لم يلد ذكرا لم يلد أنثى لم يلد ذكرا لم يلد أنثى discussion


2 views
مقال جريدة الجمهورية عن كتاب لم يلد ذكرا لم يلد انثى

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

Nahila Salameh «لم يلد ذكراً لم يلد أنثى» ديوان للشاعر أدهم الدمشقي، صادر عن دار الآداب. تحار في الوصف، أهو ديوان شعر يروي سيرة حياة، أم هو سيرة ذاتيّة نسجت بروح عبثيّة سوريالية، تماماً كلوحة الغلاف الأماميّة التي تجسّد عصفوراً على لوحة رسّام، يطلق صرخة في وجه السماء؟ وفي أسفل اللوحة دوائر تحمل ارقاماً في دائرة الحياة الكبرى. وتتجدّد هذه الأرقام في الغلاف الخلفيّ للديوان ما يطرح غير علامة استفهام حول الغائيّة منها، وتبقى الأسئلة بلا جواب.تبقى الإشكاليّة الأبرز في عنوان الكتاب الذي يبدأ بلم الجازمة التي تنفي مرتين فعل الولادة. أهناك في الوجود ولادة غير ولادة الذكر والأنثى؟ وما هو الجنس الثالث الذي يمكن أن تكون ولادته؟ وهذا الجنس الثالث يعيدنا في تناص غير مقصود إلى كتاب الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار «الجنس الثالث».

ولعلّنا نرى في نفي الولادة تناصاً والقرآن الكريم إذ يقول عن الله: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد. (سورة الإخلاص، 112، آيات 2-4). ونبقى في العنوان باحثين عن مرجعيّة الضمير الغائب الذي يعود إليه فاعل يلد. لا يشي العنوان بأية مرجعيّة ونتساءل: أهو أبو الشاعر، أم الشاعر نفسه في تصدّيه للحياة بما فيها من عقم وموت.


خطيئة الشاعر

نعود إلى متن الديوان، إلى القسم الأول منه المكتوب باللغة العامية. يبدأ هذا القسم بتصوير موت الأب. وفي هذه البداية تناص والكاتب السوري حنا مينة، في كتابه بقايا صور. وفي كلا الكتابين تصوير لحال الكاتب إزاء موت الأب، وما حمله هذا الموت من صدمة نفسيّة. فالشاعر لم يصدّق هذا الموت: «اطَّلع ب بيي وما عارف إذا ببكي أو بنطروا يوعا» ( قصيدة الفضاء الأوّل).

ولا ندري إذا كان بإمكاننا أن نرى في هذه الحال إطلالة خجولة لعقدة أوديب التي فجّرها موت الأب، وازدياد التعلّق بالأم، بما يرافق ذلك من شعور بعقدة الذنب. يقول الشاعر: «إمّي تعي نامي حدّي» (ص 3). وتنطلق هذه العقدة من سجنها حين يتحدّث الشاعر عن زوجته البومة: «أقبّل زوجتي البومة، وننمحي من الولادة» (ص 8)، وإذا بالزوجة المقصودة هي الأمّ التي ينجب منها الصبح طفلهما المشتهى.

يقول: وأمي البومة/ تدلق صدرها في فمي/ وتختفي» (ص 10). وبين كلمة فمي وتختفي حدث أخفاه الشاعر وعبّر عنه ببياض يبلغ نصف صفحة من الديوان.

وقد وضع لطخة من السواد، في نهاية كلمة فمي كأنها صفعة على الفم، عقاباً على الخطيئة التي اقترفها الشاعر.

فكرة الموت

تظهر صورة الأب مجدداً في صورة الله، فيحاول الشاعر أن يقتل هذه الصورة لعلّه ينهي لعنته. يقول: «آه يا أمّاه/ يا لعنتي وقدري» ( ص 3 من الفضاء الثالث)، ويتابع في نهاية القصيدة: «وبيننا ينقطع الرجاء/ وداعاً يا الله»( ص 6 من الفضاء الثالث). ويبدو فقدان الرجاء جليّاً عندما أصيب الشاعر بحقيقة موت الله «أي فاجعة لعابد، عند موته، عرف أنّ الله وهم» (ص 5 من قصيدة: وبيننا ينقطع الرجاء).

