صياد الملائكة صياد الملائكة discussion


7 views
صيّاد الملائكة‮:‬ التقنية الروائية‮.. ‬والخلاص الوجودي

Comments Showing 1-2 of 2 (2 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by Hedra girgis (new)

Hedra girgis صيّاد الملائكة‮:‬ التقنية الروائية‮.. ‬والخلاص الوجودي





د‮. ‬أمانى فؤاد


في شوارعنا المصرية كثيرا ما تتكرر رؤيتنا لأحد الأشخاص الذين نطلق عليهم في ثقافتنا الشعبية‮ "‬علي باب الله‮"‬،‮ ‬أو‮ "‬المجذوب‮ "‬،‮ ‬كدت اليوم أصدم أحدهم وهو‮ ‬يقطع الطريق ذاهلا،‮ ‬حين تأملته بعد تجاوز الفزع،‮ ‬قفز إلي ذهني مباشرة تساؤل افتراضي،‮ ‬هل هو‮ "‬حنا‮" ‬بطل نص‮ "‬هيدرا جرجس‮" ‬الأخير‮ "‬صيّاد الملائكة"؟ وعدت لأتساءل هل نحن مجتمع‮ ‬يفرز تلك النماذج بصورة متكررة؟ هل ثقافة التمييز ضد،‮ ‬والتوجس والتكفير،‮ ‬وسياسة الدولة المتخاذلة،‮ ‬وثقافة البسطاء،‮ ‬ومفاهيم البشر للأديان ـــــ في مجتمعنا ــــــ تنتج هذه النماذج التي تتكرر في زماننا؟ نماذج تجدها في أي مدينة مصرية أو قرية؟
يقدم الكاتب ثاني نصوصه الروائية بعد روايته‮ "‬مواقيت التعري‮" ‬التي حصلت علي المركز الأول في جائزة ساويرس،‮ ‬ومجموعته القصصية‮ "‬بالضبط كان‮ ‬يشبه الصورة‮"‬،‮ ‬يتناول العمل قصة أحد الشباب المسيحي الذي‮ ‬يعيش في إحدي مدن الصعيد المصري‮ ‬غير محددة الاسم سوي أنها تقع علي النيل،‮ ‬يتعرض دون قصديةٍ‮ ‬مُباشِرةٍ‮ ‬لأزمة اجتماعية إنسانية عنيفة،‮ ‬تودي بذهنه تماما بعد أن ضُبط هو وإحدي الفتيات المسلمات المنتقبات في شقته؛ نتيجة اتفاق أبرمه صديقه معهما؛ دفعهما إلي ذلك امتلاك حنا لمنزل،‮ ‬وحرمانهما في الوقت نفسه ــ كلٌ‮ ‬تبعٌ‮ ‬لظروفه ــ من قضاء حاجاتهما البيولوجية‮. ‬فيُهاجَم ويُقبض عليه من قبل الشرطة؛ إنقاذا له من أيدي الأهالي الذين انهالوا عليه ضربا دون أدني شفقة،‮ ‬ويحبس ويحقق معه،‮ ‬وينتهي به الأمر إلي هذا المجذوب مهلهل الملابس والعقل،‮ ‬الهائم في الحياة‮.‬
يختار الروائي لسرديته ساردًا فوقيًا‮ ‬يحكي قصة حنا ومنصور وحسين وصفية،‮ ‬ويتيح هذا الاختيار أن‮ ‬يبحر السارد في بعض القضايا الفكرية العميقة التي ربما تتجاوز عقلية شخوصه وانتماءاتهم الدينية،‮ ‬كما أننا نكتشف في نهاية النص المأزق التراجيدي الذي وقع لحنَّا،‮ ‬وعلي أثره فقدَ‮ ‬عقلَه،‮ ‬ولذا كان السارد المفارق العليم المعلِّق علي الأحداث أكثر مناسبة لتقنية السرد هنا‮.‬
قسَّم الروائي العمل خمسةَ‮ ‬فصول معنونةً‮ ‬علي التوالي‮: ‬ملائكة الشرفة وشياطين السطوح،‮ ‬المدينة في‮ ‬يوم‮ ‬غبار،‮ ‬الأسد وحكاية الثعبان الأليف،‮ ‬الآكل والمأكول،‮ ‬الجلجثة‮ "‬الجمجمة‮". ‬
