فوق بلاد السواد فوق بلاد السواد discussion


5 views
صحيفة الزمان

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by Azher (new)

Azher Jirjees الدعابات الذكية والفكاهة غير المتوقّعة

حمدي العطار

ليس من السهل أن تخلق أبتسامة لدى القارئ تحمل فيها شيئا من السياسة والمشاكل الاجتماعية والنفسية غير بعيد عن ذلك الفهم الخاطئ والخطير للمعتقدات الدينية في ظل أنتشار الارهاب وما يخلفه من موت ودمار،مجموعة من قصص وحكايات ساخرة يقدمها لنا “أزهر جرجيس ” فوق بلاد السواد” صدرت المجموعة من المؤسسة العربية للدراسات والنشر –بيروت ،تقع المجموعة في 152 صفحة من الحجم المتوسط،وتضم مجموعة من المشاهدات ومواقف حدثت للكاتب أو هو يرويها وقد يكون سمعها من الأخرين،في كل قصة هناك عنصر من عناصر السخرية كما لا تخلو من التناقض الذي يثير الاعجاب والضحك احيانا (الضحك الاسود) كما أن في نهاية كل قصة هناك ما يطلق عليه (الضربة) أو (القفشة) على حد تعبير المصريين!ا

يوم ضائع

مقولة للممثل الكوميدي المضحك بأسلوبه الصامت – تشارلي شابلن- يضعها القاص بمثابة تنويه لأهمية السخرية والضحك في حياتنا،وهو ما عبر عنه ايضا الناقد د. حسن سرحان على الغلاف الخارجي للمجموعة “نصوص هذه المجموعة فوق بلاد السواد ذات نكهة خاصة ستفرض وجودها يوما وتغير الوجه الكالح الذي طالما وسم أدبنا العراقي منذ الولادة الى اليوم”

الطبيب والمهرج

يستشهد القاص بحكاية مقتبسة للكاتب التركي (عزيز نيسين) وهي تحمل كل التناقضات التي يمكن أن يتصورها القارئ ،مريض يراجع الطبيب يشكو له فقدان اي طعم للحياة ،ويعد نفسه مسؤولا عن كل الجرائم التي تحدث في العالم مما يسبب له هذا الشعور بالكآبة والحزن المستمر،بينما يقترح الطبيب النفسي لمريضه كعلاج واقعي وينصحه بالذهاب الى السيرك الذي يقع بالقرب من عيادته ومشاهدة المهرج (صورته معلقة على واجهة السيرك) في الحفل المسائي لهذا اليوم وسوف تتخلص من السأم والكرب وتبدأ بالضحك،وتشعر بطعم الحياة من جديد.

فيجيب المريض،وقد أطرق رأسه:- “لكنني يا دكتور، أنا المهرج نفسه”

قصص تخلق النشوة

34 قصة أستخدم فيها (أزهر جرجيس) في مجموعته أسلوبا سرديا حديثا، في كفتي ميزان لمحتوى فيه أتجاهين الأول مباشر يتناول ثيمة من الحياة الواقعية ،والاتجاه الثاني رمزي يخلق عند القارئ النشوة بعد أكتشاف المعرفة ،فنيا تقنيات القصة القصيرة لا تستطيع أن تعطي مفاهيم عميقة كما تفعل الرواية ألا أذا أستخدم القاص رؤيته الفكرية تجاه موضوع مثير للجدل يمثل سببا للسعادة أو دافعا للتعاسة !

قصة شعيب وأشكالية المضمون

لا بد للقارئ أن يتوقف عند هذه القصة لما تملكه من مضمون يضغط بشكل مباشر على واقع الانسان في كل مكان يعاني من الارهاب وعلى المواطن العراقي الاكثر تأثرا بالأرهاب !طالما العراقي كأنسان بسيط أو حتى كمثقف يتساءل بحيرة لماذا الارهابيون يتصرفون بهذا الشكل العنيف! وماذا يستفيدون من القتل والانتحار؟ وكيف يتم أقناعهم بأن الدين الاسلامي والله والنبي يأمرهم بالقتل؟ ليكون مثواهم الجنة وحور العين وغيرها من الملذات المادية؟ القاص يلخص كل هذه المنظومة المعقدة بسردية حوارية تدور بين (شعيب) الافغاني – الارهابي- سابقا- الفنلندي ،طالب الدكتوراه في الفيزياء في جامعة هلسنكي العظيمة-حاليا.والطرف الثاني من المحادثة هو (هيثم) النرويجي من أصل عراقي وهو يمثل صوت القاص!

