http://adab.akhbarelyom.com/newdetail... كيف يجد الغريب ذاته في هذا العالم؟ وماذا يفعل المغترب بعد أن يهاجر من بين أهله ووطنه إلي عالمٍ جديد عليه مختلفٍ كلية عمّا كان يعرفه ويعهده، هل يعيش صراع مواجهة حضارته بالحضارة الأخري والثقافة المختلفة عنه، أم يسعي جاهدًا للتأقلم والتحوّل راضيًا قانعًا إلي ثقافة تلك البلد التي قرر أن يكون واحدًا من أهلها رغم اختلافه التام عنهم! حول هذه الأسئلة وقريبًا منها تدور رواية "أسامة علاًم" الجديدة (الوشم الأبيض) التي استهلت بها "دار الشروق" إصداراتها في معرض الكتاب لهذا العام 2017 والتي يواصل فيها مشروعه الروائي في بحث الإنسان عن ذاته وشخصيته، في الواقع الجديد المختلف عنه، حيث يتحدث بشكل خاص عن أحلام المهاجرين العرب إلي بلاد الغرب وطموحاتهم وما يواجههم هناك، ولكن ليس بالطريقة النمطية التقليدية التي اعتدناها في روايات كثيرٍ من أدباء الستينات، وإنما بطريقة جديدة مختلفة كليًا، تأخذ من هذا الواقع وتتفاعل معه وتعبّر عنه بشكل بالغ الدقة، حتي ليكاد القارئ يشعر بتماهي الكاتب مع شخصيات روايته، وربما كان سببًا رئيسًا في ذلك أن "أسامة علام" لايزال داخل هذا المجتمع يتفاعل معه ويتعامل مع أفراده بصفية يومية، لم يأتِ "مونتريال" (التي تدور فيها أحداث أغلب رواياته) كزائر، وإنما يعمل كطبيبٍ مقيمٍ هناك، بل أنشأ مع عددٍ من أصدقائه الكتّاب العرب تجمعا أدبيا أسموه "منتدي أقلام عربية" يحوي المصريين والمغاربة وغيرهم من الجنسيات من المهاجرين العرب الذين طالتهم حرفة الأدب. يخوض بنا "أسامة علام" هذه المرّة غمار تجربة فريدة، إذ نحن مع الطبيب النفسي المصري المهاجر إلي كندا "أشرف المدني" الذي يواجه "جون سبستيان" ذلك المريض النفسي ذا الطابع الخاص جدًا والذي يحترف رسم الوشم علي الأجساد، بل ويرسم وشمًا ذا خصوصية غريبة هو ذلك "الوشم الأبيض"، ونفاجأ بأن ذلك المريض يحاول أن يقنع طبيبة بأنه يعرفه شخصيًا وأن "تناسخ الأرواح" جمع بينهما في عوالم سابقة: (اعلم أن روحك لم تتغيّر كما لم تتغيّر روحي، هناك فقط بعض الرماد الذي تجب إزالته عن جوهرة روحك النفيسة، رمادٌ يشوش رؤيتك ويطمس قدرتك علي التذكر، بعدها ستكتشف بنفسك كل شيء، الفرق الوحيد بيننا هو أنني كنت صارمًا جدًا مع نفسي، لم أمارس رذيلة النسيان لأستمتع بنشوة التذكر، متتبعًا ذكريات الأجساد الفانية التي تتخذها روحي كشرنقة، وفي انتظار تجمعنا عملت دومًا بإصرارٍ علي اكتشاف شيءٍ جديد أحاول أن أدهشكم به أنت والرفاق، وربما روح أوتزي العظيم ذاته، من أشهر توصلت لتحفة رائعة، وشم لا يمكن تصديق حدوثه، إبداعٌ يخلب العقل ويعطي لك القوة الكاملة، سأجعلك تشاهده في أقرب فرصة، لتتأكد من أن كل ما حكيته لك حقيقي، وعندها ستبدأ رحلتنا التي انتظرناها طويلاً.) يفتح ذلك المريض الباب علي مصراعيه للطبيب النفسي، الذي كان من الممكن أن يتعامل مع كل ما سبق من مريضه علي أنه محض "هلاوس" أو "خرافات" يهذي بها ذلك المريض