وصف السارد بغدادَ عند وصوله بروح تهكمية مشبعة بالأسى، ترفرف في سماواتها الغربان، وتتحطم على أرصفتها أجنحة الحلم، المدينة اللامرئية التي لم تعد. لقد انكشف له الحلم مثل جنين ميّت، فتركه هناك وعاد الى أوسلو لينام في حقل الكرز؛ سريره الذي كان تعويضاً عن تراجيديا السيرة.
وفي شذرة لنيتشة تعقيبا على حديث يتعلق بالنوم، يقول: "السعداء هم النائمون!" وأنا أنظر الى هذه الجملة التي تبدو غامضة، أو ربما مشحونة باليأس كما لو أن الصحو هو التعاسة المشفوعة بدراما ينفذها الكائن بدون اعتراض، وأنا أنظر لهذه المقولة أحاول مقاربتها مع حكاية سعيد ينسين، بطل حكاية أزهر جرجيس، والذي كان يبحث عن النوم كبديل عن اليقظة وهي شريط ذاكرته الذي لا يحمل سوى القليل من اللقطات السعيدة، فقد ولد بينما الأب كان قد اعتقل وأُعدم قبل أن يرى طفله الأول، ثم يعيش الطفل يتيماً مع أمه ليشهد وهو في التاسعة الحرب، ثم تضع الأقدار حياته بعد عشر سنوات على كف عفريت، فيهاجر خائفاً من الاعتقال ويغدو في النهاية لاجئاً في بلد تنخفض فيه الحرارة الى أقل من ثلاثين درجة تحت الصفر، يعمل ساعي بريد ويعيش حياته في كوابيس وأحلام يقظة لا يرى فيها سوى لقطة واحدة، يظهر فيها وجه أبيه مغطى بخرقة، ليطرح عليه السؤال نفسه في كل مرة: "أين قبري؟".
هنا نعود للمقاربة بين النوم باعتباره قريناً للموت السعيد، وهو القبر الذي يبحث عنه الأب، حيث أن المقبرة الجماعية هي حكاية مشتركة، والقبر المنفرد هو حكاية شخصية، الأب يبحث عن قصته المتشظية، ويظهر القبر في السؤال كذلك باعتباره حيرة، أو بحثاً مضنياً عن فكرة النوم السعيد، فالجثث بدون قبور تبقى هائمة تعيسة، مستيقظة تبحث عن تلك الفسحة الخاصة التي لا تفسدها الكوابيس، المعادل للحياة، حياة البطل نفسه الخالية حتى من السعادات الصغيرة.
هنا تبدو مفردة النوم في العنوان بأنها تقود الى القبر، حقل الكرز، فسحة السعادة، الشيء الذي لم يشعر به سعيد ينسين، والذي يحمل مفارقة كبيرة في اسمه، لا في الوطن بكونه جحيماً، ولا في المنفى بكونه تعذيباً بواسطة الصقيع؛ برودة المناخ وبرودة العاطفة. حتى علاقة الحب الوحيدة، مرّت كما لو أنها ومضة، ربما أراد سعيد نفسه اطفائها... إنها السعادة التي لم يشأ أن يحتضنها، لكي يعطي مبرراً لعودته الى الجحيم بحجة الواجب الأخلاقي؛ العثور على عظام أبيه، أو الرغبة بالعودة الى الوطن، المعادل للأب الفاقد للوجه والملامح.
القضية الأخرى في النص، والتي لا يمكن تجاوزها تتعلق بثنائية الوطن والمنفى، فعلى رغم أن الوطن هو الجحيم كما تدل السيرة الشخصية للسارد ههنا، يحتفظ الأخير في شقته وسط أوسلو بكل شيء يجعله قابضاً على ذلك الجحيم، شيء يجعل القارئ يشك بخطاب سعيد ينسين، الذي ينطوي على تأكيدات بأنه لن يعود الى العراق، بل ويسخر من فكرة العودة حتى بعدما عاد الكثيرون إثر الاحتلال. ولولا رسالة عبير، والتي تبدو كما لو أنها كذبة أو ذريعة، إذ لم يلتق بها إلا جثة في انفجار في الكرادة، علاقة افتراضية كما لو أنها متخيلة، أو خيط منسوج من الوهم للتمسك بذلك الوطن البعيد، الفضاء الذي تدور فيه جثة الأب بحثاً عن قبر لينام، لولا تلك الرسالة لما فكّر في العودة.
