رحلتي: تحويل الأحلام إلى أفعال رحلتي discussion


1 view
كتاب رائع وملهم وترجمته ممتازة ويستحق القراءة

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by Riad (last edited Jan 26, 2022 06:46AM) (new) - added it

Riad كتاب رائع وملهم وترجمته ممتازة ويستحق القراءة
هذه مقاطع من مقدمة المترجمة لطيفة الدليمي
نشر عبد الكلام مذكراته الموسومة ( رحلتي : تحويل الأحلام إلى أفعال ) في كتاب صغير عام 2013 ، ويمكن النظر إلى هذا الكتاب – المذكرات على أنه استذكارات جميلة لتفاصيل صغيرة لم يأتِ عبد الكلام على ذكرها في سيرته الذاتية المنشورة في الكتابين السابقين ، وثمة القليل من الاستذكارات والحوادث في هذه المذكرات أشار لها الرجل في سيرته ولكن في سياق تقريري يذكّر بالوقائع ، أما في هذه المذكرات فإن القارئ يستشعر منذ البداية العاطفة الجياشة التي تملأ روح الكاتب وعقله وهو يأتي على ذكر تفاصيل ساهمت في تشكيل وعيه المبكر وشخصيته الإيثارية ذات الطموحات الملحمية العابرة للذات والساعية لتكريس الهند كقوة عظمى على الساحة العالمية .

تمتاز هذه المذكرات بغلبة الطابع الحميمي فيها وتركيزها على الجوانب الإنسانية النبيلة والتي تعدّ ضرورة لازمة تفرضها متطلبات العيش وإدامة الحياة في البيئات الفقيرة من العالم ، وهنا يكاد يشعر المرء أثناء قراءة هذه المذكرات برغبة عبد الكلام في تأكيد القيمة العليا للجوانب الإيثارية الرائعة التي حازها شخوص كثيرون في حياته ابتداء من أبيه وأمه وأخته وابن عمه وحتى بائع الكتب في مدراس وانتهاءً بالعلماء الكبار الذين عمل معهم في وقت لاحق من حياته المهنية ، وأحسب بحقّ أن أمثال هذه المذكّرات تعدّ وثائق أنثروبولوجية ومجتمعية ميدانية تضيف لعدّة الباحث والمتطلّع لفهم طبيعة العلاقات السائدة في المجتمعات الفقيرة – تلك العلاقات المتّسمة بالتعاضد العضوي الذي لانشهد مثيلاً له في البيئات الثرية ، وربما يكون هذا هو السبب الذي جعل البيئات غير الثرية ( والهند منها بالطبع ) قادرة على إنجاز أعاجيب تقنية بكُلَف لاترقى إلا بنسبة بسيطة للمقارنة مع كلف مثيلاتها في البيئات الغنية ؛ إذ أن العلماء والمطوّرين الذين نشأوا في بيئات فقيرة يميلون في العادة إلى الاستخدام الأمثل للموارد وإنتاج مُصنّعات ذات كلف تقع في نطاق قدرة الأغلبية على حيازتها ، ويمكننا في هذا الميدان أن نذكر التطوير التقني الخاص بتصنيع الدعامة القلبية بكلفة رخيصة نسبياً والذي ساهم فيه عبد الكلام ، كما لايمكن إغفال رغبته العنيدة في تصنيع حاسوب لوحي يخدم طلبة المدارس بخاصة ولاتتعدى كلفته بضعة دولارات . يكاد المرء يشعر وهو يتفحص الكلمات الحميمة التي كتب بها عبد الكلام مذكراته هذه بأنه يريد تثبيت الحقيقة التالية أمام الجميع : من الطبيعي أن يبتهج المرء بإنجازاته العلمية والتقنية الباهرة ، وقد يحصل على أعلى المراتب الأكاديمية والجوائز التي قد ترقى لمرتبة جائزة نوبل ، وقد تنهال عليه الأموال كنتيجة لأعماله البحثية أو التطويرية في حقل ما ، ولكن تبقى سمات الإيثارية وكرم الروح والعطاء والانتباه لمعاناة الآخرين ونبذ روح الجشع هي القيم العليا التي تمثّل مشكاة مضيئة وإلهاماً مستديماً للكائنات البشرية جميعها في هذه الحياة .
ثمة ملمح أساسي لايمكن أن يخفى على قارئ هذا الكتاب : يستشعر عبد الكلام في دواخله نوعاً من المصالحة الطبيعية غير القسرية بين العلم والنوازع الروحانية ، ويرى في التناقض المزعوم بين العالمين تأكيداً للمادية المتطرفة ، وتتأسّس نظرة عبد الكلام على قناعته الفلسفية المبكرة التي يجملها بقوله : ” لم يكن بوسعي القبول بأنّ مدركاتنا الحسية هي المصدر الأوحد لبلوغ المعرفة والحقيقة ” ، ثم يمضي في توضيح فكرته قائلاً : ” وقد نشأت مع درس أساسي يقول أن الواقع الحقيقي يكمن في مكان ما بعيداً عن العالم المادي الذي نراه ونتعامل معه – في مملكة العالم الروحانيّ ، وأن المعرفة الحقيقية تكمن في استكشاف أغوار الذات الجوّانية ، أمّا خلال دراستي العليا فقد أصبحت وعلى نحو تدريجيّ جزءا من عالم آخر يقوم على البراهين والتجارب والصياغات الرياضياتية المحكمة ، ولكن شيئاً فشيئاً تعلّمتُ كيف أتبيّن موضع قدمي وسط ذينك العالمين على الرغم من أنّ جهدي الفائق استلزم سنوات عدّة لكي يتبلور في حالة راسخة . ” ، وهنا نتبيّن بوضوح كامل أن التعارض بين عالمَيْ العلم والروحانيات ليس سوى تعارض كيفي يمكن إزاحته بالجهد الذاتي الخالص للمرء بعيداً عن المواضعات التبسيطية السائدة التي ترمي إلى تكريس الجهل والفاقة وربط العلم بالمعرفة الدينية المتكلسة وجعل الروحانية فضاء جمعياً تسوده “الكهنوتية المستحدثة” المتشددة ، في حين أن الروحانية التي يحكي عنها عبد الكلام في ثنايا كتابه هذا هي نوع من الاستكشاف الذاتي الشفّاف والعميق والصبور والأقرب إلى السياحة في العوالم العرفانية الرقيقة المفعمة بالكياسة والتسامح ورقة الشعور والعواطف الإنسانية الغامرة . ومن جانب آخر يكاد يكون أمراً بديهياً أن نلمح في روحانية عبد الكلام انشداداً إلى الجذور الدينية المشرقية بكل تلاوينها وهي مايمثّل حتماً ملمحاً مختلفاً عمّا نطالعه في أغلب الأدبيات الغربية المختصة بالمذكرات والسيرة الذاتية والتي تطفح بالأنوية الجامحة والتفاصيل الحياتية الغارقة في الحسية والجموح العاطفي .