الذي يعرف أنه مصابٌ بحالة فصام، لولا سجله المرضي الذي يشير إلي الأطباء الذين سبق أن تابعوا حالته وانتهي بهم الأمر منتحرين بطريقة غريبة من جهة، ثم ميل الطبيب "أشرف المدني" نفسه إلي عوالم الغيب منذ كان طفلاً صغيرًا وطبيعة نشأته الخاصة التي قادته لدراسة الطب النفسي تحديدًا، وبعد هذا وذاك تأتي الفتاة العشرينية الجميلة "مود" إلي منزل الطبيب مباشرةً لتكشف له أن كل ما حدثه به "سبستيان" كان حقيقيًا وتجعله يري "الوشم الأبيض" علي جسدها بنفسه! هكذا يضع "أسامة علاّم" القارئ تدريجيًا في قلب الحدث، متماهيًا مع بطله الطبيب الذي يؤمن بالعلم ولكن لديه استعداد داخلي لكي تؤثّر فيه الأفكار الغريبة والعوالم الخفيّة التي قد لا تتفق مع كل ما درسه طوال سنوات عمره، إذ يجد نفسه فجأة داخل تلك اللعبة/الحالة التي تجعله يعيد التفكير في علاقته بنفسه وعلاقته بالآخرين، وتحفزه أكثر للبحث عن "أصله" في الماضي الذي كان يظن أنه اندثر بمجرد انقطاعه عنه وسفره إلي بلاد الغربة والثلج! فإذا به حاضر أمامه بصورة أخري مختلفة، يسعي جاهدًا لإزالة ما تراكم من غبارٍ عنها وإعادة استكشافها لكي يهدأ باله ويستقر! يستسلم الدكتور "أشرف" إذَا لتلك الفتاة الفاتنة التي تدخل حياته فتجعله متورطًا بتفاصيلها ساعيًا لكي يخلصها من مشكلتها مع ذلك الرجل الغريب الذي يبدو أنه قد سيطر عليها بذلك "الوشم الأبيض" فإذا بها تفتح له عوالم غرائبية مختلفة تجعله يعيد استكشاف ذاته فيها لحظة بلحظة وموقفًا إثر موقف، يحاول الطبيب استعادة خبراته السابقة، مستعينًا بأصدقائه فيلجأ إلي المهندس المصري "فوزي مختار" الذي يجمع بدوره بين تخصصه العلمي الدقيق في الهندسة وبين ممارسته للرياضة الروحية، والذي يكشف له ـ بدوره ـ جوانب كانت غائبة عنه تتعلّق بعالم الأرواح: (في الأغلب يحصل للأرواح عملية انغلاق علي خبرات الحيوات السابقة، انغلاق يعني النسيان الكامل لخبرات، كالآلام المصاحبة للمرض أو التعذيب أو الموت، لأن كمية التجارب المريرة التي راكمتها الأرواح في ذاكرتها قد تتسبب في جنونها الكامل، ربما قرأت هذا أيام دراستك الأولي في الطب النفسي ونسيته، أو ربما لا تهتم كليّات الطب في الغرب بهذه النظريات، كبقايا من أيام الحرب الباردة، لكن بعض مدارس الطب النفسي في أوروبا الشرقية والتي تعتقد فرضية إعادة تدوير الأرواح تؤمن بأن بعض المصابين بالجنون هم أشخاص تصاب عملية انغلاق الذاكرة لأرواحهم بنوعٍ من التسريب المعرفي. مما يعني تذكرهم لخبراتٍ من حيواتهم السابقة، تؤدي بهؤلاء المرضي للتعامل بشكلٍ لا يقبله المجتمع ..