يقول السارد في مقتطف من الرواية: "دعوتها للجلوس في البالكون أولاً، وكنت قد أعددت هناك جلسة شرقية". ثم يبدأ بوصف المكان وهو يمر على المفردات جميعها، من النارجيلة الى السجادة، الى الشاي والسماور... في الحقيقة؛ لقد ظهر سعيد ينسين طوال السرد زاهداً في كل ما هو نرويجي، أو كل ما له علاقة بالثلج. حتى كاميرته، كانت بطاريتها قد نفدت قبل زمن طويل ولم يكلف نفسه شحنها أو استبدالها، أو التقاط صور، لكنه شحنها عندما ذهب الى العراق أخيراً، واهتم بحملها! هكذا يعود سعيد ينسين الى الجحيم بذريعة البحث عن وجه الأب الذي لم يره، والحقيقة أنه يبحث عن عظام وحسب، مدفونة في قبر جماعي. لقد خلق حكاية للعودة وأظهر نفسه بأنه لا يعرف شيئاً عما يحدق في العراق بعد التغيير، وهو بهذا يحاول التأكيد لذاته المضطربة أن العراق ليس جنة كما قال له صديقه سائق الحافلة في أوسلو، جمال سعدون، الذي اغتيل هو الآخر في تلك الجنة، لكن ينسين ليس سيئاً الى الحد الذي يجعله متطرفاً في القبض على فكرة اللاعودة.
هناك مسألة أخرى تتعلق بالترجمة، باعتبارها عملية بعث الحياة في جثة. "المترجم" في العتبة النصية، والذي انسحب بعد تسليمه السرد لسعيد ينسين، يقول إنه وجد هذا المخطوط - رواية سعيد ينسين - مكتوبا بالنرويجية في مكتب مديرة التحرير للجريدة التي كان البطل ينشر فيها قصصه الساخرة. وهو من قام بترجمتها، ليقدمها لنا باللغة الأم، لغة سعيد الذي حقق حلمه بالكتابة، لكنه حلم ولد ميتاً لأنه بلغة أخرى، وبهذا تبدو قضية الترجمة هنا - الذريعة السردية - كما لو أن روح سعيد نفسه تبحث عن قبر لينام، وليس الأب المعدوم قبل خمسة وثلاثين عاماً. فروايته هذه هي بالحقيقة هائمة في عالم من النسيان، بلغة أخرى، مدفونة مثل عظام جثة في درج مكتب رئيسة التحرير التي لا تبدو أنها مهتمة بنشرها، فهي تقول بأن ما فيها يخص ناساً آخرين، ربما لأنها ليست ساخرة بما يكفي لإضحاك قراء الصحيفة، وهنا كان لا بد لفعل الترجمة أن يحيي الروح في جسد النص البارد، لكي يتحول هذا الجهد الذي يبذله المترجم الى شيء يشبه النوم أخيراً، وحسب مقولة نيتشه: "النائمون هم السعداء".
إن لغة النص التهكمية الساخرة، تحيلنا الى طبيعة الشخصية نفسها. بعض الطروحات في علم النفس تقول إن السخرية تظهر صراع الهوية أو إنها آلية دفاعية لإخفاء مشاعر المرء الحقيقية. وهذا بالضبط ما ظهر عليه سعيد ينسين، العراقي المهاجر، والذي يكتب في صحيفة تصدر في أوسلو قصصاً ساخرة تضحك الآخرين. لكن الكاتب، المهرج الحزين، سوف يكتب سيرته الأخرى، حكايته التعيسة، وبلغة لا تخلو هي الأخرى من السخرية أو حس الفكاهة كما يبدو... إنها فكاهة سوداء تخصّ المهرج الذي يعود الى شقته، ليواجه الثلج في الخارج وكوابيسه في الداخل، ويحقق آخر أحلامه في أن يكون له قبر في حقل كرز.
زهير كريم
في واحدة من شذرات بيسوا في "كتاب اللاطمأنينة" يقول: "كل واحد منا متعدد في ذاته، كل واحد هو أشخاص متعددون أو امتداد لهم". وفي هذه الرواية تظهر السيرة الشخصية لبطل الرواية كما لو أنها تخصنا نحن، حكايته هي حكايتنا أو جزء منها، وسخريته من العالم هي طريقتنا المخبوءة في التعبير عن موقفنا، وقدره التراجيدي ينطوي على قدر كبير من رحلتنا، نحن الجيل الذي ولد في ظل الحروب، والخوف والهجرة.
