بالضبط..كان يشبه الصورة بالضبط..كان يشبه الصورة discussion


1 view
البحث عن أصل بين شبيهين بقلم الدكتورة عبير سلامة

Comments Showing 1-2 of 2 (2 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by Hedra girgis (new)

Hedra girgis يضعنا إطار السرد ، في مجموعة "بالضبط كان يشبه الصورة" ، لهدرا جرجس ، أمام انفعالات إنسانية ، وتفاعلات بين شخصيات حائرة ، تنشد الثبات على دائرة زمن يبدو كأنه مجمع أزمنة. يتفتح الإطار نصاً ، من بعد آخر ، كاشفاً عن طبقات مستقرة تستوعب ملامح وعي مركب من تواريخ ، ومعتقدات ، وأعراف ، امتزجت ، وما زالت قيد الترشيح في عملية تشكيل مستمر للوعي الشعبي.

يبدأ السرد "بعد سنوات طويلة" من لحظة مواجهة الأب العنيفة لرغبة ابنه ، بخيت ، في أن يكون راهباً ، واللحظة محفوظة ، دائماً ، في وشم الجرح ، ثم يُمنح بخيت ـ الأنبا استفانوس درجة الأسقفية في لحظة أخرى تحفظها ، هذه المرة ، كاميرا مصور على قطعة من الورق اللامع. تمر سنوات على التقاط الصورة ، ويشتريها عطا الله البشكاتب ، ينتبه للشبه الكبير بينه والأنبا الراحل ، ويجد صعوبة في فصل اللوحة السريالية ، التي يبغضها ، عن الإطار المذهب ، الذي أعجبه ، واشتراها بسببه ، فيلصق صورة الأنبا عليها ، وتحدث معجزة ، في "زمن فاسد عزت فيه المعجزات وجفت فيه القداسة" ، الصورة تتكلم.. تقول إنه ميت، يحيل السرد باستمرار إلى زمن آخر: زمن غابر: زمن الفيضان: زمن الرهبنة الأول: زمن القديسين القدامى: زمن اعتناق قسطنطينَ الأكبرً المسيحيةَ ، إلخ. لا يوجد حاضر صرف: مركب "حاضر المستقبل" ، و"حاضر الماضي" ، هو المعطى المباشر لوعي الشخصيات التي آمنت بفساد الزمن الراهن ، وعاشت كل منها سلسلة أفعال وقعت ، منها ، أو عليها ، مجدولةً ـ بإحكام متفاوت ـ مع سلاسل أخرى ، والكل يصنع عالماً أكثر رحابة ، وغرابة ، من عالم قصص متوالية: عالم يمكن أن يكون الكائن فيه مجمعاً لكائنات ، كأن يكون الإنسان صورة لإنسان آخر ، ولكل البشر ، لكنه يتمسك بإيمانه بفرديته خوفاً من الشعور المرهق بالامتلاء ، تماماً كما يتمسك بتوالي الأفعال اليومية هروباً من وطأة الإحساس بكلية الزمن.

وليس الزمن متوالياً ، على الأقل من الماضي إلى المستقبل ، فالسرد يبدأ من لحظة متجاوزة ، ويتجه ـ غالباً ـ من مستقبل الشخصيات إلى ماضيها: الماضي المنسي ، أو محتوى النسيان الذي هو جزء من ذاكرة أشباه يتبادلون موقعي الأصل والصورة ، بدرجات وضوح واكتمال مختلفة: بخيت ، أو الأنبا استفانوس ، والباشكاتب عطا الله ، ومنصور (حارس الجبانة): والد بخيت المقدس أيوب ووالد الطفل الغريق ، حسن ابن الجيران: الغندورة أم بخيت ومريم الحلبية: القديس (صاحب الأرغول) والقديس البائس منصور: اسماعيل الأعرج والنائب حكيم الزبال.

تبرز تيمة الأصل ـ الصورة في المجموعة ، ويتم تأكيدها بعنصر سحري ، "موتيف" مستعار من تقاليد السرد الشعبي ، موتيف الجمادات الناطقة ، كاللوحة التي قالت للباشكاتب إنه ميت وتمثاليّ الملك أمونحتب اللذين لا يعرف أحد سر نواحهما: أهو اختراق الريح لتصدعات أحدثها زلزال ، أم حركة الروح الباحثة عن أصلها بين شبيهين؟ يتسق تكرار الموتيف مع إيقاع الشك والإيمان ، مأزق الأسئلة الصعبة التي لا تلقى إجابات ، وحيرة اليقين بين الكشف والاكتشاف. ما سر صمت الرب؟ هل يمكن تفسيره بفساد الزمن والاحتجاب عن قبح العالم؟ ما سبب هروب بخيت من العالم؟ "هل هو من أجل المسيح ، حقًا؟ أم إن ورعه الديني ، الذي سبق سنه ، مجرد ادعاء؟" هل ثمة فائدة للتدريب "على تذوُّق الرب المجهز ، مسبقًا ، في تعاليم الرهبان القديمة"؟ تعلم بخيت "ألا يفكر في تلك المسائل التي من شأنها تعطيل قداسة الانسياق نحو الإيمــان القلبي ، وتربى على جهل البديهيات غير المفيدة ، وإنكارها: لأن الإنسان الممتلئ ، بثقوب الشك ، يقتحمه الشيطان بلا هوادة ، والخير كله في الكشف لا الاكتشاف ، الخير في تسليم ذاته للرب ، وأن يطلب الفهم منه ، ويثق أنه سينال التفسير".