يختصر عبد الكلام رؤيته للحياة في هذه الكلمات التي جاءت في المقطع الختامي لكتابه ، وأرى فيها نصاً مدهشاً مكتوباً بكياسة وسموّ روح رفيعة تليق بشخصية نزيهة مثل عبد الكلام :
العمل الدؤوب والتقوى ، الانكباب على الدراسة والتعلّم ، الشفقة والمغفرة – هذه كانت دوماً أحجار الزاوية في حياتي ، وقد أمكنني من خلال هذا العمل مشاركة الناس بجذور إيماني بهذه القيم النبيلة ، وأحسب في حقيقة الأمر أن أية حياة عاشها المرء على نحو بالغ الثراء والامتلاء وتحدّث بشأن ثرائها وامتلائها مع الآخرين فإنها ستغدو منجماً من الأفكار والمشاعر التي بوسعها إضافة المزيد من البريق على تلك الأعجوبة التي ندعوها ( الحياة ) . وفي سياق هذه العملية ، إذا ماأتيحت لأفكاري القدرة على منح القرّاء أجنحة تمكّنهم من التحليق بعيداً وتحقيق أحلامهم فأحسبني حينذاك قد أتممت النهوض بأعباء دوري الصغير في مخطط الحياة والذي حمّلني إياه القدر ووضع أعباءه على كاهلي .
إن الصفات التي غرسَها والداي فيّ التي تعلّمتها من خلال مراقبة أفعالهما بدقّة إلى جانب فهم ردود أفعالهما تجاه المحن والشدائد التي واجهَتْهُما؛ أقول إن تلك الصفات ساعدتني على العيش بطريقة أفضل، وما زال أبي وأمي يعيشان معي حتى اليوم من خلال تلك القيم والأخلاقيات.

بعد سنوات لاحقة طويلة لا تزال ذاكرتي تحتفظ بذكرياتها عندما كان والدي يتحدث عن ضرورة تفهّم عقول الناس، أو عندما كان يواجه المصاعب برزانة وحصافة، وما زلت أستحضر صدى كلماته أنا الآخر متى وجدت نفسي وهي تخوض قتالًا في جبهات عديدة شديدة الوطأة، أما في لمسة أمي الحانية وتربيتها الرقيقة المترفقة بأولادها فقد وجدت فيها عالمًا رحبًا من الحب والحنان.

وجدتُ نفسي في رحلتي هذه مدفوعًا أيضًا إلى تسجيل التفاصيل الصغيرة الخاصة بكلّ من مساهمات أختي زهرا، وكرم روحها اللامحدود، والنظرة المتفتحة الرحبة التي كان يحوزها معلّمي الناصح الأول في حياتي: أحمد جلال الدين الذي كان أول من شجّعني على التفكير بحرية والاستزادة اللامحدودة من الدراسة.

ثمة الكثير من البرهات المحبِطة والمِحَن الشاقة التي خبرتُها في حياتي؛ مثل إخفاقي في الاختبارات، ومن ثم التأهل للانضمام إلى القوة الجوية الهندية، وسواها من برهات الإخفاق، ولكنّها كلها علّمتني ضرورة وجود الإخفاقات في حياة المرء.


أوقات عصيبة
نعم، بدت تلك الأوقات العصيبة عصية التجاوز في وقتها، ولكن الحقّ أنه ليس ثمة صعوبة ما عصية التجاوز متى امتلك المرء العزيمة والثبات في قلبه.

كنت مؤخرًا أتمشى مع صديقي البروفيسور آرون تيواري عندما باغتني بسؤال غير متوقع: «صاحبي عبدالكلام، هل تستطيع أن تُجمِل حياتك العريضة بجملة واحدة؟» جعلني هذا السؤال أفكّر لبرهة، ثم قلت في نهاية الأمر: «صديقي آرون، إن حياتي يمكن تلخيصها بالعبارات والكلمات الآتية: الحبّ المصبوب صبًّا على الطفل… الكفاح… المزيد من الكفاح… دموع تطفح حزنًا ومرارة… ثم دموع الفرح والبهجة… ثم أخيرًا حياة تطفح بالجمال والإنجاز مثل رؤية ولادة بدر كامل».


back to top