الوشم الأبيض
discussion
واقعية اللامعقول وسريالية الحدث .. قراءة في رواية "الوشم الأبيض – الأستاذة لولوى أبو رمضان – موقع الكتابة"
date
newest »
newest »
all discussions on this book
|
post a new topic

فقرة نثرية مفعمة بالشعور والأحاسيس تدفعنا معها إلى التفكير كثيراً وتحليل كل ما يحيط بهذه الفقرة المميزة من أحداث جزئية وخبرات أدبية متنوعة ، وبالتالي البحث عن قيمة هذه الرواية القصصية الإسطورية السريالية والتي تحمل عنوان (الوشم الابيض) للأديب المصري د.أسامة علام ، والتي أحداثها تُخالف المعقول في معقوليته حتى ليبدو التفكير في أحداثها غير واقعي ، وفي مثل هذا الحال تبدو الوقائع المرجعية ، وكأنها تستوي على ما تستوي عليه الواقع الغرائبي الخاص بالخيال ، وهي الوقائع التي تقع فيها صفة مالا يصدق ، ومالا يقبله العقل أو صفة اللامعقول ، واللامعقول هو مايُخالف المعقول في معقوليته أو يتجاوزه حتى ليبدو بالتفكير فيه غير واقعي كلام فلسفي ذكرته د.يمنى العيد في كتابها النقدي (فن الرواية العربية) و سنحاول بدورنا تطبيقه على هذا العمل الادبي والحكم عليه من هذا المنطلق النقدي
السريالية: مدرسة ما فوق الواقع
هي المدرسة التي تُلقي بظلالها النقدية على رواية (الوشم الابيض) أول ما تُلقي ،وهي أكثر وقْعَاً وحداثة من المدارس الأخرى على الأدب ، هي مدرسة اللاوعي بجدارة والتي ظهرت إثر إنتشار سلطان العلم كما جاء في كتاب د.محمد زكي العشماوي (الأدب وقيم الحياة المعاصرة) وقد اشتهرتْ هذه المدرسة بالتمسك بما في الإنسان من ملكات وما جُبل عليه من استعدادات فطرية ، فهي السبيل الوحيد للكشف عن طبيعة النفس الإنسانية لأن نمو العقل وخضوعه لما تفترضه العادات والتقاليد والوعي المنطقي من شأنه أن يَعوق خيال الأديب ،ويفسد فطرته السليمة
لكن هل ستستطيع رواية( الوشم الابيض) , والتي جاءت بعد أربعة روايات ( تولوز، ورواية الاختفاء العجيب لرجل مدهش، وواحة الزهور السوداء، وقهوة صباحية في مقهى باريسي) على أن تكون رواية عربية مُميزة بلغتها الروائية التلقائية و بإسلوب اللاوعي؟ وهل أبدعتْ لغتها السردية وفتحتْ الباب أمام العقل الباطن وحده لكي يُعبر عمّا يجول فيه من مشاعر أم بقيت مجرد حكاية أدبية ؟ وماهي الإضافات الفكرية والفنية التي أضافها الأديب أسامة علام في روايته وبدورها ستثري الرواية العربية الحديثة؟
رواية الوشم الأبيض وعلاقة المتخيل الروائي بالوقائعي المرجعي مفهوم مختلف للواقعية
كانت مهنة (جون سبيستيان اندريه) التي حولته إلى أُسطورة سوداء هي رسم الوشم المقدس… ذلك الرّسم الذي بطباعته على الجلد يستطيع السيطرة عليه و تغيير قدر الموشوم