فيتم اتهامهم بالجنون!) وهكذا يتورط الطبيب "أشرف المدني" ومعه القارئ بالطبع في البحث والتنقيب حول ذلك الموضوع الذي يبدو أنه عالم غامض يحتاج للمزيد من المعلومات والدلائل لاستكشافه، ولا يكتفي "أسامة علام" بذلك بل يحيل القارئ شيئًا فشيئًا إلي "مصادر علمية موثّقة تتحدث عن الموضوع تحت عنوان "کegression therapy "والذي يشير إلي "العلاج باسترجاع الماضي" والبحث عن أفلام علمية مسجلة علي موقع يوتيوب تخص هذا الموضوع! والجميل في الرواية بعد ذلك كله، أقصد بعد أن يضعنا الكاتب أمام حقائق علمية تخص "تناسخ الأرواح" من جهة، وبين العوالم الغرائبية التي تضع "مود بيير" فيها الطبيب النفسي فتجعله متورطًا معها، إلا أنه لا يتورط في السرد غير المنطقي لتفاصيل هذا العالم، ولا يورط الرواية لكي تتحوّل إلي رواية عوالم أشباح ورعب (كما يفعل الكثيرون) بل يخلص من ذلك كله إلي بحث الطبيب النفسي عن ذاته، وذلك من خلال عودته إلي أصوله التي اختار لها الكاتب هذه المرة رسالة والده، التي بقي أمر استكشافها مؤجلاً حتي تأتي كمفاجأة سارّة في آخر الرواية تحمل ـ بدورها ـ مفاجآت من نوعٍ آخر، وتنقل القارئ دفعة واحدة إلي عالم "واحة سيوة" حيث شيوخٌ ومتصوفين وقوافل الحجاج ومقامات الأولياء وحكايات عجيبة عن فرسان وملوك وقبائل لم يسمع بها أحد من قبل، يترك الكاتب قارئه مع رسالة والد الطبيب "أشرف" تلك بدون أي تعليق ولا وسيط ، حتي يستكشف القارئ هذا العالم بنفسه ويري ما فيه من مفارقات .. وهكذا يكتب "أسامة علام" روايته التي يخوض فيها بين عوالم الأرواح التي قد تتنقل بين الماضي والحاضر، اعتمادًا علي بعض النظريات العلمية والأبحاث والدراسات الموجودة بالفعل ولكنه مع ذلك كله يحترم عقلية القارئ وينتقل به إلي ضرورة البحث عن ذاته عبر العودة لماضيه الذي لاشك يشكل جزءًا أصيلاً في معرفته بنفسه والعالم من حوله مهما بدا بعيدًا أو غريبًا عنه. وهكذا أيضًا ـ وعلي نحوٍ غير مباشر ـ يقدّم "أسامة علام" درسًا عمليًا علي أن المشكلة ليست في "الفكرة" بشكلٍ عام وإنما في طريقة تناولها في العمل الروائي وبناء تفاصيل الأحداث حولها ورسم شخصياتها بدقة وإتقان، وهو ما قدمه لنا هنا بشكل واضح، فالأمر لا يقتصر علي فكرة تناسخ الأرواح وانتقال صانع الأوشام "جون سبستيان" بين زمنٍ وآخر وحكايته عن كل فترة زمنية بدقة وتفاصيل، ولكن المر هنا يتعلق ببناء شخصيات الرواية بدءًا بالبطل/ الراوي الذي قدّم لنا شخصيته بشكل هادئ متسلسل، مرورًا بالفتاة التي قلبت عالمه "مود بيير" وعائلتها الغريبة وعلاقاتهم بها، كذلك الشخصيات الثانوية الهامة التي حضرت في الرواية وقامت بدورٍ هام فيها، سواء كانت زميلته الطبيبة المصرية "هناء محمود" أو صديقه المهندس، وغيرهم كل ذلك مع الانتقال الواعي بين أزمنة السرد بين ماضٍ وحاضر وبين ما يحكيه "جون" وما يرويه "أشرف" عن نفسه وما يتذكره من ذكرياته الخاصة. تجدر الإشارة إلي أن هذه الرواية هي الرابعة في مشروع "أسامة علام" السردي الذي يبدو فيه مشغولاً بروايةٍ محكمة وممتعة بالمقام الأول يخوض فيها عوالم مختلفة كل مرة، فتارة يلجأ لعوالم الحكايات العجائبية الغريبة في كما فعل في "الاختفاء العجيب لرجل مدهش"، وتارة يلجأ إلي حكاية مختلفة عن الصدام الهادئ بين الشرق والغرب كما فعل في "تولوز"، وهاهو هنا يقدّم لنا توليفة جديدة تبدو ثرية وناجحة إلي حد بعيد.
