كل علامة جمالية في مجموعة هدى قنديل " احتضارات الكون الأخضر" تحمل مدلولات فكرية تشير لخلل ما في هذا العالم الموبوء بالحيرة والنقص وعدم الاكتمال. مفاهيم وأفكار ورءوس موضوعات تشكل أبنية سردية أشبه ب" الاسكتشات القصصية " مع شخصيات مشوشة ، ومعارف متشظية ، ووجهات نظر مبتورة ، تخص الأنثى في الغالب مع وجود قليل للعجائز والأطفال ، فيما تسود مشاعر عدمية نصوص مسكونة بالوجع الإنساني العميق. علها تكون " احتضارات" مجموعة من الأشخاص قبل أن يكون احتضار كون كبير يسير في المجرة ، وهو ما تنبه إليه مقدمة المجموعة ف" إلى كل نفس ذاقت كأس الرماد .. إليك بعضا من الصودا الكونية" . هو إهداء فوق أنه ساخر فهو يحول العالم كله إلى مجرد كأس يشربه البشر حتى الثمالة . والإهداء عتبة أولى.
ففي المقدمة ذاتها تعاود الكاتبة رسم صورة تخييلية لعروس البحر التي سحرت ألباب الرجال فظلت الحقائق مخفية في الأصداف أو في قاع البحر. ربما يمكن القول أن تلك المقدمة قد أخذت بعض أدوات الشعر لتعبر عن موقف وجودي محدد هو رفض هيمنة الرجل / الذكر / الأب / الزوج.. ألخ ، فنقرأ :" أركض طائرة في محيطاتهم : عروس بحر بلا صدف يحميها ، وبلا شعر طويل يغطي ملامحها ، وبلا ذيل يرفرف فيعطي بطرطشة الماء ونسا صوتيا لوحدتها " ( مقدمة ، ص5 ) .
* غياب الألوان ، تصحر الروح: ترفض الكاتبة وهي هنا على لسان الراوية أن تكون جسدا يتحرك أو روح تخفق ، هي إذن في قطيعة مع الحياة حتى أنها تتذكر علاقتها الحميمة مع الأم ، ورغم عذوبة الصور التي تسردها إلا انها تنتهي بالقول :" لكن يا عزيزتي التي لم أعرفها سوى أيام : أنا جثة " .( تقول أمي آه ، ص 23 ). تحاول الراوية أن تصف أمها فهي تمتلك عقلا ذاب في جمجمة قاسية ، وجميع الشياطين تعربد بين جوانحها . وهي تأبى أن تصدق أن الله امتلكها ككل شيء في الدنيا. هذه النبرة الاحتجاجية تسود أغلب النصوص بالمجموعة وتحدد مسارها السردي ولكي تعلي من قيمة الاحتجاج لا تتركه مفتوحا على احتمالات بعيدة بل تحدده في تلك " الرائحة العفنة " التي تشمل المكان وتربط ذلك بابتسام الأم لأنف طفلتها الصغيرة ، وتذكر حركاتها حين تداعبها فلا تنطق سوى بسكون. هو خصام معلن ، دليلها على ذلك الصوت المرتجف ودائرة " السواد" التي تتخلل عيني الأم مع طوابير حزينة تجمعت حولهما ( الأم والابنة ) تاركة باقي نزلاء الحديقة. لا يقتصر الأمر على تلك الرؤية التي تعلي من قيمة الفضح والتعرية بل توصلها لدرجة الإعلان عن قبح الصورة كلها في عين رجل غريب : " يصلني همس رجل يقول : ياللغوريلا المسكينة ! " (تقول أمي آه ، ص 24 ). الغوريلا الكبيرة هي بالطبع من أنجبت الصغيرة فثمة تشابه بينهما قد لا يصل حد التطابق ، وحين تغيب صورة الأم يفضي الأمر على سواد مطلق وهنا تفلت عبارة تشي بمقصودية النص فالراوية قد قامت بخرق آخر وصايا الأم .