لا نستطيع أن نقول هنا -وفي هذه الرواية بالذات- أن فظاعة عالم الواقع تُربك السرد لأنها تبعده عن ميدان التأليف الخيالي , فقد أعلن الروائي الفرنسي (فرانسوا مورياك) في كتابه النقدي (الروائي وشخوصه )أنه سينقطع عن كتابة الرواية لأن فظاعة عالم الواقع تطرده من ميدان التأليف الخيالي لكن هنا وفي هذه رواية (الوشم الأبيض) تُعنى كثيراً بإقامة عالم روائي مُتخيل موازٍ للعالم المرجعي ،عالم مثيل لايختلف عن أي عالم يقدم صورة، لكن قد لا يقدم حقيقة، نفس المرجع النقدي السابق د. يمنى العيد ص95
الأحداث السردية بين الصدق والخيال
الأحداث في رواية (الوشم الأبيض) القصصية نتتبعها من بدايتها السردية التاريخية ومن خلال كتب التاريخ التي تذكر تلك الرحلة المشؤمة ص 10 ثم نتعقب مراحل نموها وتغيراتها المعقدة اللذيذة ، لتصل بنا في النهاية إلى نتائج تتفق مع مايجول في نفس الأديب من وقائع تجسيد معاني العواطف الإنسانية السلبية كالحزن والكراهية والندم ص171 والجنون ص 172باسلوب وصفي مجسد على شكل إنسان (يكرر( الندم) بأنني المسؤول عن كل مايحدث لي ولمود) ص171وفي أثناء نمو الأحداث لا يفوت الأديب إلقاء الضوء على الملابسات التي أدت لوقوع هذا أو ذاك ،كل ذلك من خلال طبيب مصري كندي يعيش في مونتريال تسوقه الظروف المهنية للمتابعة مريض نفسي ليس كأي مريض (مريض إستثنائي) ص17( كل الأطباء الذين تابعوا حالته ماتوا ميتات وحشية مرتبطة دائما بشفاء جون سبيستان ببساطة ماتوا منتحرين) ص17، وبراعة الأديب في جمع شتات الأحداث السردية والتنسيق بينها في ترابط مسبب ومبرر منطيقيا وإحكام السيطرة عليها ، وخاصة أثناء معالجته لمريضه جون سبيستان وتعرفه على الفتاة العشرينية من أب كندي وأم افريقية ،تدعى( مودبيير) طالبة في كلية الطب في (ميجيل )لها وشم أبيض عجيب على جلدها الأسمر لأفعى تلف جسدها كشجرة ص27 ، ومن وقت هذه المعرفه بالفتاة وأهلها وأبيها واطلاع (د. اشرف) على حقائق غريبة جداً يسردها عليه (جون سبيستان) وهو متمدد على سرير الكشف ص28 ، تشابكتْ ،وتعقدتْ الأحداث وظهرتْ معها الكثير من المواقف الجزئية التفصيلية التي استولتْ على فكر البطل وشغلته بطريقة جنونية أخافته لتتجلى فيها ذلك الصدق والتبرير الفني ص36 وليس الصدق الواقعي ، ويؤكد معه ما قاله د.محمد غنيمي هلال في كتابه (النقد الادبي الحديث) على لسان الشاعر الفرنسي جورج دوهامل الذي قال:(أنت صادق النية فيما تريد، تعلم كيف تكذب) وهنا تظهر أصالة الأديب مرة أخرى في عرض الواقع لتغيره لكن دون التصريح بآرائه مباشرة ولكن على الشكل السريالي والإيحائي لما يؤمن به ليؤثر في القارىء ويجذب انتباهه
شخصية البطل وحيوية الاخر
وفي هذه القصة الدرامية المليئة بالحركة والتصرفات المنطقية تارة والخيالية تارة أخرى والتي تظهر بعفوية إنسانية عند الشخصية الأولى والمسؤولة عن الحركة في الرواية وعن ابراز الأفكار المتلاحقة بانسياب تام ، وتجسيد المعاني الانسانية وهي شخصية البطل الأول والاخير والمتمثلة في الدكتور أشرف (أما ما اقسم عليه أنا ..أشرف المواطن الكندي المصري طبيب الأمراض النفسية بمستشفى رويال فيكتوريا بمونتريال فهو أن المدعو جون سبيستان أندريه يسكن مدينتي وأنه المريض الذي غير حياتي كلها بقصته العجيبة...