أكتب إليكي يا أمي هذا السطور مستشعرآ وجودك إلى جانبي في ذكرى مولدك الذي يصادف الثامن عشر من أوكتوبر في كل عام...رحمك الله يا من بغيابها تشققت روحي وأصبح كل الكلام يهوي من شفتي بلا معنى أو جدوى أو هدف,ليس لأن لغتي ضعيفة فقد تعلمتها منك!وليس لأن مصطلحاتي قليلة فقد جمعتها من عينيك,وليس لأن عباراتي خائفة فقد بنيتها من قوتك,ولكن لأنني منذ رحلت فقدت الإلهام والشجاعة والدعم,وأهم من ذلك كله فقدت الشخص الوحيد الذي لا يرى أخطائي أخطاء ولا تقصيري عجزآ ولا يحبطني ولا يثبطني ولا يوقفني, فقدت الشخص الوحيد الذي لا يراني ولا يعاملني ولا ينظر إلي ولا يحتضنني ولا يكلمني إلا كالأطفال...
لعلك لم تتوقفي يومآ في حياتك عن الإصغاء إلّي سواء كان ما أقوله مهمّآ أو سخيفآ,فلا ضير إذآ من أن تسمعينني الآن وقد باتت كلماتي لا تصلك وصوت نحيبي لا يتعب جسدك النحيل المسجّى تحت التراب...في السابق كنت أحدثك لأنني أحتاجك والآن أحتاج الحديث إليك أكثر وأكثر وان اختلفت الأسباب,فتبادل أطراف الحديث معك ممتع وقضاء الساعات أمام ناظريك نعمّة من نعم الله التي أكرمني بها قبل أن يختارك إلى جواره,ولو حاولت تذكر هذه الساعات الجميلة لخانتني الذاكرة في المواضيع التي كنا نطرحها ولبقيت خالدة تلك اللذة في تبادل النظرات والضحكات البريئة بسبب أو بدون...
القلب متعب يا أمّاه والجسد بحاجة لإرتماءة طويلة فوق صدرك,وان كنت في حياتك أخجل من الشكوى والتذمر بين يديك حتى لا تشعري بالقلق أو الحزن وهو ما كنت متأكدة منه بغريزة الأمومة الطاغية على كل حواسك الأخرى,فأنا الآن لا أخجل من البوح بتعبي وحزني بين يدي طيفك الذي لم يغادرني يومآ منذ رحيلك في السادس والعشرين من شهر شباط من عام ألفين وأربعة عشر.
ما هذه الفوضى التي حدثت بعد رحيلك؟؟وما هذا الفراغ الهائل الذي تركه غياب جسدك الذي كان يشغل سريرآ صغيرآ في بيتنا الذي فقد صوتك ووقع قدميكي الطاهرتين منذ خمس سنوات او يزيد كانت تمثل رحلتك الموجعة في مواجهة المرض الذي لم يقوى على النيل من عزيمتك سواه!!اذن فوجودك الحسي غاب قبل موتك بعدّة سنوات فكيف كان لغياب روحك المتوقع منذ أن أنهكك المرض ونهش جسدك هذا الوقع المزلزل على كل من كانوا يعيشون بجوارك؟؟!أنا سأجيب عنك هذا السؤال فأنت لا تستطعين الرد وإلّا لقلت:والله يا بني لم أفعل شيء سوى أنني قطّعت قلبي إلى قطع متساوية وأعطيت كل واحد منكم قطعة منه وكنت أجعل كل واحد منكم يظن أنني أحبه أكثر من البقية وهكذا لم يشعر أي منكم بالغيرة نحو الآخر وكلكّم نلتم الحب الكامل....أمّا اجابتي فهي يا من اتمنى أن يبدلك الله قبرك بروضة من رياض الجنّة أننا كنا نمرّ بسريرك كل يوم,نقترب منك,نعرف أنك لا تعرفين من نحن,نرفع يدك التي لا تستطيعين تحريكها,نقبّلها,نرفعها إلى جبيننا,نعيدها إلى مكانها,نسمع منك تمتمات غير مفهومة,نسألك ان كنت بخير فتومئين بأن نعم وانت لست كذلك,نسألك ان كنت تريدين شيئآ فتجيبين بأن لا وأنت لست كذلك,ثم يمضي كل واحد منا إلى مشاغله اليومية متسلحآ بقوة هائلة استمدّها من أصابعك التي ان مددتها تحتاجين إلى مساعدة في إعادة ضمها مرة أخرى!!!هذه هي الحقيقة يا أمي،لقد كان وجودك المعنوي بيننا وحولنا ووسطنا أشبه بالخيمة التي كنا نجتمع تحتها لنشعر بالأمان والدفء والطمأنينة والسكينة والحنان،كنت تحيطيننا من كل الجوانب!كنت سقفنا والجدران،كنت الأعمدة والبنيان،كنت النوافذ والأضواء،فكان أحدنا يشعر بالإختناق كل ما غادر حجرتك ولا يستعيد قدرته على التنفس إلا إذا عاد في المساء إليك حيث تكونين كما غادرك في الصباح إلا إن كان أبي رحمه الله قد ساعدك بالإنقلاب إلى الجانب الآخر من السرير...
