ساعة بغداد
discussion
صحيفة الصباح البغدادية: في رواية ساعة بغداد - التحوير الواقعي في الرؤية النسوية للعالم
date
newest »
newest »
all discussions on this book
|
post a new topic

17/3/2018 12:00 صباحا
في رواية ساعة بغداد
أ.د. نادية هناوي
ليس الدخول إلى رأس أحدهم ومشاهدة أحلامه، إلا تقانة من التقانات التي عرفتها روايات الواقعية السحرية واهتمت بتوظيفها، كونها تماهي الحلم بالواقع وتمزج السحر بالحقيقة والخيال بالصدق.
في الواقعية السحرية تتم إعادة صنع الواقع في ذهن القارئ، وهذا ما يمكّن اللغة السردية من الدخول في الطور الاستعاري الذي ينشأ عن حس سحري لفظي بالكلمات والأشياء.. وبالضد تماما من الطورين اللغويين الكنائي
والوصفي.
فأما الكنائي فيجعل ما هو حسي يتجسد في نظام ذي ترتيب خطي أو متوال، وأما الطور الوصفي فمادي متعال على الميتافيزيقيا التي تصبح بموجبه خالية من المعنى .
والرواية التي تتخذ من الواقعية السحرية مذهبا لها، يتغلب فيها البعد الاستعاري على البعدين الكنائي والوصفي...
وقد حاولت رواية( ساعة بغداد) الإفادة من الإمكانيات التي تتيحها الواقعية السحرية، حتى بدا تأثير ماركيز فيها واضحا، لا سيما روايته( مئة عام من
العزلة).
ومع ذلك لم تفلح الكاتبة في صنع الأسطورة، بسبب التحوير الفني الذي طرأ على المسار الواقعي.. الأمر الذي جعل اللغة السردية تنزاح من الاستعارة نحو الكناية التي عادة ما تكون درجة الخيال فيها أقل بكثير مما في
الاستعارة.
وهكذا توزعت الرواية بين كتابين الأول يستذكر الزمن الجميل بلغة سردية استعارية، والكتاب الآخر يتنبأ بزمن مشوه قادم وبلغة سردية
كنائية.
وعلى الرغم من أن الساردة في الكتاب الثاني تقصدت استعمال الكتابة كوسيلة لمعالجة النسيان والمحو؛ إلا أنها مالت واقعيا نحو الوصف والتسجيل الواقعيين، وهذا ما أخرجها عن خطها السحري ذي اللغة الاستعارية الذي لا يميز بين الوهم والواقع ....إلى خط واقعي سوداوي ذي لغة كنائية وأحيانا وصفية تميز بين الوهم والواقع بتمثيل ثقافي
كولونيالي.
وهذا المطب الفني هو الذي أوقع الرواية موضع الرصد في دغمائية الواقعية الصارمة المتجهة صوب الاحتمال والمقبولية والاستنتاج؛ بينما لا تتطلب الواقعية السحرية إلا البساطة التي بها يُترك كل ما هو عقلي وتجريدي لصالح ما هو حلمي ومتخيل..وبهذا ضاعت فرصة الظفر برؤية للعالم خالصة ترصد الحقيقة لكنها لا تحاول الظفر بها.
وبسبب الواقعية السحرية تتحقق المفارقة، لاسيما في التساؤلات التي ترد على لسان الساردة/ الطفلة ومن ذلك تساؤلها عن إطلاق الرصاص تحية للعلم الذي يكشف عن تضادية قيمية مصاغة بلغة بريئة وعفوية ليس فيها تفلسف أو ادلجة" انأ لا افهم لماذا يجب أن نطلق الرصاص في كل يوم خميس تحت سارية العلم .. وعندما تصيب احدهم رصاصة في رأسه ينزل العلم من السارية ويلتف حول جسده. من دون العلم لا يصبح الموتى شهداء وعندما نرسم العلم على خارطة الوطن فهذا يعني أن الوطن
شهيد" 62
لكن توظيف هذه اللغة المتصفة بالبراءة والصدق والعفوية ، سيضيع مع تبني الواقعية السوداوية ويقل من ثم توظيف الحلم بينما يزيد الاهتمام بالتسجيل والوصف، والسبب هو التحوير الواقعي الذي جعل الرواية تتجه بالشخصيات النسوية نحو واقعية تشاؤمية" هاجرت صديقاتنا إلى المدن الباردة بينما نحن نتفسخ في المكان نعيش بابتسامات جامدة وأيام من غبار"125
ولو استمرت الكاتبة في نهجها الواقعي السحري، لنتجت عنه حبكة متقنة ..لكن الانفلات من الواقعية السحرية والانغلاق بسوداوية الواقع المعيش هو الذي سيطر على التحبيك حتى صارت الهجرة هي محور الرواية الذي به وُجهت الحيوات وجهة وصفية تتسم بالتشاؤم..