آنذاك، يحاول الشاعر، تتمة لنتائج العقدة الأوديبيّة، أن ينتحر «أريد أن أختار موتي/إذاً /سأنتحر» (ص 12 من قصيدة وبيننا ينقطع الرجاء). وفكرة الموت هي محور أساس في فكر الشاعر الدمشقي، كأنه يجدها ملاذاً يقيه كلّ مآسي حياته.

تلك الحياة التي يسميها بصفة العيش، في حين أنّ الموت هو الحياة الحقيقيّة، بالنسبة إليه: «يختار موته، يعبر ضفّة العيش إلى ضفّة الحياة./ والضفّتان بيت النهر الواحد (ص 1 من قصيدة دوائر دوائر ثمّ اختفى).

ثمّة عقدتان نفسيتان تتصارعان في ذات الشاعر هما عقدة النرجسيّة والشعور بالدونيّة. وقد تجلّت العقدة الأولى، أي النرجسيّة، حين شبّه الشاعر نفسه بأنّه ملك: «أنا آخر ملك على هذه الأرض» (ص 9 من قصيدة وبيننا ينقطع الرجاء) ولعلّ شعوره هذا مرتبط بحبّه لأمّه. ويساوي نفسه بالله أحياناً إذ يقول: «إنّي عبرتُ/ كما عبر الله في رحم امرأة» (ص 2 من قصيدة اسرعي اسرعي يا اختاه).

ولكنّ هذا الشعور سرعان ما ينتهي حين تبتعد الأم، وتصبح غريبة، ويُحاط الشاعر بأجساد النساء، فيشعر بأنه حقير أحقر من بعوضة: «كلّما تحرّقت حلمتان كجمرتين في فمي/ وكلّما نفضتُ دمي/ أشعر كم أنني أصغر من بعوضةٍ/ تفقس بيضها وتنتهي» (ص 6 من قصيدة الضفاف).

وفي ذروة يأسه وشعوره بالحقارة والخيبة حاول قتل الله، لأنه تجسيد لصورة الأب، أو تأثّراً بالروح النيتشويه الداعية الى قتل الله. يقول الشاعر: «رميت الله حجراً/ عاد الحجر/ فلبستُه قبراً»(ص 1 من قصيدة الضفتان بيت النهر الواحد).

الزمن الخراب

ثمّة أمر شكليّ ينبغي عدم إغفاله في ديوان «لم يلد ذكراً لم يلد أنثى» هو ثنائيّة الحضور والغياب في الأرقام، فتغيب أرقام الصفحات، في قسم كبير من الديوان، وتكاد كلّ قصيدة تستقلّ بأرقامها.

كأنّ الشاعر يجسّد، عبر هذه السمة الشكليّة، ضياعاً نفسيّاً، في ذاته، لتعود هذه الأرقام وتظهر في الغلاف الأخير، في عمليّات حسابيّة غير منظّمة، وداخل الصفحات في الديوان ما يعكس صراعاً مقصوداً بين السواد والبياض، بين الموت والحياة، في ما أطلق عليه تسمية» الزمن الخراب» (ص 4 من قصيدة الضفتان بيت النهر الواحد). وفي هذه الصورة، كما في هذه الأشكال الرقميّة واللطخات السوداء، تناص وقصيدة الأرض الخراب للشاعر الإنكليزي ت. س. إليوت.

حاول الشاعر أدهم الدمشقي، في تلاعبه باللغة أن يصوّر ذاته في صراعها الوجوديّ. اعتمد العامية لأنها لغة الحياة اليوميّة والتراث الشعبي المرتبط بالعادات والتقاليد. انتصر للفصحى في مرحلة ثانية من الديوان ليصوّر غربته والصراع.

اعتبر العاميّة لغة المناجاة الداخليّة والفصحى لغة التحدّي والمواجهة مع الآخرين. ولكنّه، في كلا الأمرين، رسم صورة سوريالية لذاته القلقة، ذاته التي تعتبر النظام جزءاً من العالم الذي ترفضه، وتسعى إلى تشكيل عالم جديد، لا موت فيه ولا حياة، بل ولادة تتجدد الى ما لا نهاية.

الشاعر أدهم، مراياه/أفكاره الوجوديّة/ صورته كسرها بإرادته، فكيف نستطيع لملمة الشظايا واكتشاف مَن هو؟ وماذا يريد أن يقول؟

http://www.aljoumhouria.com/news/inde...


back to top