لكن رغم ذلك تبدو هذه الرحلة من الداخل تشبه ما يحصل للمصارع الذي يترك الحلبة منتصرا، فقط لأنه حصل في النهاية على فسحته في النوم، والتي تنطوي على طبيعة تعويضية، وليس كما يظهر في سطح الحكاية، والتي يبدو المصارع فيه مهزوما، أو ممثلا يموت - قبل أن يكمل دوره - على المسرح.
"تقول أسطورة قديمة، إن الانسان يتحول بعد الموت الى موجود آخر يتلاءم مع ما حوله، فإن دُفن في الجبال تحول الى صخرة، وإن دفن في البحر تحول الى سمكة، وإن دفن في الصحراء غدا حبة رمل، لذا قررت أن أدفَن في حقل الكرز كي أتحول الى شجرة كرز". بهذا المقتطف الذي جاء على لسان رجل كبير مسنّ، جار البطل في رواية "النوم في حقل الكرز"، تتضح لي، أنا القارئ، الطبقة الأولى من العتبة النصية، غير أن السؤال الذي واجهني هو كيف يكون الموت قرينا للنوم السعيد؟ وكيف تصير اليقظة هي التعبير المفرط عن درامية الحياة بعيدا عن نظام العلامات، حيث لا تبدو الحياة مطلبا للكائن بل الموت، وبصيغة أخرى لا تظهر السعادة كشرط يرافق الوجود كحلم أو ضرورة، بل القبر باعتباره مأوى وتعويضاً عن سيرة مليئة بقصص الهزائم!
وفي خطابه المبثوث في معظم مساحة الحكي، يحاول البطل رسم صورة تعبر عن قرار نهائي بعدم العودة الى العراق، وكأن هذا القرار صادر من المنطقة الأعمق في ذاته مدعومة بمنطق الحياة نفسها والتي تسعى الى الجنة الأرضية، لكن المضمر في النسق السردي يتضح للقارئ ومن خلال اللغة المراوغة بأن "سعيد ينسين" يحاول بلا أمل أن يقتل رغبة قاسية ومرّة في العودة، هذه الرغبة تأتي على شكل كوابيس يظهر فيها الأب الغائب وهو يوجه سؤالاً للإبن، سؤالاً واحداً لا غير: "أين قبري؟"، كما لو أن هذا الطلب الملحّ والمصيري هو دعوة مكشوفة للعودة من أجل العثور على قبر لجثة هائمة تبحث عن مأوى. هذه الذريعة، الوهم الذي كان ينمو في طبقات لاوعي البطل، سوف تقوده الى القبض على الذكريات، الأشياء التي تربطه بالمدينة الأخرى البعيدة، قرينة الجحيم في الوعي، والجنة في اللاوعي، فيبدو خطابه الرافض واهناً وضعيفاً في ما تنشره اللغة من فضائح، تحتفظ بها في طبقة ما تحت السطح، وهذا ما ينكشف في النهاية، إذ يخترع لنا البطل قصة نحن كقراء لا نعرف مدى حقيقتها، علاقة افتراضية غامضة بدون تفاصيل مع بنت صحفية تبلغه يوما ما بأنه يجب أن يعود حالاً لأنها وجدت جثة أبيه في مقبرة جماعية... هكذا ينهار خطاب البطل الذي كافح ليظهره متماسكاً، وتنهار صورة الرافض للعودة، لتحل محلها صورة تتطابق مع خطاب اللاوعي في اللغة، النسق المضمر، والذي يكشف عن نهاية المعركة، بين ذواته المتعددة، معترفاً بأنه في ورطة عليه أن يتصدى لها، لمواجهة تتضمن الهروب الى التراجيديا التي تبدو وكأنها قدرنا جميعا، نحن الذين نشترك مع "سعيد ينسين" بحكاية واحدة.
وسعيد ينسين في رواية أزهر جرجيس، يبحث في الحقيقة عن مدينة مخبوءة في لاوعيه، عن مكان مثل حلم لن ينضج أبداً. يقول إيتالو كالفينو في مقطع من إحدى حكاياته في مدنه اللامرئية: "رأوا امرأة تركض في الليل عبر مدينة مجهولة، رأوها من ظهرها عارية، وبشعر طويل، حلموا أنهم يتعقبونها، وبينما هم ينعطفون ويستديرون، افتقدوها، وحين استفاقوا انطلقوا يفتشون عن تلك المدينة، فلم يجدوها، وجدوا مدينة أخرى".
