متحف الذاكرة الحيفاوية متحف الذاكرة الحيفاوية discussion


1 view
د. إبراهيم خليل

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by ضحى (new) - added it

ضحى متحف الذاكرة الحيفاوية لسميح مسعود.. الكتابة بأثر الأشياء
د. إبراهيم خليل - يعد الاهتمام بما تحويه الذاكرة الشعبية من حكايات ونوادر وملح على هيئة القصص ومن أسماء للقرى والمدن والضياع والبلدات ومن أغان ومواوييل وفنون فولكلورية وآلات موسيقية ومقتنيات بيتية شعبية كأدوات الطبخ وتناول الطعام وأباريق القهوة ودلال السادة والمهابيش والأفران البيتية الشعبية وأطباق القش والخيزران ومن أثاث خشبي شعبي ومعدني ولوازم الحرث والدرس ووالحصاد والثياب إن كانت للذكور أو الإناث، وإن كانت للكبار أوالصغار، وما يختص بكل مناسبة من المناسبات من ثياب وملابس، والطرق الشعبية المتبعة في إحياء المناسبات، والمواسم، كموسم النبي روبين، وموسم النبي صالح، وغير ذلك من مواسم بعضها فلكي ذو علاقة بمواسم الحصاد وجمع الزيتون. وهذا كله يعد من التراث الثقافي للشعوب على أساس أن الثقافة لا تقتصر على المتخيل الحكائي المكتوب من حكايات شعبية، ولا على المسموع كالأغاني الشعبية، في الأفراح، ولا على الأدب من شعر ونثر ومن قصص وروايات، ومن دراسات، وبحوث مكتوبة منشورة ، فما ذكرناه يعد جزءا أساسيا من ثقافات الشعوب.
وقد تنبه بعض الدارسين الفلسطينيين من زمن مبكر لهذا فهبوا لجمع هذا التراث وتسجيله وتدوينه وتصنيف الكتب والمعجمات والموسوعات الخاصة بهذا كله، ولمعت أسماء كبيرة كعبد اللطيف البرغوثي، ويسرى عرنيطة، ونوح إبراهيم، ونمر سرحان، وهاني العمد، وتوفيق زياد الشاعر المعروف، وحنا أبو حنا، والروائي المرحوم إميل حبيبي، ويأبى الشاعر سميح مسعود إلا أن يكون له باع طويل في هذا المجال، حفظا لجانب مهم جدا من تراث الشعب الفلسطيني القديم والمعاصر، فيصنف إلى جانب مؤلفاته الأخرى كتابا جديدا بعنوان متحف الذاكرة الحيفاوية، تشبيها لما في كتابه من محتويات بمتحف الحياة الشعبية، أو متحف البيت الشعبي، لكنه لشدة حبه لمدينته التي رأى فيها النور، ودرج على ترابها، وفي أحيائها طفلا، سمى الكتاب باسم حيفا، وإن كان في حقيقته يسلط الضوء على جانب من التراث الثقافي الفلسطيني عامة لا الحيفاوي حسب.
ولا أدري لم يذكرني هذا الكتاب (الآن- ناشرون وموزعون، عمان، 2014) بكتاب كنت قد اطلعت عليه قبل سنوات طويلة بعنوان أرطاس، وهو كتاب باللغة الإنجليزية ألفته طبيبة فنلندية أتيح لها أن تقيم في هذه البلدة الفلسطينية القريبة من بيت لحم في عشرينات القرن المنصرم من 1925- 1931، وقد تضمن الكتاب المطبوع على ورق من القطع الكبير صورًا وشروحا بالمئات تمثل بمشاهدها وشروحها لقطات من الحياة الشعبية الفلسطينية عامة، وفي بلدة أرطاس على وجه الخصوص. وقد يعزى هذا الربط لما بين الكتابين من تشابه، وما يجمع بينهما من حرص على توثيق التراث الشعبي، وحفظه، وصيانته من الضياع، لا سيما وأن فلسطين تتعرض منذ نيف وستين عاما للتهويد، ولطمس هويتها التاريخية، والثقافية، على أيدي شذاذ الآفاق ممن ابتلي بهم شعب فلسطين والعرب عامة والعالم.