ولعل ظهور شخصية المشعوذ وهو يقرأ طالع النسوة في المحلة هو السبب في إزاحة الواقعية السحرية وإبدالها بالواقعية السوداوية لتكون الهجرة مصيرا محتما على أهل المحلة الذين سيتوجب عليهم العيش غرباء داخل بلدهم وخارجه" من يريد أن يجرب الغرق فليبقى ومن يريد السلامة فليهرب اليوم قبل الغد اقفزوا إلى قوارب النجاة التي تنتظركم واذهبوا بعيدا عن هذا المكان "ص73
وقد جعلت الساردة صديقاتها وجاراتها هن الفاعلات في تصعيد التحبيك وتعقيده وما استعمال ضمير المتكلمين( نا) إلا إشعار خفي بالغلبة النسوية" وعندما نرى أوراق الأشجار اليابسة في حديقتهم نشعر بالألم تتمنى كل واحدة منا أن تتحول إلى غيمة كبيرة وتنزل مطرا نظيفا يغسل هذه الأوراق من
الغبار" 47
ومن العنوان يتضح النهج الواقعي الذي يراهن على الزمان(ساعة) والمكان(بغداد) وبرؤية نسوية للعالم تمتاز بالتماهي والتشظي معا، كما يتضح هذا النهج ايضا في استعمال الساردة للحلم الذي به تماهت الطفولة المؤنثة مكانيا في عالمين احدهما واقعي لا ترى نفسها فيه والآخر حلمي ترى ظلها فيه" في خيالي أعدت الناس الذين شاهدتهم في الملجأ إلى بيوتهم في شارعنا رتبت تلك البيوت في خطوط مستقيمة ورسمت منها سفينة كبيرة تشبه المحلة التي ولدنا فيها ثم رسمت دخانا أبيض يصعد ببطء نحو الغيوم" 17 .
وليس خافيا أن النفي والهجرة التي فيها يكون المصير محتما بالتشتت في المنافي البعيدة هما من موضوعات الروايات المنتمية إلى مرحلة الكولونيالية تماما كموضوعة الاستحواذ والهيمنة والاستيطان والتبعية وغيرها.
وما يراد اسم لنكولن في السرد إلا بقصدية توكيد وجهة النظر الاستعمارية للرجل الغربي. ولنكولن محام وسياسي أمريكي معروف بلباقته وتوقعاته وكان" يفعل الفعل أو يرى الرأي في أمر من الأمور عن لقانة مدهشة وطبع معجب بكماله فإذا رددت فعله ..ما وجدت فيه شذوذا ولا نقصا كان في أعماله وأقواله كالكوكب في هذا الفلك الدائر يتحرك وفق نظام فلا يضطرب ولا يتذبذب إلا إن ينفرط عقد ذلك
النظام"
وإذا كانت العلاقات الإنسانية في الكتاب الأول الذي عنوانه ( طفولة الأشياء الواضحة) فعلية وواقعية؛ فإنها في الكتاب الثاني الذي عنوانه( المستقبل) ستكون علاقات
افتراضية.
ولأجل أن تغدو خاتمة الرواية صادمة أو ادهاشية؛ فإن الساردة تعمد إلى واقعية التغريب واصفة بغداد بأنها مدينة غرائبية اجتمع فيها السومري بالفارسي والمنتصر بالمنهزم" اضطرب الوقيت المحلي في مدينة واحدة يتقاسم أهلها الوقت حسب أمكنتهم التي ينظرون منها إلى ساعتها ففي هذه المدينة الغرائبية أصبحت مختلفة ..صار الناس يسبحون في فراغ زمني تختلط فيه قرون سحيقة مع سنوات حديثة صار بالإمكان رؤية نبوخذ نصر وسمير أميس يجلسان في مطعم فيه يزدجرد كسرى
نادلا " 254ـ255
لكن ذلك لم ينفع في ردم الهوة بين واقعتين : واحدة سحرية ابتدأت بها الرواية، وأخرى سوداوية انتهت إليها .. حتى بدت الرؤية النسوية للعالم متشظية بالتبعية، مستخلصة لوجهة نظر استعمارية وليست استعارية... فيها بغداد مدينة واقعية هرأتها الحروب
والأزمات..
http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.as...