جعل القاص مكان اللقاء في السفينة النرويجية وفي هذا الاختيار لمكان القصة رمزية عولمة الارهاب ،بعد مجاملات التعارف،يستغرب هيثم العراقي معرفة شعيب الافغاني للغة العربية ويسأله أين تعلمها؟ يجيب شعيب “في مدارس القرآن في كابول،كنت طالبا في حلقة دينية ومجاهدا”في سبيل الله” لكني تركت كل ذلك وجئت إلى فنلندا”!هنا نقطة التحول في القصة ليتحول الحوار الى مناقشة فكرية لعقيدة الارهاب ومعنى الدين والجنة والاخرة! لأن شعيب بعد تعرضه الى اصابة بعد الاشتباك مع (الكفار) هرب رفاقه وتركوه ينزف ،في المستشفى بباكستان يتعرف شعيب على الحاج المتنور والشيخ صاحب الخبرة والدراية بالدين والدنيا ليحتضن شعيب ويعلمه بهدوء (ماذا يعني الله،وماذا يعني الشيطان، وما الفرق بين الايمان وبين ما كنا نفعله في خلق الله وعباده)

وفي حوار فلسفي يضعنا القاص على لسان “مشرفي” ماذا تعني الجنة (تعني أن تكون مع ربك في النهاية راضيا مرضيا) أن الوصف المادي للجنة في القرآن جاء لغرض أن يستوعب الانسان المفاهيم ،فالتقريب مهم فلا بد من أدوات تقرب المعنى ،”كما الصغير لا يعرف عن اللذة أبعد من الشعور بأكل الحلوى،ألا ترانا نشرح معنى اللذة للطفل على أنها مثل الحلوى؟! هذا ما يفعله القرآن معنا، يقرب لنا ما سنناله في الجنة بالعسل واللبن والنساء (حور العين) والخدم والحشم،وما تفهمه عقولنا،لكن الحقيقة أكبر من هذا بكثير والجزاء من طعام وشراب وجنس″ وعن لجوء شعيب الى فنلندا بالذات “لأنها ارض لم تلوثها الدماء ولم يفسد هواءها البارود”وحينما ينساب الحوار بهدوء راقي يمتزج فيه المزح باللمحات الذكية يرد شعيب عن سؤال هيثم :-أتمنى أن يأتوا لى فنلندا. /من؟ الذين يلقبون أنفسهم بالمجاهدين؟هل جننت يار رجل؟ كلا لست مجنونا، لكنهم لو جاءوا الى فنلندا، لوجدوا “جنتهم” التي يبحثون عنها،سيجدون خمرا ونساء وفاكهة وعسلا وأنهارا وأشجارا وكل ما يشتهون… أليست هذه هي الجنة التي يريدونها؟! لو كان من يكتب هذه القصة شخص كئيب وليس قاصا مثل أزهر الذي يملك السخرية القدرية والقدرة على عكس المعاناة لتكون لحظة من الابتسامة التي تنير خفايا القصد بالطرفة اللاذعة لنرى هيثم – أزهر – كيف ينهي هذا الحوار الممتع:-

-إذن فليأتوا ويظفروا بها بلا قتل ولا ذبح ولا تفخيخ،ويتركوا أهلنا بأمن وسلام.

-أذا كان هكذا، فياتوا كي..

-كي ماذا؟

– كي نعود يا شعيب…كي نعود..

حكايات تلمع بالكوميديا المعبرة

يحاول القاص (أزهر جرجيس) أن يخفي الحزن النبيل لكل القصص التي سردها في مجموعته،ولا يوفق في ذلك ألا عبر تغطية كل حكاية بجمل كوميدية تكشف حس الفكاهة والسخرية الكامنة في روح القاص عبر ذكرياته المتنوعة التي تربط بين الطفولة والمراهقة وحتى الوقت الحالي، أزهر قادر أن يصيد المعاني الرائعة في قصص (يا له من وطن) حينما يتم اعتقال حمد ويجري تعذيبه من دون معرفة السبب، فقط يسألونه (حمد لو حمود)فعندما يجيب (حمد) يستمر توقيفه وتعذيبه يوميا الى أن يضعنا القاص في نهاية القصة على هذه الاشكالية الامنية”لقد تبين فيما بعد بأن أحد الرعيان قد وشى بهما حسدا،كان قد أوصل وشاية الى الفرقة الحزبية بأن حمود البدوي يسب الحزب والثورة كلما طلع النهار،فأمسكوا بحمد ظنا منهم بأنه حمود وجرى عليه ما جرى، المسكين كان بينه وبين الموت حرف واحد، فلو قال في غرفة التعذيب ،وقتئذ بأنه حمود لطار رأسه…يا له من وطن!