جذور عائلتي تعود الى أمازيغ صحراء مصر الغربية الذين قطنوا واحة سيوة ...طفولتي كانت مقسمة بين عالمين عالم زاهر يراه الجميع وعالم الخفاء الاكثر عمقا ...الان اتذكركثيرا من الشخصيات عوالم كظلال باهته … المدهش ترسخ لديّ شعور بأن كثيرين ممن أُقابلهم قد قابلتهم في خيالات طفولتي أو ربما إننا تقابلنا في أزمنة أخرى...) ص 10 وص 11فهو شخصية تُجسد قيم مجتمعه المصري الشرقي وجذوره البدوية في واحة سيوه ( أنت ابن ابيك يا أشرف) ص48 في أحيان عديدة وشخصية ثانية متفاعلة مع قيم ،إنسانية أخرى وتوجهات إجتماعية غربية يقوم بها لكنها ليست متأصلة فيه كعلاقته ب (مودبيير) صاحبة الوشم الابيض وأخذها إلى البيت في الغابة ثم حبه وعشقه الغريب لها فيما بعد (أعادتني مودبيير إلى حزن الفطام عن الجمال بالبهجة التي تخلقها حواء منذ الازل) ص 131، ص 132كل ذلك يظهر في اتساق فني وتفهم كامل للأحداث ليخرج لنا في إطار من الإبداع الفني والأدبي المطلوب كل ذلك متصل كل الإتصال بالشخصيات الأخرى التي اقتحمت حياة البطل فبدلتها ص 147. هي رواية قصصية تتسع لدخول أشخاص آخرون يختلفون عمن نألفهم من الناس ،هم وحدهم يثرون الفكرة القصصية بحيويتهم وتفاعلهم المطلوب سواء كانوا واقعيين أو خيالين، من خلالهم يؤكد الأديب د.أسامة علام على أفكاره من خلال راوي سارد وبطل رئيسي في هذه الرواية السريالية البحتة ، فإضفاء مهنة الطبيب النفسي على الشخصية الأولى هي من خلقت هذه النوازع والإيديولوجيات العلمية والثقافية وأخرجتْ الرغائب الداخلية من العقل الباطن لتطفو على السطح عند د. أشرف وهو في بيت( تيكانا) ليظهر صورة أخرى جميلة للعقل الباطن أوما يسمى باللاشعور عند (مود) بشكله الأقوى والذي لامجال للشك فيه , يتواجد معها وهي تُعاني ألم الحمى الشديدة في بيت الغابة ص 135 . د. اشرف هي الشخصية الأولى والمتطورة المُهيأة للإستثارة في العواطف والإنفعال ، وردود فعلها الإنسانية المتوقعة وغير المتوقعة ، تجعلها في صراع نفسي دائم وأحلام غريبة وهلوسات لاحد لها ( في هلاوس اغماءتي... )ص 11وصراع خارجي مع الأحداث التي تتسم بقدر كبير من الديمومة والإستمرار ، بحيث تبرز بشدة ومنذ الوهلة الأولى صفات الشخصيات الثابتة والملاصقة للشخصية البطل والتي ساعدته في البوح بأسئلة فلسفية وعبارات مناسبة تناسب السياق الروائي ، جاءت في آخر فصول الرواية كلها حكمة وجمال ص125وص129 ( بينما سلام ابدي وبهجة غامضة يلفان روحي) ص130
ومن هنا ظهرت في رواية( الوشم الأبيض) النوع الذي يُطلق علية بقصة المعادلة في الرواية- كما أسماها الناقد د.عزالدين ابراهيم في كتابه (الأدب وفنونه) لجمعها بين سمات (القصة السردية) و(قصة الشخصية) ففي الأولى ينظر للوقائع والأحداث وتسلسلها بمفهوم اللاواقعي ، وفي الثانية يكون هدفها هو إبراز الشخصية الأولى وادماجها في كل العناصر الفنية للعمل الأدبي فيوليها الكاتب كل التركيز والإهتمام إلى النهاية التي يختلف على نوعها , هل هي نهاية حزينة أم نهاية مأساوية أم نهاية بدايتها حزينة ونهايتها سعيدة ومؤلمة؟