لقد عثر ينسين على مدينة لا تشبه الصورة التي في الحلم والتي عرضها بشكل واقعي الكثير من العائدين الى الوطن، عثر على مدينة أخرى هي بمثابة سرير يصلح للنوم بعد رحلة لم يجد فيها المسافر شيئاً سوى الكوابيس. لهذا وصف السارد بغدادَ عند وصوله بروح تهكمية مشبعة بالأسى، ترفرف في سماواتها الغربان، وتتحطم على أرصفتها أجنحة الحلم، المدينة اللامرئية التي لم تعد. لقد انكشف له الحلم مثل جنين ميّت، فتركه هناك وعاد الى أوسلو لينام في حقل الكرز؛ سريره الذي كان تعويضاً عن تراجيديا السيرة.
وفي شذرة لنيتشة تعقيبا على حديث يتعلق بالنوم، يقول: "السعداء هم النائمون!" وأنا أنظر الى هذه الجملة التي تبدو غامضة، أو ربما مشحونة باليأس كما لو أن الصحو هو التعاسة المشفوعة بدراما ينفذها الكائن بدون اعتراض، وأنا أنظر لهذه المقولة أحاول مقاربتها مع حكاية سعيد ينسين، بطل حكاية أزهر جرجيس، والذي كان يبحث عن النوم كبديل عن اليقظة وهي شريط ذاكرته الذي لا يحمل سوى القليل من اللقطات السعيدة، فقد ولد بينما الأب كان قد اعتقل وأُعدم قبل أن يرى طفله الأول، ثم يعيش الطفل يتيماً مع أمه ليشهد وهو في التاسعة الحرب، ثم تضع الأقدار حياته بعد عشر سنوات على كف عفريت، فيهاجر خائفاً من الاعتقال ويغدو في النهاية لاجئاً في بلد تنخفض فيه الحرارة الى أقل من ثلاثين درجة تحت الصفر، يعمل ساعي بريد ويعيش حياته في كوابيس وأحلام يقظة لا يرى فيها سوى لقطة واحدة، يظهر فيها وجه أبيه مغطى بخرقة، ليطرح عليه السؤال نفسه في كل مرة: "أين قبري؟".
هنا نعود للمقاربة بين النوم باعتباره قريناً للموت السعيد، وهو القبر الذي يبحث عنه الأب، حيث أن المقبرة الجماعية هي حكاية مشتركة، والقبر المنفرد هو حكاية شخصية، الأب يبحث عن قصته المتشظية، ويظهر القبر في السؤال كذلك باعتباره حيرة، أو بحثاً مضنياً عن فكرة النوم السعيد، فالجثث بدون قبور تبقى هائمة تعيسة، مستيقظة تبحث عن تلك الفسحة الخاصة التي لا تفسدها الكوابيس، المعادل للحياة، حياة البطل نفسه الخالية حتى من السعادات الصغيرة.
هنا تبدو مفردة النوم في العنوان بأنها تقود الى القبر، حقل الكرز، فسحة السعادة، الشيء الذي لم يشعر به سعيد ينسين، والذي يحمل مفارقة كبيرة في اسمه، لا في الوطن بكونه جحيماً، ولا في المنفى بكونه تعذيباً بواسطة الصقيع؛ برودة المناخ وبرودة العاطفة. حتى علاقة الحب الوحيدة، مرّت كما لو أنها ومضة، ربما أراد سعيد نفسه اطفائها... إنها السعادة التي لم يشأ أن يحتضنها، لكي يعطي مبرراً لعودته الى الجحيم بحجة الواجب الأخلاقي؛ العثور على عظام أبيه، أو الرغبة بالعودة الى الوطن، المعادل للأب الفاقد للوجه والملامح.
القضية الأخرى في النص، والتي لا يمكن تجاوزها تتعلق بثنائية الوطن والمنفى، فعلى رغم أن الوطن هو الجحيم كما تدل السيرة الشخصية للسارد ههنا، يحتفظ الأخير في شقته وسط أوسلو بكل شيء يجعله قابضاً على ذلك الجحيم، شيء يجعل القارئ يشك بخطاب سعيد ينسين، الذي ينطوي على تأكيدات بأنه لن يعود الى العراق، بل ويسخر من فكرة العودة حتى بعدما عاد الكثيرون إثر الاحتلال. ولولا رسالة عبير، والتي تبدو كما لو أنها كذبة أو ذريعة، إذ لم يلتق بها إلا جثة في انفجار في الكرادة، علاقة افتراضية كما لو أنها متخيلة، أو خيط منسوج من الوهم للتمسك بذلك الوطن البعيد، الفضاء الذي تدور فيه جثة الأب بحثاً عن قبر لينام، لولا تلك الرسالة لما فكّر في العودة.