بعد هذا الوصف المختصر لمشهد خاطف واحد من مشاهد حضورك كيف تتوقعين أن يكون غيابك؟!كيف تتوقعين أن يكون بإمكان قلبي الصغير أن يطيقه؟حاولت أن أتكيف وفشلت،حاولت أن أتأقلم فسقطت،حاولت أن أتعلم أو أتغير أو أتطور فكانت النتيجة سلبية دائمآ،فربما كنت بحاجة لجسد وروح جديدين بالكلية، أما إن استمرت حياتي بهذين الجسد والروح فلا أظن أن إستمرار المحاولة سيجدي نفعآ،إن من الإستحالة أن ينطفئ لهيب شوقي إليك ما دمت حيآ...
إن الكتابة إليك تواسيني بالرغم من أنني لا أستطيع استحضار وجهك أمامي بكل تفاصيله دون أن أبكي،إذن!فليكن!مهما كانت خسائري فصفقتي رابحة!فدموعي ولو انهمرت أنهارآ فهي لا تساوي انشقاقة شفتيك لتبتسمين،فكيف ان كنت سأتخيل أنك تضحكين!!يا امرأة لا تتكرر،يا كل عناقيد الفرح،يا جداولآ من الأمل،يا غابة من الأزهار،يا أسطولآ من الألوان،يا مواسم الزيتون والقمح،يا وجه أبي الأسمر،الرجل الوحيد الذي أحبك أكثر مني وكان مخلصآ في حبه فلم يصبر على فراقك سوى عام واحد!!لو لم تكن مصيبتي سوى أنني لم أعد قادرآ على مناداتك ب(يما)لكانت تلك وحدها كفيلة بقصم ظهري...
في ذكرى ميلادك الخامسة والستين أستذكر أمام العالم أجمع أعظم امرأة عرفها قلبي،واعيد قراءة محطات حياتها لأجد نفسي خجولآ من ذكر أفضالها وخصالها،فلم تكن فقط الأجيال التي تخرجت على يديها هي فحسب من تشهد لها بفضلها واخلاصها وعلمها وثقاقتها،بل كل من تعامل معها أو جاورها أو زاملها،أما أنا ابنها الأصغر فترتجف يداي ويعجز لساني اذا ما فكرت للحظة أن بإمكاني إنصافها بالعبارات والجمل،ولكنني رغم ذلك أجبر نفسي ومن باب البر بها بعد وفاتها أن أحاول قدر المستطاع استجماع قواي ووضعها في كلمات تتلكأ بخجل على بوابة قصر ذكرياتها المشيد في قلبي....
ذهبت في منتصف الطريق واختارك الله ولا اعتراض على اختياره ولا نملك بعد افتراق الأجساد إلا الدعاء بأن يجمعني الله بك في مقعد صدق عند مليك مقتدر،إنه ولي ذلك والقادر عليه...رحمك الله وغفر لك وجعل مثواك الفردوس الأعلى
لعلك لم تتوقفي يومآ في حياتك عن الإصغاء إلّي سواء كان ما أقوله مهمّآ أو سخيفآ,فلا ضير إذآ من أن تسمعينني الآن وقد باتت كلماتي لا تصلك وصوت نحيبي لا يتعب جسدك النحيل المسجّى تحت التراب...في السابق كنت أحدثك لأنني أحتاجك والآن أحتاج الحديث إليك أكثر وأكثر وان اختلفت الأسباب,فتبادل أطراف الحديث معك ممتع وقضاء الساعات أمام ناظريك نعمّة من نعم الله التي أكرمني بها قبل أن يختارك إلى جواره,ولو حاولت تذكر هذه الساعات الجميلة لخانتني الذاكرة في المواضيع التي كنا نطرحها ولبقيت خالدة تلك اللذة في تبادل النظرات والضحكات البريئة بسبب أو بدون...
القلب متعب يا أمّاه والجسد بحاجة لإرتماءة طويلة فوق صدرك,وان كنت في حياتك أخجل من الشكوى والتذمر بين يديك حتى لا تشعري بالقلق أو الحزن وهو ما كنت متأكدة منه بغريزة الأمومة الطاغية على كل حواسك الأخرى,فأنا الآن لا أخجل من البوح بتعبي وحزني بين يدي طيفك الذي لم يغادرني يومآ منذ رحيلك في السادس والعشرين من شهر شباط من عام ألفين وأربعة عشر.