* الثأر ، ومصادفات الحياة: الحياة تقوم على سلسلة من الأفعال لبشر يرتكنون لوصايا وقوانين ولوائح بعضها ينتقل شفاهة ، والبعض الآخر يدون في كتب ودساتير ووثائق. في قصة " منطاد" نجد أن ثمة خطوات لفتى أسمر يمضي بلا هدي بين الزرع الكثيف وغيطان الذرة. شيء ضخم يبرز من تحت جلبابه القروي مع انحدار حبات عرق مالحة لتمتزج بشاربه الأخضر الخفيف . يبدو الفتى في مأزق فهو يتضرع إلى الله وتلتصق ركبتاه بسجادة الصلاة . اللقطة الثانية تبدو لوجه الفتاة التي أحبها ؛ فطعم الفراولة الطازجة في فمها وضحكاتها قصيدة غزل. فيما تطل اللقطة الثالثة لسلة أحلام علقت بمنطاد له رائحة الثأر القديم. يظهر رجل خشن الملامح لا يبدو عليه أنه استطاع أن يرشق الرصاصات في جسد أبيه . يسقط الرجل في بركة دماء و" يرفع الفتى إصبعه عن الزناد ، ومكبر الصوت المعلق بأطراف المنطاد يدوي في أذنيه : كيف تتزوجها وقد قتلت أباها ؟ " ( منطاد ، ص 26). ربما تبدو الحكاية قديمة عن فتى مات أبوه مغدورا ، وأحب هذا الفتى فتاة جميلة حلم بان تكون له غير انه يستسلم لمنظومة القيم التي تسود المنطقة كي يغسل عاره بالدم فيطلق الرصاص على جسد والد الفتاة. الكاتبة لجأت إلى التقطيع والمزج بين مشاهد متعددة ثم ركزت العدسة على القوى القدرية ب" منطاد" ضخم يعلو في السماء وتتقاذفه الريح فتطير الطمأنينة من العيون. ربما بدا هناك ارتباك في تسلسل الأحداث وفي معرفة من القاتل ومن المقتول والعلاقة بينهما غير أن الجزء الأخير من النص يفض الاشتباك فإذا بنا أمام مشهد تقليدي لعملية الأخذ بالثار والتي تنشر في صعيد مصر غالبا وربما في مناطق أخرى بالوجه البحري في حدود جد قليلة. جمال النص في تصوير علاقة الفتى بالمكان وفي وجله قبل ارتكاب الجريمة ثم بإقدامه على فعل القتل بعد الانتهاء مباشرة من الصلاة بينما الكل يعلم أن الله قد فرض الصلاة على الناس ليتخففوا من قسوتهم ، فيمتنعون عن الأفعال المشينة كإزهاق الأرواح البريئة بغير حق ، لكنه المصير المرعب الذي تجلى في عبارة حاكمة وسط النص :" لكن العيون المتحجرة سلطت أشعة القسوة على المسبحة الخضراء الجديدة ، وانفرط معها كل أمل !" ( منطاد ، ص 25). إن ترنح الفتى الجسدي في بداية النص تلاه ترنح فكري في منتصف السرد لينتهي بتلك الرصاصات التي ترنحت معه روحه التي فضلت أن تخضع لمنطق القبيلة بدلا من منطق العقل وتعاليم الدين.
* العدم في متتابعات سردية : ترصد هدى قنديل الحيرة التي تنتاب الناس وهم يمرون بأحداث يومية بعضها اعتيادي لا يكاد يلتفت إليه والبعض الآخر صاخب ويثير الالتفات. إن السياق الذي تجري خلاله الأحداث يدفعهم لردود أفعال حسب مقتضى الحال. ولا شك أن كل تواصل لغوي يفترض معرفة مسبقة كما أن اللغة لا تعبر أحيانا عن جوهر الشيء الحادثة . إن الخبرة الإنسانية المشتركة لها مرجعيات اجتماعية تستند إلى مرتكزات قولية أو فعلية تمتح من اليومي العابر . في قصة " ليالي الصدأ" ثلاث نصوص قصيرة كل منها تعبر عن موقف ما. فالنص الأول لشخص تاهت السنون في شعره المنكوش ، وأصبح جل ما يصبو إليه سيجارة وشطيرة محشوة باللحم. إنه في مستشفى وينتظر جلسة الكهرباء المعتادة. يتابع برامج التلفزيون وفي إحداها يلقي الوزير الشهير بمحاضرة تقارب فن النصب ، وعلى محطة أخرى ملحد يعلن موقفه . في تلك اللحظة المريرة يستفيق على يد تدس له نوع من البرشام يفرك أذنيه وتعود الثقة إلى نفسه . إنه نوع من الاستسلام للأقدار فليس كل ما يتمناه المرء يدركه. في