جبل المجازات
discussion
جبل المجازات.. بين جماليات السرد وإحياء الموروث الشعبي. قراءة للصحفي إسلام وهبان
date
newest »
newest »
all discussions on this book
|
post a new topic
نشرت بتاريخ 5 ديسمبر 2019 في موقع مؤسسة الإعلام البديل
الحقيقة غير موجودة.. سحابة وهم نخلقها في العيون ونهلل لها”.. بهذه القاعدة ارتكز أحمد كامل في"
روايته الأحدث “جبل المجازات”، على الوهم والمجاز في محاولة منه للبحث عن حقيقة، ناسجا بخياله عالما أسطوريا تجتمع فيه كل المتناقضات والغرائب التي تخشى النفوس البشرية من إظهارها إلا في لحظات ضعف تنكشف فيها الحجب ويهتك فيه المستور.
في عمله الروائي الثاني والصادر عن داري سرد وممدوح عدوان للنشر والتوزيع، أيقظ أحمد كامل من خلال صيحات الهلاك حكايات وكواليس كانت السبب في هذا الهلاك المروع، وبتقنيات حكي متنوعة استطاع أن يغوي القارئ لأن يكمل معه لعبته؛ علّه يصل إلى أصل الحكاية.
غواية الحكي والمعادلة الصعبة:
يدهشك “كامل” بمهارته الكبيرة في الحكي بأسلوب سردي متميز، يهتم بأدق التفاصيل، وقدرة عالية على الإسهاب دون أن ينتابك الملل أو الضجر، رغم كونه بالأساس شاعرا اعتاد الإيجاز والتكثيف في التعبير عن المعاني والصور، إلا أنه في “جبل المجازات” استطاع أن يضبط المعادلة بحرفية صنايعي، وأن يداعب فضول القارئ لآخر سطر بالرواية، يضع في كل حكاية ما ينقصها لتبحث عنها في الحكاية التالية، وكلما ظننت أنك قد وصلت تجد انك لازلت في منتصف الطريق. وقد ساعده أسلوبه اللغوي بشكل كبير في ضبط هذه المعادلة من خلال تقديم بناء لغوي قوي ومفردات مميزة، تنم عن مهارة لغوية عالية للكاتب وثقافة واسعة، دون أن يرهق القارئ بتراكيب لغوية معقدة.
– الريف بطل استثنائي:
تعج الرواية بالشخوص والأبطال ورغم أن الريف هو العنصر المكاني بالرواية إلا أنني أعتبره بطلا استثنائيا في الرواية، فقد تمكن المؤلف من جعل الريف محرك لكثير من الأحداث من خلال عاداته وتقاليده المليئة بالتناقضات التي خلق صراعها حالة خاصة بالرواية، فقد وضع الجهل الخرافة في مواجهة التدين الظاهري، والرغبة في مواجهة العجز البشري، والغيرة والحقد في مواجهة تقلبات الزمن، الظلم والطغيان في مواجهة الإنسانية والضعف.
صورة الريف المصري بصفائه ونقائه وخيره أكلها في الرواية كل المسكوت عنه من عادات ظالمة والموروثات الخاطئة ويعززها الجهل والفقر وعدم الرغبة في مواجهة كل هذه الأفكار والمعتقدات التي تحول البشر إلى مسوخ.
– صوفية بلا إقحام:
“ما لك فهو لك وإن فشلت يداك الصغيرتان في استيعابه. وما ليس لك فليس لك، حتى وإن كان قلبك الذي تجلى عليك عصيانه. ولكنك، رزقت حب ما ليس لك؛ فطغى ما ليس لك على ما لك، حتى فقدت يداك القدرة على التصديق؛ فأصبح ما لك ليس لك، وما ليس لك، سرابك البعيد”.
الملمح الصوفي جاء ليقدم فلسفة خاصة ويخاطب الألباب لا الأبدان، يضع القارئ أمام مرآة نفسه، يطرح الكثير من الأسئلة ويناوش العقل دون إجابة شافية، فقط يضعك على طريق المكاشفة، ويسقط عنك الأقنعة لترى الصورة من زاوية أخرى، لا يتعرض للمعتقدات الدينية بقدر محاولة التفكر دون أن يفرض رأيا أو ينتصر لحجة على حساب أخرى.
وعلى عكس كثير من الأعمال الأدبية التي أصبح الموروث الصوفي مادة صائغة للحشو والتكرار واتخذه كثير من الكتاب بنوع من الاستسهال لرواج بضاعته حاليا، لم يكن الجانب الصوفي في “جبل المجازات” مقحما على الرواية، بل جزءا أصيلا من الحكاية ومرتبطا بشكل وثيق بعنوان الرواية ومجريات الأحداث.
– تداخل أساليب السرد:
برع أحمد كامل في تقديم لوحة فنية متكاملة وغاية في الإبداع تتداخل فيها أساليب السرد لتضفي مزيدا من الإبهار والمتعة للنص الأدبي، من بين هذه التقنيات كان المونولوج المسرحي حاضرا بقوة، بدخول كل بطل ليقدم جزءا من الحكاية من وجهة نظره، ويسرد تفاصيل جديدة تثري القصة أكثر وأكثر. كذلك استخدم المؤلف تقنية الفلاش باك سواء في بداية الرواية أو خلال الحكي، فهو ينتقل بين الأزمنة بخفة لا ترهق ذاكرة القارئ بل تزيد الصورة اتضاحا.
التجسيد أيضا كان عنصرا هاما بالرواية، فتجد قدرة كبيرة لدى المؤلف على خلق المشاهد وإخراجها بشكل سينمائي بديع تتداخل فيه الأصوات مع الأضواء وتنطق فيه المشاعر وتتحرك في ثناياه الخيالات.
“جبل المجازات” رواية جريئة ومباغتة، لا تحكي عن الظلم والانتقام فحسب، بل تفتح الأذهان لتدرك أن كل ما نحياه هو مجرد “مجاز”، وتنم في جمالياتها عن روائي اختمرت لديه موهبته ولديه الكثير ليقدمه في مسيرته المقبلة.
لينك القراءة
https://media-alter.com/%d8%ac%d8%a8%...