كيف يجد الغريب ذاته في هذا العالم؟ وماذا يفعل المغترب بعد أن يهاجر من بين أهله ووطنه إلي عالمٍ جديد عليه مختلفٍ كلية عمّا كان يعرفه ويعهده، هل يعيش صراع مواجهة حضارته بالحضارة الأخري والثقافة المختلفة عنه، أم يسعي جاهدًا للتأقلم والتحوّل راضيًا قانعًا إلي ثقافة تلك البلد التي قرر أن يكون واحدًا من أهلها رغم اختلافه التام عنهم!
حول هذه الأسئلة وقريبًا منها تدور رواية "أسامة علاًم" الجديدة (الوشم الأبيض) التي استهلت بها "دار الشروق" إصداراتها في معرض الكتاب لهذا العام 2017 والتي يواصل فيها مشروعه الروائي في بحث الإنسان عن ذاته وشخصيته، في الواقع الجديد المختلف عنه، حيث يتحدث بشكل خاص عن أحلام المهاجرين العرب إلي بلاد الغرب وطموحاتهم وما يواجههم هناك، ولكن ليس بالطريقة النمطية التقليدية التي اعتدناها في روايات كثيرٍ من أدباء الستينات، وإنما بطريقة جديدة مختلفة كليًا، تأخذ من هذا الواقع وتتفاعل معه وتعبّر عنه بشكل بالغ الدقة، حتي ليكاد القارئ يشعر بتماهي الكاتب مع شخصيات روايته، وربما كان سببًا رئيسًا في ذلك أن "أسامة علام" لايزال داخل هذا المجتمع يتفاعل معه ويتعامل مع أفراده بصفية يومية، لم يأتِ "مونتريال" (التي تدور فيها أحداث أغلب رواياته) كزائر، وإنما يعمل كطبيبٍ مقيمٍ هناك، بل أنشأ مع عددٍ من أصدقائه الكتّاب العرب تجمعا أدبيا أسموه "منتدي أقلام عربية" يحوي المصريين والمغاربة وغيرهم من الجنسيات من المهاجرين العرب الذين طالتهم حرفة الأدب.
يخوض بنا "أسامة علام" هذه المرّة غمار تجربة فريدة، إذ نحن مع الطبيب النفسي المصري المهاجر إلي كندا "أشرف المدني" الذي يواجه "جون سبستيان" ذلك المريض النفسي ذا الطابع الخاص جدًا والذي يحترف رسم الوشم علي الأجساد، بل ويرسم وشمًا ذا خصوصية غريبة هو ذلك "الوشم الأبيض"، ونفاجأ بأن ذلك المريض يحاول أن يقنع طبيبة بأنه يعرفه شخصيًا وأن "تناسخ الأرواح" جمع بينهما في عوالم سابقة:
(اعلم أن روحك لم تتغيّر كما لم تتغيّر روحي، هناك فقط بعض الرماد الذي تجب إزالته عن جوهرة روحك النفيسة، رمادٌ يشوش رؤيتك ويطمس قدرتك علي التذكر، بعدها ستكتشف بنفسك كل شيء، الفرق الوحيد بيننا هو أنني كنت صارمًا جدًا مع نفسي، لم أمارس رذيلة النسيان لأستمتع بنشوة التذكر، متتبعًا ذكريات الأجساد الفانية التي تتخذها روحي كشرنقة، وفي انتظار تجمعنا عملت دومًا بإصرارٍ علي اكتشاف شيءٍ جديد أحاول أن أدهشكم به أنت والرفاق، وربما روح أوتزي العظيم ذاته، من أشهر توصلت لتحفة رائعة، وشم لا يمكن تصديق حدوثه، إبداعٌ يخلب العقل ويعطي لك القوة الكاملة، سأجعلك تشاهده في أقرب فرصة، لتتأكد من أن كل ما حكيته لك حقيقي، وعندها ستبدأ رحلتنا التي انتظرناها طويلاً.)