عنصر المفاجأة في الحدث السردي
من أهم العناصر التي تُبرز الصدق الفني في الرواية فهي لا تتبع نظاماً ثابتاً وتقليدياً فقد تأتي على أشكال متعددة مع الوقائع ذات الإيقاع السريع وعنصر المفاجآت عنصر يزيد الحبكة القصصية جمالاً ،ويجعل الترابط سلساً ومشوقاً عند القارىء ،ويزيد حدة التماسك ليصبح أمراً هاماً في إطار فني مُقنع للناقد والقارىءمعاً كالأحلام التي كثُرت عند بطل الرواية (كنتُ في حالة جسدية مزرية بعد ليلة بيضاء لم أستطع النوم فيها من كثرة الأحلام والكوابيس المتناقضة) ص37 والرسائل كرسالة الدكتور البكستاني الذي انتحر وذكره دوافع انتحاره ككفارة عن أنانيته المطلقة ص 148 ،ورسالة والد الشخصية الرئيسة في القصة والتي اقتطع جزء منها كعنصر تشويق في وسط الرواية لتتناولها الرواية في النهاية بتفصيلاتها وأحداثها وأحداث أحداثها الجزئية والأسطورية كتبها الأب لابنه لنختتم بها الرواية , وتترك القارىء في وضع الدهشة والانبهار تارة ووضع الاكتمال المعرفي للقصة تارة أُخرى، فهي رواية سريالية أخرى داخل الرواية الأم ، ولاننسى البريد الإلكتروني الذي أرسلته (ميريام) والدة مود وملكة شعب المونجا ص 71 والذين يعيشون وفق قوانين صارمة ص 81 وما حدث من مواقف كلها مفاجآت غير متوقعة حولت حياة د. أشرف إلى جحيم ص 78
إضافة إلى حدثٍ مفاجىء آخر من ضمن الأحداث السريالية التي تمتلأ بها الرواية ، والذي يُصنف من أحد عناصر المفاجآت الهامة وهو جنازة (مود) اللاوقعي وفيها خرجت مود من التابوت وحديثها مع د .اشرف وأنها تنتظره في العالم الذي لا يعرف الموت ولا الأحزان وتمسك بيد فتاة الأنكا (كانت تأتسها في الأحلام ) وتجريان معاً ص 173
الطابع الغيبي في رواية الوشم الأبيض
نجده قد تواجد في موضوع تناسخ الأرواح الذي غلب على أحداث الرواية والذي يميز النزعة السريالية عن غيرها من المذاهب الادبية وهو ماعبر عنه( بريتون) أحد أعلام السريالية . ونلحظها في الرواية بكثرة خاصة عند الإعتقاد أن أرواح الموتى تتصل بالأحياء، وتؤثر على سلوكهم بطريقة أم باخرى , هي عملية فنية أبدع فيها الأديب كاتب النص ،ومؤلف الفكرة الخيالية ، ومركب العقدة القصصية بشكل تكنيكي مرتب وقادر على التأثير على النفس القارئة بطريقة جذابة ومبتكرة ، تأخذنا إلى عالم الخيال والوهم ، لتلقينا بعدها إلى واقع حقيقي مقتضب ينتهي ببقاء د اشرف المُعَاني من ويلات الالم والعذاب على قيد الحياة بعد هذه الرحلة الشاقة التي تورط فيها ثم زواجه من زميلته د. هناء .
ففكرة التناسخ بالأرواح تظهر أول ما تظهر عند أحد الشخصيات الهامة في الرواية وهو( جون سيبستان) المريض النفسي تظهر من كلامه أثناء تمدده على السرير( أعلم انك لا تتذكر شيئا من الحكاية كلها لكن لا تخشى شيئا