النص الثاني تحضر امرأة تشملها رجفة وحالة من الاشمئزاز وهي لا تطيق البقاء في سرير رجلها. تشعر بالغثيان مع قبلات لها رائحة العفن ، وحين تدور بعينيها في الحجرة تتذكر قبيلة كاملة يصرف عليها المغتصب الأبدي أي زوجها. وفي إيماءة سريالية تثبت الكاتبة مشهد الضفدع يجرها إلى بركة ماء تحرسها أسماك القرش . أما النص الثالث والأخير فتظهر فيه فاتورة ، يخط فيها رجل قلبين يخترقهما سهم أحمر. إنه يتذكر تلك الفتاة التي امتصت آلامه على سرير جمعهما سويا. ككل شيء جميل ينتهي فجأة ، جاءت سيارة يقودها سائق سكران فصدمت الفتاة وطيرتها في الهواء :" وغاصت بين هاتين الذراعين لآخر مرة. الرجفة لا تزال ترهق عموده الفقري " ( ليالي الصدأ ، ص15). في النهاية يستسلم لقدره شاعرا بقوة تتخلله ، تجعله قادرا على تحمل الألم اليومي ، والمنغصات الحياتية المتوقعة . ما يربط بين أجواء المقاطع الثلاثة هو العدمية التي تسود عالم الكاتبة ، ففي الأول وحدة واحتياج لطعام وسيجارة ، في الثانية حالة اشمئزاز من البقاء مع رجلها في سرير واحد حيث تنتابها مشاعر جد مرعية ، في الثالث يأتي الموت صادما ، باطشا ، ليكون هو الحاكم الأبدي في دراما البقاء على قيد الحياة. هل يوجد ثمة ضوء شحيح في المتتالية السردية ؟ الحقيقة أنه لا يوجد غير قدرة البشر على تحمل مأساة الوجود ، وهو الشيء الذي يتردد بانتظام عبر نصوص " الاحتضارات " فكل نص مفتوح على النصوص الأخرى ، ويفضي إلى حالة جماعية من فقدان الأمل في أي بهجة أو سرور أو تعايش مع الحالة.
* الذات حين تصبح خيال مآتة: تنقسم الذات في حالات الحزن والتوهان واختلاط القيم وفوضى المعايير. وهي الحالة التي يجد البطل نفسه فيها ، ليتوحد مع " فزاعة خشبية " محدقة في الفراغ ، في حقل براح. إنه ينظر إلى الطيور المتلصصة ويشعر بالوحدة وسوء المصير. ففي أذنيه تسري زغاريد زفاف " خديجة " ، التي تسخر شفتين طالما رددتا كلمات الحب .إنه الزواج الذي سيعطي الحق لشخص آخر بحل ضفائرها ، هذا الشخص ذو جلباب صوفي أسود. هو إحساس بالفقد ، يصل لدرجة الشعور بالنار تلتهم الجسد :" أخلع جلبابي ، ألفه حول خشب الفزاعة ، أرى عيونها تتحول إلى ّ" ( فرط العنب ، ص 25). هي عودة لنبرة الحزن ، وهو ما يعني أن المشاعر السلبية هي التي تحيط بالمشهد كله ، هنا يتصور أنه يطبق على فمها ويرفع فأسه ويهوي به عليها. إن الخشب يطقطق ، ولم يعد البطل يشعر بغير صدى الصوت يتردد بين الضلوع : " خشبي لحمك ، ودمك! مبروك! العنب اندبح خلاص ! دم العنب أسود ! مفيش هروب النهاردة " ( فرط العنب ، ص28). هي اللحظة التي تختلط فيها صور الأشياء وتتولد نوبة عنف ، ساعتئذ يفتح فمه ويترك السواد يصهره في الحقل الذي تتناهى إليه رنين الزغاريد. هذا الشكل من التراجع والنكوص يتمثل في العديد من النصوص التي نشعر معها أنها تقدم رثاء للذات وللأشياء وللكون كله. أنظر مثلا قصة " تراب " ، وفيها نجد شخصا يزدرد خبزا مغمسا بالتراب وبدنه مقوس وحين تمر به عربة فارهة يلمح صورتها بقميص النوم الأحمر . تقتحم عالمه المشوش فتضيء الرماديات من حوله. تناقض بين عالمين ولده ذلك الانفضاض المؤسف لمشروعه المحطم ، لذا سيكون طبيعيا أن يثبت لحظة الانشطار المدوي لذاته التي تسكنها الضعة : " تلتقي عيناها ببقاياه ، يلسعه الشعاع البارد ، وهو يمرق مسرعا" ( تراب ، ص 29). ولسوف نجد أن الأشياء التي تبعث على المسرة كالموسيقى والفنون تخفت طالما ارتبطت بأي نوع من أنواع الهذيان. ففي قصة " رقصة " يتمايل الرجل يمينا ويسارا ، فيما الكأس يمتليء عن آخره ، حيث تصفر الريح على إيقاع الأغنية . يحاول الرجل التحكم بلوحة الأزرار الكبيرة ، ربما ليخفض الإيقاع . هنا موقف المراجعة مع العناصر التي تجعل الحياة مقبولة :" تخذله أصابعه في سخرية ، بينما تنتفض الأهازيج القديمة بين أضلعه ، وبين شعيرات أذنيه " ( رقصة ، ص31 ). هو استمرار لمعنى النكوص والتخاذل والخوف من المجهول ، فالعالم الذي يعيشه البطل محكوم عليه بالسقوط. ربما بدا سقوطا رمزيا فيما الحركة على الأرض بين مد وجزر. وهنا نجد اهتزازات الرأس هي نفسها التي نراها في " حلقة الذكر " . هو تناقض يذكرني بقصص القاص الراحل حسين البلتاجي حين كان يرى السمو لمراتب عليا قرينة معاقرة الخمر مثلا. هي رؤية ما وراء واقعية ، وفي نهاية النص تسقط الطائرة ، تهوي بكل قوة وتبتلع مياه المحيط هيكل الطائرة ، مشهد لا يمحو ابتسامة الطيار الذي أغمض عينيه استعدادا للرحلة الكبرى. إنه موقف فيه حس صوفي ومعنى تاريخي وبعد واقعي ، ولعل النهاية التي تعلن عن فاجعة تغاير المدخل الذي رأيناه تأرجحا بين الموسيقى وامتلاء الكأس .
آلاف الضحايا يتقلبن في مصحات هدى قنديل السردية ، وهن يتألمن ويتوجعن من أحداث ووقائع ومصائر معلقة على سيف الضبط الاجتماعي . يفيض الكيل بالنسوة وهن ممدات على طاولات غرفة العمليات فيصبح من الطبيعي أن نشاركها رؤية المشهد حيث أصحاب الأردية البيضاء يلوحون بمشارطهن فيما الأجساد ممدة والتحديق مستمر في الدم واللحم وبقايا الأوجاع. يخفت الصوت وتسري في تلك الأمكنة أصوات النساء المعذبات ، ولا تني البطلات يعنفن أنفسهن ، كل واحدة تترقب لحظة موتها الحقيقي أو السريري : " لم يعد قلبي يخاف الكهرباء . يعاندها ويبدأ في التراخي ! تدلكه اليد المثابرة : واحد .. اثنان.. ثلاثة. ألم يتعب الفم المشدود بعد؟!" ( فلات لاين ، ص67). يتبعثر الإدراك وتخبط القبضة الأنثوية على جدران الحقيقة وتتشابك الأصوات لتتساقط الأنثى في دوامة لا نهائية من العذاب الأبدي . الحقيقة أن الكاتبة تلجأ إلى تضخيم إحساسها بالأزمة ، وتستحضر تجارب محبطة كثيرة ، ولا تتيح أي فرصة لنمو الإرادة الرافضة لكل ما يحدث . أتصور أن تصبح كتابة هذه الأسرار ذاتها هو نوع من الفضح والكشف والتعرية كي لا تتكرر الأخطاء ، وفيما يبدو لي فإن الموت الذي يحيط بأغلب المشهد ، كذا العجز ، وحالات الفقد والإحباط هو اقرب إلى تقرير حالة بالواقع ، لكن عنوان المجموعة نفسها ، بكل عبوسه وترديداته " احتضارات الكون الأخضر" يلمح إلى كون ذلك النوع من الاحتضار يتلون بالأخضر الذي هو نماء واستمرار وخصوبة . فكيف لنا أن نحل تلك الإشكالية التي أوقعتنا فيها الكاتبة؟ علينا في تلك الحالة أن نستحضر العبارة الافتتاحية التي أثبتتها الكاتبة في بداية مجموعتها ، وهو سؤال يبدو صارخا واستنكاريا : " كيف يكون الإنسان بريئا وهو يقف على جبل من الجماجم؟! " جملة وردت في " بعد السقوط " للكاتب الأمريكي أرثر ميللر. تستخدم الكاتبة معانيها المشعة ، وتحرر خطابها من ثقله التاريخي لتبسط حيوات لنسوة يعشن لحظات البراءة في منتهى البهجة تلبية لنداءات الجسد ، فيكون العقاب صارما وصادما . وقتها يعصف الصمت أو الخرس أو الموت بكل مظاهر الحياة ، لتكون إجابة السؤال هي تلك النصوص التي تكشف كل ما اجتهد القوم لإخفائه في ثنايا الحياة ؛ فعرته الكتابة رغم جموحها ، إذ تمردت ورفضت أن يستمر السقوط الإنساني والاجتماعي كظاهرة كونية ، أبدية ، خالدة !