يفتح ذلك المريض الباب علي مصراعيه للطبيب النفسي، الذي كان من الممكن أن يتعامل مع كل ما سبق من مريضه علي أنه محض "هلاوس" أو "خرافات" يهذي بها ذلك المريض الذي يعرف أنه مصابٌ بحالة فصام، لولا سجله المرضي الذي يشير إلي الأطباء الذين سبق أن تابعوا حالته وانتهي بهم الأمر منتحرين بطريقة غريبة من جهة، ثم ميل الطبيب "أشرف المدني" نفسه إلي عوالم الغيب منذ كان طفلاً صغيرًا وطبيعة نشأته الخاصة التي قادته لدراسة الطب النفسي تحديدًا، وبعد هذا وذاك تأتي الفتاة العشرينية الجميلة "مود" إلي منزل الطبيب مباشرةً لتكشف له أن كل ما حدثه به "سبستيان" كان حقيقيًا وتجعله يري "الوشم الأبيض" علي جسدها بنفسه!
هكذا يضع "أسامة علاّم" القارئ تدريجيًا في قلب الحدث، متماهيًا مع بطله الطبيب الذي يؤمن بالعلم ولكن لديه استعداد داخلي لكي تؤثّر فيه الأفكار الغريبة والعوالم الخفيّة التي قد لا تتفق مع كل ما درسه طوال سنوات عمره، إذ يجد نفسه فجأة داخل تلك اللعبة/الحالة التي تجعله يعيد التفكير في علاقته بنفسه وعلاقته بالآخرين، وتحفزه أكثر للبحث عن "أصله" في الماضي الذي كان يظن أنه اندثر بمجرد انقطاعه عنه وسفره إلي بلاد الغربة والثلج! فإذا به حاضر أمامه بصورة أخري مختلفة، يسعي جاهدًا لإزالة ما تراكم من غبارٍ عنها وإعادة استكشافها لكي يهدأ باله ويستقر!
يستسلم الدكتور "أشرف" إذَا لتلك الفتاة الفاتنة التي تدخل حياته فتجعله متورطًا بتفاصيلها ساعيًا لكي يخلصها من مشكلتها مع ذلك الرجل الغريب الذي يبدو أنه قد سيطر عليها بذلك "الوشم الأبيض" فإذا بها تفتح له عوالم غرائبية مختلفة تجعله يعيد استكشاف ذاته فيها لحظة بلحظة وموقفًا إثر موقف، يحاول الطبيب استعادة خبراته السابقة، مستعينًا بأصدقائه فيلجأ إلي المهندس المصري "فوزي مختار" الذي يجمع بدوره بين تخصصه العلمي الدقيق في الهندسة وبين ممارسته للرياضة الروحية، والذي يكشف له ـ بدوره ـ جوانب كانت غائبة عنه تتعلّق بعالم الأرواح:
(في الأغلب يحصل للأرواح عملية انغلاق علي خبرات الحيوات السابقة، انغلاق يعني النسيان الكامل لخبرات، كالآلام المصاحبة للمرض أو التعذيب أو الموت، لأن كمية التجارب المريرة التي راكمتها الأرواح في ذاكرتها قد تتسبب في جنونها الكامل، ربما قرأت هذا أيام دراستك الأولي في الطب النفسي ونسيته، أو ربما لا تهتم كليّات الطب في الغرب بهذه النظريات، كبقايا من أيام الحرب الباردة، لكن بعض مدارس الطب النفسي في أوروبا الشرقية والتي تعتقد فرضية إعادة تدوير الأرواح تؤمن بأن بعض المصابين بالجنون هم أشخاص تصاب عملية انغلاق الذاكرة لأرواحهم بنوعٍ من التسريب المعرفي. مما يعني تذكرهم لخبراتٍ من حيواتهم السابقة، تؤدي بهؤلاء المرضي للتعامل بشكلٍ لا يقبله المجتمع ..فيتم اتهامهم بالجنون!)
وهكذا يتورط الطبيب "أشرف المدني" ومعه القارئ بالطبع في البحث والتنقيب حول ذلك الموضوع الذي يبدو أنه عالم غامض يحتاج للمزيد من المعلومات والدلائل لاستكشافه، ولا يكتفي "أسامة علام" بذلك بل يحيل القارئ شيئًا فشيئًا إلي "مصادر علمية موثّقة تتحدث عن الموضوع تحت عنوان "کegression therapy "والذي يشير إلي "العلاج باسترجاع الماضي" والبحث عن أفلام علمية مسجلة علي موقع يوتيوب تخص هذا الموضوع!