ما هذه الفوضى التي حدثت بعد رحيلك؟؟وما هذا الفراغ الهائل الذي تركه غياب جسدك الذي كان يشغل سريرآ صغيرآ في بيتنا الذي فقد صوتك ووقع قدميكي الطاهرتين منذ خمس سنوات او يزيد كانت تمثل رحلتك الموجعة في مواجهة المرض الذي لم يقوى على النيل من عزيمتك سواه!!اذن فوجودك الحسي غاب قبل موتك بعدّة سنوات فكيف كان لغياب روحك المتوقع منذ أن أنهكك المرض ونهش جسدك هذا الوقع المزلزل على كل من كانوا يعيشون بجوارك؟؟!أنا سأجيب عنك هذا السؤال فأنت لا تستطعين الرد وإلّا لقلت:والله يا بني لم أفعل شيء سوى أنني قطّعت قلبي إلى قطع متساوية وأعطيت كل واحد منكم قطعة منه وكنت أجعل كل واحد منكم يظن أنني أحبه أكثر من البقية وهكذا لم يشعر أي منكم بالغيرة نحو الآخر وكلكّم نلتم الحب الكامل....أمّا اجابتي فهي يا من اتمنى أن يبدلك الله قبرك بروضة من رياض الجنّة أننا كنا نمرّ بسريرك كل يوم,نقترب منك,نعرف أنك لا تعرفين من نحن,نرفع يدك التي لا تستطيعين تحريكها,نقبّلها,نرفعها إلى جبيننا,نعيدها إلى مكانها,نسمع منك تمتمات غير مفهومة,نسألك ان كنت بخير فتومئين بأن نعم وانت لست كذلك,نسألك ان كنت تريدين شيئآ فتجيبين بأن لا وأنت لست كذلك,ثم يمضي كل واحد منا إلى مشاغله اليومية متسلحآ بقوة هائلة استمدّها من أصابعك التي ان مددتها تحتاجين إلى مساعدة في إعادة ضمها مرة أخرى!!!هذه هي الحقيقة يا أمي،لقد كان وجودك المعنوي بيننا وحولنا ووسطنا أشبه بالخيمة التي كنا نجتمع تحتها لنشعر بالأمان والدفء والطمأنينة والسكينة والحنان،كنت تحيطيننا من كل الجوانب!كنت سقفنا والجدران،كنت الأعمدة والبنيان،كنت النوافذ والأضواء،فكان أحدنا يشعر بالإختناق كل ما غادر حجرتك ولا يستعيد قدرته على التنفس إلا إذا عاد في المساء إليك حيث تكونين كما غادرك في الصباح إلا إن كان أبي رحمه الله قد ساعدك بالإنقلاب إلى الجانب الآخر من السرير...
بعد هذا الوصف المختصر لمشهد خاطف واحد من مشاهد حضورك كيف تتوقعين أن يكون غيابك؟!كيف تتوقعين أن يكون بإمكان قلبي الصغير أن يطيقه؟حاولت أن أتكيف وفشلت،حاولت أن أتأقلم فسقطت،حاولت أن أتعلم أو أتغير أو أتطور فكانت النتيجة سلبية دائمآ،فربما كنت بحاجة لجسد وروح جديدين بالكلية، أما إن استمرت حياتي بهذين الجسد والروح فلا أظن أن إستمرار المحاولة سيجدي نفعآ،إن من الإستحالة أن ينطفئ لهيب شوقي إليك ما دمت حيآ...
إن الكتابة إليك تواسيني بالرغم من أنني لا أستطيع استحضار وجهك أمامي بكل تفاصيله دون أن أبكي،إذن!فليكن!مهما كانت خسائري فصفقتي رابحة!فدموعي ولو انهمرت أنهارآ فهي لا تساوي انشقاقة شفتيك لتبتسمين،فكيف ان كنت سأتخيل أنك تضحكين!!يا امرأة لا تتكرر،يا كل عناقيد الفرح،يا جداولآ من الأمل،يا غابة من الأزهار،يا أسطولآ من الألوان،يا مواسم الزيتون والقمح،يا وجه أبي الأسمر،الرجل الوحيد الذي أحبك أكثر مني وكان مخلصآ في حبه فلم يصبر على فراقك سوى عام واحد!!لو لم تكن مصيبتي سوى أنني لم أعد قادرآ على مناداتك ب(يما)لكانت تلك وحدها كفيلة بقصم ظهري...
في ذكرى ميلادك الخامسة والستين أستذكر أمام العالم أجمع أعظم امرأة عرفها قلبي،واعيد قراءة محطات حياتها لأجد نفسي خجولآ من ذكر أفضالها وخصالها،فلم تكن فقط الأجيال التي تخرجت على يديها هي فحسب من تشهد لها بفضلها واخلاصها وعلمها وثقاقتها،بل كل من تعامل معها أو جاورها أو زاملها،أما أنا ابنها الأصغر فترتجف يداي ويعجز لساني اذا ما فكرت للحظة أن بإمكاني إنصافها بالعبارات والجمل،ولكنني رغم ذلك أجبر نفسي ومن باب البر بها بعد وفاتها أن أحاول قدر المستطاع استجماع قواي ووضعها في كلمات تتلكأ بخجل على بوابة قصر ذكرياتها المشيد في قلبي....
ذهبت في منتصف الطريق واختارك الله ولا اعتراض على اختياره ولا نملك بعد افتراق الأجساد إلا الدعاء بأن يجمعني الله بك في مقعد صدق عند مليك مقتدر،إنه ولي ذلك والقادر عليه...رحمك الله وغفر لك وجعل مثواك الفردوس الأعلى