علها تكون " احتضارات" مجموعة من الأشخاص قبل أن يكون احتضار كون كبير يسير في المجرة ، وهو ما تنبه إليه مقدمة المجموعة ف" إلى كل نفس ذاقت كأس الرماد .. إليك بعضا من الصودا الكونية" . هو إهداء فوق أنه ساخر فهو يحول العالم كله إلى مجرد كأس يشربه البشر حتى الثمالة . والإهداء عتبة أولى.
ففي المقدمة ذاتها تعاود الكاتبة رسم صورة تخييلية لعروس البحر التي سحرت ألباب الرجال فظلت الحقائق مخفية في الأصداف أو في قاع البحر. ربما يمكن القول أن تلك المقدمة قد أخذت بعض أدوات الشعر لتعبر عن موقف وجودي محدد هو رفض هيمنة الرجل / الذكر / الأب / الزوج.. ألخ ، فنقرأ :" أركض طائرة في محيطاتهم : عروس بحر بلا صدف يحميها ، وبلا شعر طويل يغطي ملامحها ، وبلا ذيل يرفرف فيعطي بطرطشة الماء ونسا صوتيا لوحدتها " ( مقدمة ، ص5 ) .
* غياب الألوان ، تصحر الروح:
ترفض الكاتبة وهي هنا على لسان الراوية أن تكون جسدا يتحرك أو روح تخفق ، هي إذن في قطيعة مع الحياة حتى أنها تتذكر علاقتها الحميمة مع الأم ، ورغم عذوبة الصور التي تسردها إلا انها تنتهي بالقول :" لكن يا عزيزتي التي لم أعرفها سوى أيام : أنا جثة " .( تقول أمي آه ، ص 23 ).
تحاول الراوية أن تصف أمها فهي تمتلك عقلا ذاب في جمجمة قاسية ، وجميع الشياطين تعربد بين جوانحها . وهي تأبى أن تصدق أن الله امتلكها ككل شيء في الدنيا.
هذه النبرة الاحتجاجية تسود أغلب النصوص بالمجموعة وتحدد مسارها السردي ولكي تعلي من قيمة الاحتجاج لا تتركه مفتوحا على احتمالات بعيدة بل تحدده في تلك " الرائحة العفنة " التي تشمل المكان وتربط ذلك بابتسام الأم لأنف طفلتها الصغيرة ، وتذكر حركاتها حين تداعبها فلا تنطق سوى بسكون.
هو خصام معلن ، دليلها على ذلك الصوت المرتجف ودائرة " السواد" التي تتخلل عيني الأم مع طوابير حزينة تجمعت حولهما ( الأم والابنة ) تاركة باقي نزلاء الحديقة.
لا يقتصر الأمر على تلك الرؤية التي تعلي من قيمة الفضح والتعرية بل توصلها لدرجة الإعلان عن قبح الصورة كلها في عين رجل غريب : " يصلني همس رجل يقول : ياللغوريلا المسكينة ! " (تقول أمي آه ، ص 24 ).
الغوريلا الكبيرة هي بالطبع من أنجبت الصغيرة فثمة تشابه بينهما قد لا يصل حد التطابق ، وحين تغيب صورة الأم يفضي الأمر على سواد مطلق وهنا تفلت عبارة تشي بمقصودية النص فالراوية قد قامت بخرق آخر وصايا الأم .
* الثأر ، ومصادفات الحياة:
الحياة تقوم على سلسلة من الأفعال لبشر يرتكنون لوصايا وقوانين ولوائح بعضها ينتقل شفاهة ، والبعض الآخر يدون في كتب ودساتير ووثائق. في قصة " منطاد" نجد أن ثمة خطوات لفتى أسمر يمضي بلا هدي بين الزرع الكثيف وغيطان الذرة. شيء ضخم يبرز من تحت جلبابه القروي مع انحدار حبات عرق مالحة لتمتزج بشاربه الأخضر الخفيف . يبدو الفتى في مأزق فهو يتضرع إلى الله وتلتصق ركبتاه بسجادة الصلاة .
اللقطة الثانية تبدو لوجه الفتاة التي أحبها ؛ فطعم الفراولة الطازجة في فمها وضحكاتها قصيدة غزل. فيما تطل اللقطة الثالثة لسلة أحلام علقت بمنطاد له رائحة الثأر القديم.