وتشير هذه العنونات إلي مداخل فارقة،‮ ‬علامات وإشارات خاصة في دراما النص،‮ ‬كما تحمل في طياتها تناقضات الواقع التي تنطلق من تمرد الإنسان علي سطوة الدين وما‮ ‬يفعله في البشر حين‮ ‬يمارس ولايته عليهم من خلال رجاله‮: ‬شيوخه وقساوسته،‮ ‬فيقسمون المجتمع لمؤمنين وكفرة،‮ ‬بل وينقسم أصحاب الدين الواحد ويكفر بعضهم البعض،‮ ‬الأكثرية والأقلية،‮ ‬تلخص قصة حنا مع وجوده المنفي في هذا الوطن الطارد للعقل،‮ ‬ثنائية الحياة بين الغيبي الروحاني والمادي الجسدي،‮ ‬الحياة المهمشة للآخر المنتمي للأقلية التي تتقلص وتتقزم في انتظار مقصلة علي الدوام،‮ ‬الغبار الذي‮ ‬يخيِّم علي المدينة،‮ ‬واقع‮ ‬يهيئ للتناقض بين المفهوم الإنساني بمعناه الشامل،‮ ‬والحدود التي تضعها المجتمعات عبر صراعات أديانها وتقاليدها،‮ ‬في ذات مأزومة لا تعرف في الواقع عدلا‮.‬
ــ شخوص بلا ملامح‮:‬
يقدّم الروائي شخصية‮ "‬حنا‮" ‬إفرازا لمجتمع‮ ‬يفتقد العدل الإنساني بكل معانيه،‮ ‬شخصية صامتة ومعتمة من الخارج رغم الضجيج والرفض الذي‮ ‬يكمن داخلها،‮ ‬فهو ضمن مجموعة من البشر تُسيِّرها حركة الحياة التي لا‮ ‬يحكمها منطق أو قانون حيادي‮ ‬يُفعّل،‮ ‬شخوص لا تملك إرادتها،‮ ‬ولا تجد مجتمعا حاضنا؛ فيبدو الجميع‮ "‬مسيحيا ومسلما‮" ‬خائفا،‮ ‬فقيرا ومهزوزا تعوزه احتياجاته الأساسية،‮ ‬أهمها حرية اعتقاده التي لا‮ ‬يوفرها مجتمعه بصورة عادلة أو كريمة،‮ ‬يليها حياة آدمية توفر للإنسان احتياجاته البشرية الأساسية وكرامته‮.‬
‮ ‬يعد الانقسام الحادث في المجتمع بين الأديان المختلفة،‮ ‬والتمييز ضد الأقلية المسيحية من قِبل الأغلبية المسلمة،‮ ‬وربما تكفيرهم‮ - ‬محورا أساسيا في هذا النص،‮ ‬بينما المحور الأعمق‮ ‬يتمثل في أن العلاقة مع الإله ليست بحاجة إلي الدور المؤسسي للأديان،‮ ‬أو وطأة الكهنوت الذي تكتسبه،‮ ‬ولا‮ ‬يأتي هذا الطرح الذي‮ ‬يقدمه النص قضية فوقية‮ ‬يريد كاتب النص معالجتها بتصدير صوت جهوري‮ ‬يحمل انحيازا للمسيحية،‮ ‬أو توجيه رسالة صارخة‮ ‬يبتغي منها لفت الانتباه،‮ ‬أعني أن للنص لغة هادئة لا تنحاز إلا للكشف عن بدائية تلك النظرة المتعصبة للأديان ومقولاتها في ثقافتنا،‮ ‬التعصب الذي‮ ‬يطول مذاهب وطوائف الدين الواحد ذاته،‮ ‬سواء كانت المسيحية أو الإسلام‮. ‬يوظف الروائي لغة تعري مفهوم الكهنوت الذي‮ ‬يمثله العَرّاف في القبيلة أو الكاهن في المعبد أو رجال الأديان السماوية في المجتمعات التي لم تفارق درجات تطورها الأولية‮.‬
‮ ‬مشاهد ذات أصداء متكررة‮:‬
ملمح رئيسي أود الإشارة إليه في طريقة تكوين تقنيات مشاهد هذه الرواية وهندستها،‮ ‬وما تحمله من ظلال متعددة،‮ ‬حيث ترددات متتابعة في خلفية كل مشهد تبعث بمخزون رمزي مركب للمشهد المتحرك نفسه منذ بداية النص حتي آخره،‮ ‬تحمل المشاهد أوجهًا كثيرة من التفسيرات والتأويلات،‮ ‬كأن المشهد الواحد‮ ‬يحكي ويشير إلي تاريخ من الاضطهاد،‮ ‬فمنذ استهلال النص بالتهام الأسد للإنسان في التلفاز،‮ ‬مع ظهور صفية في محل صديقه منصور‮- ‬شعرت بمستويات تأويل النص والمخزون العميق للمشاهد؛ الذي توظف فيها النصوص الدينية والدلائل الثقافية،‮ ‬والرموز،‮ ‬إضافة لضفر بعض المشاهد وتركيبها مع‮ ‬
بعضها الآخر؛ لصنع سبيكة أو ضفيرة متتابعة من