لم ينزل ملاك من السماء بشرح الطلاسم التي أعيت كلاً من بخيت ومنصور. اضطر بخيت إلى الاطمئنان ، مؤقتاً ، لاعتبار فساد الزمن تفسيراً لصمت الرب واحتجابه ، ثم زلزلته محنة الغواية المدبرة ، لتتجسد حاجته للفهم ، أخيراً ، في صرخة مدوية تردد صداها في الخلاء الشاسع ، وفي المجموعة كلها ، على اعتبارها معادلاً بشرياً لنواح التمثالين.

أما منصور الحالم "برسم دائرة كبيرة تسع الدنيا كلها ، وإطارها يحتضن بني آدم بأجناسهم ولغاتهم وأحلامهم" ، فقد اضطر إلى التوقف عن تدوين الاحتمالات الممكنة لمعنى الجمل المنقوشة على المسلة: تخلى عن سعيه لمعرفة سر نواح التمثالين ، وتجسدت حيرته في الكلام مع نفسه ، وتكرار التساؤل عمن "سيقف في بؤرة الثبات ، التي في وسط الدائرة ، فلا يتحرك معها.. ذلك الثابت في قلب الحركة التي لا تتوقف ، ملك الفجر الجديد الذي لا يغيره الوقت ، والذي ينبثق بأشعته بين العتمة ، فيعدل كل مقلوب ، ويصرخ في ظلام العالم... أنتم ، جميعًا ، مخطئون: لأن الحقيقة ليست على تلك الصورة".

لا نستطيع تجاهل الدين في المجموعة ، بخاصة أنّ الشخصيات إما تمائم مقدسة وإما حاملو تمائم معنوية أو مادية ، لكن قراءتها في اتجاه دين بعينه ستكون تبسيطاً فادحاً. فالمقصود مكون من مكونات الوعي الإنساني ، مكون تاريخي شديد التعقيد ، وذائب في المساحة اللانهائية بين الإيمان والادعاء ، أو العبادة والتجارة. الدين المقصود ، بالأحرى ، فلسفة ، والسرد المشحون بالأسئلة لا يملك إلا أن يكون فعلَ تشكيك في مفهوم الحقيقة ـ الخيال ، وفي الإجابات الجاهزة عن التساؤلات الإنسانية الأساسية حول الوجود والهوية والموت.

فعل التشكيك اقتراح ، لا نفي ولا إثبات ، يزداد وضوحاً من فصل إلى آخر ، في لحظات ممتلئة بالحيرة والتصادم مع المجهول ، ويصل إلى غاية "توضيحه" بالتشكيك في السرد نفسه ، من خلال الظهور المباغت لصورة المؤلف صاحب "الكلمة الختامية" ، التي كشفت حيرته ومعاناته في وضع حدود لنصّه الموصوف على الغلاف بقصص متوالية ثم قصص ورواية..

"هذه قصص... ما يعني أن أساس كتابتها الخيال ، ولكن هناك ، رغم ذلك ، أحداثًا حقيقية ، رأيت أن من واجبي التنويه عنها حتى لا تختلط الحقيقة بالخيال... ومن هذه الأحداث ـ ويا للغرابة ـ نواح التمثالين ، والمقصود هنا تمثالا الملك "أمونحتب الثالث" ، في مدينة الأقصر ، وهما نسخة واحدة بالصورة نفسها للملك نفسه ، وليس لملك وملكة ـ كما ورد في الرواية ـ كما أن الدير والجبل والهيش والنيل لا وجود لها إلا في الرواية كذلك"، تبديل موقعيّ المتخيل والحقيقي ، هنا ، وفي المجموعة كلها ، واحد من العلاقات المتنوعة التي يقيمها سرد هدرا جرجس مع السرد الشعبي ، بخاصة الديني. هناك محاكاة ، مزج ، وجدل مع أهم تقنيات ذلك السرد: الاتصال ـ الانفصال ، سواء على مستوى إطار السرد وعناصره ، كتوالد القصص بعضه من بعض ، والاعتماد على إيقاع التكرار ، وتجريد الزمن إلى وحدات غامضة يمكن القفز عليها ، بسهولة ، أو على مستوى وعي الشخصيات ودلالة حضورها ـ حركتها في الزمن.

تكلمت صورة الأنبا استفانوس ، قالت لعطا الله الباشكاتب إنه ميت ، فكان الموت وصفاً دقيقاً لحياته المتجددة ، وحياة أغلب الشخصيات التي تفتقد دائرة منصور ، ذات الحضن الكبير ، تنشد مثله الحب القادر على حل جميع الألغاز ، ويمثل حضورها حركة روح حائرة ، تبحث عن أصلها المتحرك بين أجساد متشابهة ، وتنتظر قادماً يعود إلى أصله الثابت: أصل غامض بعيد قد ندعوه الأزل ، أو الأبد ، أو ماشئنا من أسماء ، لكنه ـ فيها جميعاً ـ سيبقى خارج الزمن حيوية خلاقة.


back to top