والجميل في الرواية بعد ذلك كله، أقصد بعد أن يضعنا الكاتب أمام حقائق علمية تخص "تناسخ الأرواح" من جهة، وبين العوالم الغرائبية التي تضع "مود بيير" فيها الطبيب النفسي فتجعله متورطًا معها، إلا أنه لا يتورط في السرد غير المنطقي لتفاصيل هذا العالم، ولا يورط الرواية لكي تتحوّل إلي رواية عوالم أشباح ورعب (كما يفعل الكثيرون) بل يخلص من ذلك كله إلي بحث الطبيب النفسي عن ذاته، وذلك من خلال عودته إلي أصوله التي اختار لها الكاتب هذه المرة رسالة والده، التي بقي أمر استكشافها مؤجلاً حتي تأتي كمفاجأة سارّة في آخر الرواية تحمل ـ بدورها ـ مفاجآت من نوعٍ آخر، وتنقل القارئ دفعة واحدة إلي عالم "واحة سيوة" حيث شيوخٌ ومتصوفين وقوافل الحجاج ومقامات الأولياء وحكايات عجيبة عن فرسان وملوك وقبائل لم يسمع بها أحد من قبل، يترك الكاتب قارئه مع رسالة والد الطبيب "أشرف" تلك بدون أي تعليق ولا وسيط ، حتي يستكشف القارئ هذا العالم بنفسه ويري ما فيه من مفارقات ..
وهكذا يكتب "أسامة علام" روايته التي يخوض فيها بين عوالم الأرواح التي قد تتنقل بين الماضي والحاضر، اعتمادًا علي بعض النظريات العلمية والأبحاث والدراسات الموجودة بالفعل ولكنه مع ذلك كله يحترم عقلية القارئ وينتقل به إلي ضرورة البحث عن ذاته عبر العودة لماضيه الذي لاشك يشكل جزءًا أصيلاً في معرفته بنفسه والعالم من حوله مهما بدا بعيدًا أو غريبًا عنه.
وهكذا أيضًا ـ وعلي نحوٍ غير مباشر ـ يقدّم "أسامة علام" درسًا عمليًا علي أن المشكلة ليست في "الفكرة" بشكلٍ عام وإنما في طريقة تناولها في العمل الروائي وبناء تفاصيل الأحداث حولها ورسم شخصياتها بدقة وإتقان، وهو ما قدمه لنا هنا بشكل واضح، فالأمر لا يقتصر علي فكرة تناسخ الأرواح وانتقال صانع الأوشام "جون سبستيان" بين زمنٍ وآخر وحكايته عن كل فترة زمنية بدقة وتفاصيل، ولكن المر هنا يتعلق ببناء شخصيات الرواية بدءًا بالبطل/ الراوي الذي قدّم لنا شخصيته بشكل هادئ متسلسل، مرورًا بالفتاة التي قلبت عالمه "مود بيير" وعائلتها الغريبة وعلاقاتهم بها، كذلك الشخصيات الثانوية الهامة التي حضرت في الرواية وقامت بدورٍ هام فيها، سواء كانت زميلته الطبيبة المصرية "هناء محمود" أو صديقه المهندس، وغيرهم كل ذلك مع الانتقال الواعي بين أزمنة السرد بين ماضٍ وحاضر وبين ما يحكيه "جون" وما يرويه "أشرف" عن نفسه وما يتذكره من ذكرياته الخاصة.
تجدر الإشارة إلي أن هذه الرواية هي الرابعة في مشروع "أسامة علام" السردي الذي يبدو فيه مشغولاً بروايةٍ محكمة وممتعة بالمقام الأول يخوض فيها عوالم مختلفة كل مرة، فتارة يلجأ لعوالم الحكايات العجائبية الغريبة في كما فعل في "الاختفاء العجيب لرجل مدهش"، وتارة يلجأ إلي حكاية مختلفة عن الصدام الهادئ بين الشرق والغرب كما فعل في "تولوز"، وهاهو هنا يقدّم لنا توليفة جديدة تبدو ثرية وناجحة إلي حد بعيد.