يقول السارد في مقتطف من الرواية: "دعوتها للجلوس في البالكون أولاً، وكنت قد أعددت هناك جلسة شرقية". ثم يبدأ بوصف المكان وهو يمر على المفردات جميعها، من النارجيلة الى السجادة، الى الشاي والسماور... في الحقيقة؛ لقد ظهر سعيد ينسين طوال السرد زاهداً في كل ما هو نرويجي، أو كل ما له علاقة بالثلج. حتى كاميرته، كانت بطاريتها قد نفدت قبل زمن طويل ولم يكلف نفسه شحنها أو استبدالها، أو التقاط صور، لكنه شحنها عندما ذهب الى العراق أخيراً، واهتم بحملها! هكذا يعود سعيد ينسين الى الجحيم بذريعة البحث عن وجه الأب الذي لم يره، والحقيقة أنه يبحث عن عظام وحسب، مدفونة في قبر جماعي. لقد خلق حكاية للعودة وأظهر نفسه بأنه لا يعرف شيئاً عما يحدق في العراق بعد التغيير، وهو بهذا يحاول التأكيد لذاته المضطربة أن العراق ليس جنة كما قال له صديقه سائق الحافلة في أوسلو، جمال سعدون، الذي اغتيل هو الآخر في تلك الجنة، لكن ينسين ليس سيئاً الى الحد الذي يجعله متطرفاً في القبض على فكرة اللاعودة.
هناك مسألة أخرى تتعلق بالترجمة، باعتبارها عملية بعث الحياة في جثة. "المترجم" في العتبة النصية، والذي انسحب بعد تسليمه السرد لسعيد ينسين، يقول إنه وجد هذا المخطوط - رواية سعيد ينسين - مكتوبا بالنرويجية في مكتب مديرة التحرير للجريدة التي كان البطل ينشر فيها قصصه الساخرة. وهو من قام بترجمتها، ليقدمها لنا باللغة الأم، لغة سعيد الذي حقق حلمه بالكتابة، لكنه حلم ولد ميتاً لأنه بلغة أخرى، وبهذا تبدو قضية الترجمة هنا - الذريعة السردية - كما لو أن روح سعيد نفسه تبحث عن قبر لينام، وليس الأب المعدوم قبل خمسة وثلاثين عاماً. فروايته هذه هي بالحقيقة هائمة في عالم من النسيان، بلغة أخرى، مدفونة مثل عظام جثة في درج مكتب رئيسة التحرير التي لا تبدو أنها مهتمة بنشرها، فهي تقول بأن ما فيها يخص ناساً آخرين، ربما لأنها ليست ساخرة بما يكفي لإضحاك قراء الصحيفة، وهنا كان لا بد لفعل الترجمة أن يحيي الروح في جسد النص البارد، لكي يتحول هذا الجهد الذي يبذله المترجم الى شيء يشبه النوم أخيراً، وحسب مقولة نيتشه: "النائمون هم السعداء".
إن لغة النص التهكمية الساخرة، تحيلنا الى طبيعة الشخصية نفسها. بعض الطروحات في علم النفس تقول إن السخرية تظهر صراع الهوية أو إنها آلية دفاعية لإخفاء مشاعر المرء الحقيقية. وهذا بالضبط ما ظهر عليه سعيد ينسين، العراقي المهاجر، والذي يكتب في صحيفة تصدر في أوسلو قصصاً ساخرة تضحك الآخرين. لكن الكاتب، المهرج الحزين، سوف يكتب سيرته الأخرى، حكايته التعيسة، وبلغة لا تخلو هي الأخرى من السخرية أو حس الفكاهة كما يبدو... إنها فكاهة سوداء تخصّ المهرج الذي يعود الى شقته، ليواجه الثلج في الخارج وكوابيسه في الداخل، ويحقق آخر أحلامه في أن يكون له قبر في حقل كرز.
صحيفة النهار العربي/ العدد ٢٠٢٢/١/٢٥