يظهر رجل خشن الملامح لا يبدو عليه أنه استطاع أن يرشق الرصاصات في جسد أبيه . يسقط الرجل في بركة دماء و" يرفع الفتى إصبعه عن الزناد ، ومكبر الصوت المعلق بأطراف المنطاد يدوي في أذنيه : كيف تتزوجها وقد قتلت أباها ؟ " ( منطاد ، ص 26).
ربما تبدو الحكاية قديمة عن فتى مات أبوه مغدورا ، وأحب هذا الفتى فتاة جميلة حلم بان تكون له غير انه يستسلم لمنظومة القيم التي تسود المنطقة كي يغسل عاره بالدم فيطلق الرصاص على جسد والد الفتاة.
الكاتبة لجأت إلى التقطيع والمزج بين مشاهد متعددة ثم ركزت العدسة على القوى القدرية ب" منطاد" ضخم يعلو في السماء وتتقاذفه الريح فتطير الطمأنينة من العيون. ربما بدا هناك ارتباك في تسلسل الأحداث وفي معرفة من القاتل ومن المقتول والعلاقة بينهما غير أن الجزء الأخير من النص يفض الاشتباك فإذا بنا أمام مشهد تقليدي لعملية الأخذ بالثار والتي تنشر في صعيد مصر غالبا وربما في مناطق أخرى بالوجه البحري في حدود جد قليلة.
جمال النص في تصوير علاقة الفتى بالمكان وفي وجله قبل ارتكاب الجريمة ثم بإقدامه على فعل القتل بعد الانتهاء مباشرة من الصلاة بينما الكل يعلم أن الله قد فرض الصلاة على الناس ليتخففوا من قسوتهم ، فيمتنعون عن الأفعال المشينة كإزهاق الأرواح البريئة بغير حق ، لكنه المصير المرعب الذي تجلى في عبارة حاكمة وسط النص :" لكن العيون المتحجرة سلطت أشعة القسوة على المسبحة الخضراء الجديدة ، وانفرط معها كل أمل !" ( منطاد ، ص 25).
إن ترنح الفتى الجسدي في بداية النص تلاه ترنح فكري في منتصف السرد لينتهي بتلك الرصاصات التي ترنحت معه روحه التي فضلت أن تخضع لمنطق القبيلة بدلا من منطق العقل وتعاليم الدين.
* العدم في متتابعات سردية :
ترصد هدى قنديل الحيرة التي تنتاب الناس وهم يمرون بأحداث يومية بعضها اعتيادي لا يكاد يلتفت إليه والبعض الآخر صاخب ويثير الالتفات. إن السياق الذي تجري خلاله الأحداث يدفعهم لردود أفعال حسب مقتضى الحال. ولا شك أن كل تواصل لغوي يفترض معرفة مسبقة كما أن اللغة لا تعبر أحيانا عن جوهر الشيء الحادثة . إن الخبرة الإنسانية المشتركة لها مرجعيات اجتماعية تستند إلى مرتكزات قولية أو فعلية تمتح من اليومي العابر .
في قصة " ليالي الصدأ" ثلاث نصوص قصيرة كل منها تعبر عن موقف ما. فالنص الأول لشخص تاهت السنون في شعره المنكوش ، وأصبح جل ما يصبو إليه سيجارة وشطيرة محشوة باللحم. إنه في مستشفى وينتظر جلسة الكهرباء المعتادة. يتابع برامج التلفزيون وفي إحداها يلقي الوزير الشهير بمحاضرة تقارب فن النصب ، وعلى محطة أخرى ملحد يعلن موقفه . في تلك اللحظة المريرة يستفيق على يد تدس له نوع من البرشام يفرك أذنيه وتعود الثقة إلى نفسه . إنه نوع من الاستسلام للأقدار فليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
في النص الثاني تحضر امرأة تشملها رجفة وحالة من الاشمئزاز وهي لا تطيق البقاء في سرير رجلها. تشعر بالغثيان مع قبلات لها رائحة العفن ، وحين تدور بعينيها في الحجرة تتذكر قبيلة كاملة يصرف عليها المغتصب الأبدي أي زوجها. وفي إيماءة سريالية تثبت الكاتبة مشهد الضفدع يجرها إلى بركة ماء تحرسها أسماك القرش .