وكذا باقي القصص التي يكتبها القاص في تعبير ساخر سخرية لاذعة لا يستطيع القارئ أن يخفي ابتسامته فيها نوعا من المرارة ،كما في قصص((ماركوس لا ينفخ،معلمتي ذات الرداء الأحمر،بلد الزهور ،ابو السحورة،جبار ابو الدين،قصة زنوبة الحمرة)) حتى يصل الى قصة (فوق بلاد السواد) التي أستمد اسم المجموعة منها وتتحدث عن (غسان) الذي يهاجر الى بلجيكا يقضي يومه نائما على الاريكة وسط الدار امام التلفاز في الليل وفي النهار لا يقوى على شيء سوى التدخين وشرب الشاي، ويعيش مع كريستين بعد ان فقد عمله،تجبره كريستين أن يخوض معها رحلة بالمنطاد في تصور فنطازي وبسعادة وفرح يعبران أوربا ليصلا الى الشرق (انتبه غسان وطارت السكره من رأسه) عندما يحس بأنه الان فوق بلاد السواد “دخان أسود يلبد تلك السماوات بينما تنبعث من الأرض رائحة الجثث المتفسخة” أنه العراق المحترق يا غسان” يحدث نفسه ، ليقول لصاحبته بعد ان يشير الى داره في العراق”في هذه الدار الموحشة،في هذه الأرض المحترقة،وتحت هذه السماء المعفرة بالخردل،دلفتني أمي وهي متشحة بالسواد” تستوعب عندها كريستين سبب تعاسة غسان لتقول له “دعنا نطير يا صديقي ما دام الهواء لم ينفذ بعد من المنطاد، أما الدار فلها رب يحميها”

وللحزن مكان

ومثلما للسخرية والضحك المكان الاهم في المجموعة فهي لا تخلو من الحزن ايضا، ويتجسد الحزن في عبارات كثيرة في القصص لكنها تتركز في القصة الاخيرة من المجموعة (خمس دجاجات) حينما يساق أبو ليلى القهوجي الى الجبهة في الحرب العراقية الايرانية ” وقف وسط الدار ليودع بناته الأربع″ كان يضع اشارة فوق يد كل واحدة منهن بعد ان يقبلهن ويشمهن ويطبع على ايدهن ساعة،وحينما اراد ان يفعل نفس الشيء مع زوجته (أم ليلى) وهي تجهز له السفرطاس ليأخذه معه الى قاطع شرق البصرة،”طهت له وقتذاك ديكا محشوا بالرز والكشمش مع مرق الفاصوليا الذي يحبه” ما بك؟ هل تبكين على فراقي؟/لا/ تبكين على بناتنا؟لا /على رزقنا الذي سينقطع؟لا/إذن، على ماذا تبكين يا أمرأة؟- أبكي على الدجاجات،سينمن الليلة بلا ديك/أم اللول لا تخافين ،الديج راجع راجع ،بعد ستين يوما باعت أم ليلى دجاجاتها الخمس واشترت بثمنهن خمسة أثواب ســـــود”

عضة شلوع

في هذه القصة يسخر القاص من السياسيين ووعودهم الكاذبة بطريقة ساخرة،فشخصية (محمد دكمة)وهي شخصية مؤثرة في المجموعة وموجودة في أكثر من قصة! يقرر تأسيس حزب معارض لحزب البعث ويفاتح صديقه (السارد)بأنه سوف يسمي الحزب (حزب الاخوين) هذا اسم حزب لو دكان بقالة؟ يرد محمد هو حزب خاص انا وانت انا الزعيم السياسي للحزب وأنت قائد الجناح العسكري! ويسرد القاص بأن أول عمليةعسكرية مسلحة لحزب الاخوين هي رمي الزجاج الخلفي لفرقة القعقاع بالحجارة لزرع الرعب في قلوب البعثيين!ويكلف فيها القائد العسكري بهذه المهمة،بينما محمد دكمة يقف قريبا من رأس الشارع كي يراقب دخول وخروج الحرس،ينفذ السارد مهمته،وينكشف أمره وبدلا من مساعدة الزعيم السياسي ويبعد الحراس عنه او يعرقلهم يسمعه يصيح “مناك مناك..بالدربونة بالدربونة” لقد باعه الزعيم عند اول تجربة ونتيجة هروبه يسقط في أحضان كلب اسمه (شلوع) كان كلبا شرسا يترك في جسده نياشين كلما يتحسسها يقول في سره “التوبة إذا وثقت
بزعيم سياسي يدعي أنه يملك مشروعا جبارا وأفكارا خلاقة لبناء البلد”
https://www.azzaman.com/?p=209063


back to top