يقع كتاب سميح مسعود في 136ص من القطع الكبير. وفيه نحو 12 فصلا لكل فصل عنوان يوحي بمحتواه. فالفصل الأول على سبيل المثال موسوم بعنوان مقتنيات شخصية. وهو في الحقيقة يجمع بين مقتنيات شخصية وأخرى غير شخصية، فالصور الأنيقة التي جرى توزيعها على الصفحات تجمع بين صور لساعات سويسرية قديمة وكاميرا للتصوير الشمسي ومتر خشبي للقياس وفرشاة حلاقة ومقص وموسى حلاقة. وهذه المقتنيات يصح القول بأنها لاستعمال شخص معين ولكنها من الجانب الآخر مقتنيات غير شخصية، فالجيل الذي استعمل هذه الأدوات امتلك كله أو بعضه على أقل تقدير- نماذج منها، وربما كانت آلة الخياطة التي تظهر بجلال أنيق في ص 22و23 هي الأخرى نموذج شاع استعماله في غير المكان والزمان المحددين في عبارة(مقتنيات شخصية) وهنا أحسب المؤلف لشعورة بقرب هذه الأدوات من نفسه يعدها مقتنيات شخصية، وإن كانت بالمعنى العام مقتنيات غير شخصية.
ولا يملك المتصفح لهذا الكتاب الأنيق إلا أن يتوقف أمام عدد غير قليل من الصور النادرة التي تقفنا على جانب من ذلك التراث، كالصور التي تمثل دعوة لحضور حفل لسيدة الغناء العربي في حيفا، والغرامافون الذي درج استعماله في ذلك الحين، وهوالغرامافون الذي كتب جبرا إبراهيم جبرا أجود قصصه القصيرة عنه بعنوان(الغرامفون) إلى جانب زهريات من الفخار الملون، وساعات، وأطباق من القش الملون، وأباريق من النحاس، أو الفضة، بأعناق طويلة تذكرنا بأعناق الكراكي، ومرايا مزخرفة إلى جانب نماذج من الخناجر المرصعة الأغماد، والمقابض، التي تمثل نماذج متعددة ذات استخدامات متعددة أيضا. وتشتمل فصول الكتاب على فصل خاص بالصحف والمجلات القديمة التي يحتفظ بها المؤلف حتى أيامنا هذه، كمجلة المصور، ومجلة المنتدى، ومجلة هنا القدس، التي تشبه مجلة هنا لندن الإذاعية الشهرية. ومن الصحف المقطم، والوقائع العراقية، ومجلة الجامعة ، والروائع. وقد تضمن هذا الفصل صورا من الصفحات الأولى في الأعداد مما يجعله أدخل فصول الكتاب في التراث الثقافي.
ومما تعنى به النساء عادة الحلي، وأدوات التجميل، وقد أفرد بابا للمكاحل النحاسية المزخرفة، والحلي الفضية والذهبية، والثياب المطرزة بالألوان، وبالحرير، وبالقصب. ويعد الفصل الخاص بالثياب والفصل الخاص بالحلي، والخاص بالنقود، من أمتع الفصول، بما تحتوية من صور فريدة جرى تنفيذها بطريقة فنية تقوم على الإفادة من التوازن الدقيق بين الكتلة والفراغ. مما يريح البصر، ويمتع العين، فضلا عن العقل والذهن.وعلى هذا النحو، أو ذاك، جاءت الصور الرائعة لمصابيح الإنارة من قناديل وشمعدانات، ومن (لوكسات) ومن مفاتيح للأبواب، وقد أحسن المؤلف صنعا بالتفاته إلى المفاتيح؛ لأن لها منزلة كبرى في الثقافة الشعبية الفلسطينية، ذلك لأن كثيرا ممن لجأوا في العام 1948 مازالوا يحتفظون بمفاتيح البيوت التي أجبروا على تركها للمُعتدين. وأصبح المفتاح بسبب ذلك أيقونة فلسطينية ترمز لذلك التعلق بالمكان. ويحتل المفتاح، من حيث هو تعبير رمزي، مساحات كبيرة في الأدب الفلسطيني المعاصر، سواء في القصص، أو في الروايات، أو حتى في الشعر. وقد نظر للمفتاح في هذا الأدب، لا باعتبارة دليل ارتباط بالوطن حسب، وإنما دليل الاحتفاظ بحق العودة.
ولما كان لكتاب سميح مسعود جل هذه المزيا والفضائل، فلا نملك إلا أن نشكر من أسهم في جمع مادته، والتأليف بين ما هو متفرق ومتناثر منها، وتنفيذ الصور، وإخراجها على صفحات الكتاب إخراجا يجمع بين الجماليات وترسيخ المعنى الرمزي للصورة. والشكر أولا وأخيرا للمؤلف.
* أكاديمي وناقد من الأردن.
الاحد 2014-06-08


back to top