أما النص الثالث والأخير فتظهر فيه فاتورة ، يخط فيها رجل قلبين يخترقهما سهم أحمر. إنه يتذكر تلك الفتاة التي امتصت آلامه على سرير جمعهما سويا. ككل شيء جميل ينتهي فجأة ، جاءت سيارة يقودها سائق سكران فصدمت الفتاة وطيرتها في الهواء :" وغاصت بين هاتين الذراعين لآخر مرة. الرجفة لا تزال ترهق عموده الفقري " ( ليالي الصدأ ، ص15).
في النهاية يستسلم لقدره شاعرا بقوة تتخلله ، تجعله قادرا على تحمل الألم اليومي ، والمنغصات الحياتية المتوقعة .
ما يربط بين أجواء المقاطع الثلاثة هو العدمية التي تسود عالم الكاتبة ، ففي الأول وحدة واحتياج لطعام وسيجارة ، في الثانية حالة اشمئزاز من البقاء مع رجلها في سرير واحد حيث تنتابها مشاعر جد مرعية ، في الثالث يأتي الموت صادما ، باطشا ، ليكون هو الحاكم الأبدي في دراما البقاء على قيد الحياة.
هل يوجد ثمة ضوء شحيح في المتتالية السردية ؟ الحقيقة أنه لا يوجد غير قدرة البشر على تحمل مأساة الوجود ، وهو الشيء الذي يتردد بانتظام عبر نصوص " الاحتضارات " فكل نص مفتوح على النصوص الأخرى ، ويفضي إلى حالة جماعية من فقدان الأمل في أي بهجة أو سرور أو تعايش مع الحالة.
* الذات حين تصبح خيال مآتة:
تنقسم الذات في حالات الحزن والتوهان واختلاط القيم وفوضى المعايير. وهي الحالة التي يجد البطل نفسه فيها ، ليتوحد مع " فزاعة خشبية " محدقة في الفراغ ، في حقل براح. إنه ينظر إلى الطيور المتلصصة ويشعر بالوحدة وسوء المصير.
ففي أذنيه تسري زغاريد زفاف " خديجة " ، التي تسخر شفتين طالما رددتا كلمات الحب .إنه الزواج الذي سيعطي الحق لشخص آخر بحل ضفائرها ، هذا الشخص ذو جلباب صوفي أسود. هو إحساس بالفقد ، يصل لدرجة الشعور بالنار تلتهم الجسد :" أخلع جلبابي ، ألفه حول خشب الفزاعة ، أرى عيونها تتحول إلى ّ" ( فرط العنب ، ص 25).
هي عودة لنبرة الحزن ، وهو ما يعني أن المشاعر السلبية هي التي تحيط بالمشهد كله ، هنا يتصور أنه يطبق على فمها ويرفع فأسه ويهوي به عليها. إن الخشب يطقطق ، ولم يعد البطل يشعر بغير صدى الصوت يتردد بين الضلوع : " خشبي لحمك ، ودمك! مبروك! العنب اندبح خلاص ! دم العنب أسود ! مفيش هروب النهاردة " ( فرط العنب ، ص28).
هي اللحظة التي تختلط فيها صور الأشياء وتتولد نوبة عنف ، ساعتئذ يفتح فمه ويترك السواد يصهره في الحقل الذي تتناهى إليه رنين الزغاريد.
هذا الشكل من التراجع والنكوص يتمثل في العديد من النصوص التي نشعر معها أنها تقدم رثاء للذات وللأشياء وللكون كله. أنظر مثلا قصة " تراب " ، وفيها نجد شخصا يزدرد خبزا مغمسا بالتراب وبدنه مقوس وحين تمر به عربة فارهة يلمح صورتها بقميص النوم الأحمر . تقتحم عالمه المشوش فتضيء الرماديات من حوله. تناقض بين عالمين ولده ذلك الانفضاض المؤسف لمشروعه المحطم ، لذا سيكون طبيعيا أن يثبت لحظة الانشطار المدوي لذاته التي تسكنها الضعة : " تلتقي عيناها ببقاياه ، يلسعه الشعاع البارد ، وهو يمرق مسرعا" ( تراب ، ص 29).
ولسوف نجد أن الأشياء التي تبعث على المسرة كالموسيقى والفنون تخفت طالما ارتبطت بأي نوع من أنواع الهذيان. ففي قصة " رقصة " يتمايل الرجل يمينا ويسارا ، فيما الكأس يمتليء عن آخره ، حيث تصفر الريح على إيقاع الأغنية . يحاول الرجل التحكم بلوحة الأزرار الكبيرة ، ربما ليخفض الإيقاع . هنا موقف المراجعة مع العناصر التي تجعل الحياة مقبولة :" تخذله أصابعه في سخرية ، بينما تنتفض الأهازيج القديمة بين أضلعه ، وبين شعيرات أذنيه " ( رقصة ، ص31 ).