اشتباك العلاقات مثل‮: ‬مشهد الثعبان ص9،‮ ‬مشهد الملائكة ورحلة حنا معهم صغيرا،‮ ‬تلك التي تمت في الحلم ص20،21،‮ ‬مشهد الطوابق المتعددة فوق حنا وتحته،‮ ‬الطوابق التي صوَّرها بالصناديق التي تشير إلي الحيوات المتنوعة والمعقدة،‮ ‬المنفصلة رغم اتصالها،‮ ‬بحكم وحدة المكان والزمان الذي‮ ‬يجمعها،‮ ‬بمسوغ‮ ‬بشريتهم أيضا،‮ ‬البشر الذين لا‮ ‬يعرف بعضهم البعض رغم أنهم‮ ‬يتراصّون معًا ص18‭.‬‮ ‬صياد الملائكة والتناص‮:‬
يضفر الروائي نصه مع آيات من العهد القديم والجديد،‮ ‬وهو لا‮ ‬يوظف هذه النصوص بمفرداتها دون تصرف،‮ ‬بل‮ ‬يلجأ إلي توظيف معناها وفلسفتها،‮ ‬وربما طرحها دعوةً‮ ‬لإعادة النظر والتفكر فيها،‮ ‬ويتبدي ذلك في مواضع كثيرة في فقرات النص مكتملا،‮ ‬وفي ظني أن الروائي قد تخيَّر تلك التقنية الإسلوبية اللغوية اتساقا مع منطقة الهروب إلي الميتافيزيقا،‮ ‬التي‮ ‬يتصور حنا فيها خلاصا من الواقع الظالم،‮ ‬كما أنه‮ ‬يقتبس طقس المقدس ومخزونه من المفردات والآيات؛ ليُغْنِي نصه بهذه الامتدادات المتغلغلة في نفوس معتنقي الأديان،‮ ‬التي هي مكون أساسي في نفوس البشر،‮ ‬ينسج نصه بالتناصات التي تدفع للتساؤل،‮ ‬ولا تقع في منطقة الخنوع والتسليم،‮ ‬بل التفكيك من الداخل،‮ ‬من داخل التناص الذي‮ ‬يحاور ويسائل‮. ‬يدفع إلي التمرد علي سلطة الدين ذاته،‮ ‬كحقيقة صادرة من خارج الإنسان،‮ ‬وليست نابعة من تصوراته الحرة،‮ ‬وإنما هي وحي هابط‮ ‬يكرس لسلطة علوية مربكة لإرادة الفرد،‮ ‬وطامسة لحريته في الاختيار وتبنّي تصور وجودي نابع من تجربته علي الأرض،‮ ‬مثل قوله‮:‬
يا الله لو تعبر عني هذه الكأس‮ (‬ص87‮)‬
وكان‮ ‬يصلي قائلاً‮: ‬يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس،‮ ‬ولكن ليس كما أريد،‮ ‬بل كما تريد أنت‮ (‬إنجيل متي إصحاح‮ ‬6‮ ‬, عدد‮ ‬29‮). ‬وغيرها الكثير من التناصات‮.‬
الزمن وصياد الملائكة‮: ‬
تتسم أحداث السرد بالحدة والتوتر الكامن تحت السطح الخارجي وخاصة في بداية النص،‮ ‬بجانب ما‮ ‬يُخيِّم علي النص من ضبابية وطقس خماسيني مترب،‮ ‬يشيع جوا من الاكتئاب‮. ‬ورغم طبيعة‮ "‬حنا‮" ‬الصامتة المفكرة التي تؤمن بالحدس،‮ ‬وتمتلك شعورًا زمنيًا بالعالم بطيئًا وممطوطًا ومكرورًا،‮ ‬كما أنه متداخل في الوقت ذاته،‮ ‬حيث‮ ‬يتقاطع مع أحداث اليوم الواحد عَرْضٌ‮ ‬لمشاهد متوترة من تاريخ الشخصية الرئيسة،‮ ‬مشاهد محورية أثرت علي تشكل حياته وفق هذا النحو المعتم الانطوائي الصامت،‮ ‬الذي‮ ‬ينحو إلي ولوج عوالم الداخل في هروب من الواقع إلي الميتافيزيقا،‮ ‬هناك قطع ووصل بين تسلسل أحداث اليوم الفاصل في حياة الشخصية،‮ ‬ومعاناته التاريخية الممتدة مع مجتمعه منذ طفولته؛ نتيجة لانتمائه إلي الدين المسيحي في مجتمع أغلبيته مسلمة‮. ‬دون فَقْد لوحدة الزمن الذي اختاره الروائي تقنية لنصه،‮ ‬تتسارع أحداث نهاية‮ "‬حنا"؛ حتي أنها تقضي حتفها العقلي والإنساني علي مقصلة المجتمع في‮ ‬يوم واحد،‮ ‬حدث واحد‮ ‬يستدعي ديمومة تاريخ طويل من التوجس والكراهية والتكفير بين أبناء الوطن‮. ‬
الشخوص المعتمة،‮ ‬الصمت،‮ ‬الهروب إلي عوالم الميتافيزيقا،‮ ‬الذهول عن هذا العالم المحبط،‮ ‬واختيار المغادرة العقلية‮ - ‬هي المعاني التي استطاع النص أن‮ ‬يجسدها بتقنياته التي تخيرها الروائي بعناية‮. ‬
‮ ‬


back to top