هو استمرار لمعنى النكوص والتخاذل والخوف من المجهول ، فالعالم الذي يعيشه البطل محكوم عليه بالسقوط. ربما بدا سقوطا رمزيا فيما الحركة على الأرض بين مد وجزر. وهنا نجد اهتزازات الرأس هي نفسها التي نراها في " حلقة الذكر " .
هو تناقض يذكرني بقصص القاص الراحل حسين البلتاجي حين كان يرى السمو لمراتب عليا قرينة معاقرة الخمر مثلا. هي رؤية ما وراء واقعية ، وفي نهاية النص تسقط الطائرة ، تهوي بكل قوة وتبتلع مياه المحيط هيكل الطائرة ، مشهد لا يمحو ابتسامة الطيار الذي أغمض عينيه استعدادا للرحلة الكبرى. إنه موقف فيه حس صوفي ومعنى تاريخي وبعد واقعي ، ولعل النهاية التي تعلن عن فاجعة تغاير المدخل الذي رأيناه تأرجحا بين الموسيقى وامتلاء الكأس .
آلاف الضحايا يتقلبن في مصحات هدى قنديل السردية ، وهن يتألمن ويتوجعن من أحداث ووقائع ومصائر معلقة على سيف الضبط الاجتماعي . يفيض الكيل بالنسوة وهن ممدات على طاولات غرفة العمليات فيصبح من الطبيعي أن نشاركها رؤية المشهد حيث أصحاب الأردية البيضاء يلوحون بمشارطهن فيما الأجساد ممدة والتحديق مستمر في الدم واللحم وبقايا الأوجاع.
يخفت الصوت وتسري في تلك الأمكنة أصوات النساء المعذبات ، ولا تني البطلات يعنفن أنفسهن ، كل واحدة تترقب لحظة موتها الحقيقي أو السريري : " لم يعد قلبي يخاف الكهرباء . يعاندها ويبدأ في التراخي ! تدلكه اليد المثابرة : واحد .. اثنان.. ثلاثة. ألم يتعب الفم المشدود بعد؟!" ( فلات لاين ، ص67).
يتبعثر الإدراك وتخبط القبضة الأنثوية على جدران الحقيقة وتتشابك الأصوات لتتساقط الأنثى في دوامة لا نهائية من العذاب الأبدي .
الحقيقة أن الكاتبة تلجأ إلى تضخيم إحساسها بالأزمة ، وتستحضر تجارب محبطة كثيرة ، ولا تتيح أي فرصة لنمو الإرادة الرافضة لكل ما يحدث .
أتصور أن تصبح كتابة هذه الأسرار ذاتها هو نوع من الفضح والكشف والتعرية كي لا تتكرر الأخطاء ، وفيما يبدو لي فإن الموت الذي يحيط بأغلب المشهد ، كذا العجز ، وحالات الفقد والإحباط هو اقرب إلى تقرير حالة بالواقع ، لكن عنوان المجموعة نفسها ، بكل عبوسه وترديداته " احتضارات الكون الأخضر" يلمح إلى كون ذلك النوع من الاحتضار يتلون بالأخضر الذي هو نماء واستمرار وخصوبة . فكيف لنا أن نحل تلك الإشكالية التي أوقعتنا فيها الكاتبة؟
علينا في تلك الحالة أن نستحضر العبارة الافتتاحية التي أثبتتها الكاتبة في بداية مجموعتها ، وهو سؤال يبدو صارخا واستنكاريا : " كيف يكون الإنسان بريئا وهو يقف على جبل من الجماجم؟! " جملة وردت في " بعد السقوط " للكاتب الأمريكي أرثر ميللر. تستخدم الكاتبة معانيها المشعة ، وتحرر خطابها من ثقله التاريخي لتبسط حيوات لنسوة يعشن لحظات البراءة في منتهى البهجة تلبية لنداءات الجسد ، فيكون العقاب صارما وصادما .
وقتها يعصف الصمت أو الخرس أو الموت بكل مظاهر الحياة ، لتكون إجابة السؤال هي تلك النصوص التي تكشف كل ما اجتهد القوم لإخفائه في ثنايا الحياة ؛ فعرته الكتابة رغم جموحها ، إذ تمردت ورفضت أن يستمر السقوط الإنساني والاجتماعي كظاهرة كونية ، أبدية ، خالدة !