انتهت تلك الأيام...تلك الأيام التي كانت آخر حكاياتها مع قاسمٍ وعصفورة.
حينما كان الزواج غنياً كالأرض، والحُب خَيَّراً كالثَّمر، حينما كان إنجاب الأطفال كالكروم عادياً،عادياً.
(1)
تزوج قاسم من عصفورة،واستمر العرس أسبوعاً أو أكثر،حُزم الحطب لم تنطفئ،والقهوة السَّادة صبت وصبت، صوت السَّحجة(1) ارتفع بقدر عدد رجال وصبيان القرية!
واستمر صوت " يا حلالي يا مالي " (2) ، واشتدت حوارات الزجل " الحداية " (3)
زفت عصفورة لبيت قاسم في هودج وضع على ظهر حصانٍ، أو بغل أو ربما حمار!..
لم تكترث أبداً كان يكفيها أنها محمولة في الهودج،فوصلت سعادة قلبها أرجاء القدس،وبُث احمرار وجنتيها متدغدغاً في بحر يافا، وجبال الخليل، وكروم رام الله ، وكنائس بيت لحم، ثم وصل نابُلس وحط في قرية مجدل بني فاضل في عُقر دار قاسم.
- السَّحجة :- نوع من أنواع الدبكة الفلسطينية الشعبية.
- يا حلالي يا مالي :- أغاني من التراث الفلسطيني.
- الزجل :- نوعٌ من الأدب الشعبي تغْلب عليه العاميَّة المحكية يتميز بالمناظرة بين الزجالين.
تلك الدار التي كانت غرفة واحدة لا غير .
وشيءٌ يشبهُ النافذة!.
عاش قاسم مع عصفورة عمراً طويلاً، طويلاً ... بارك الله لهما في الأرض والذرية والحُب...
في كل يوم كان لعصفورة ضحكة من تلك النافذة تبعثها رائحة الزرع مختلطة برائحة قمباز(1)
زوجها.تفتح عينيها على وجهه وكأن الفجر عندها فجران فلها منه ضحكة...وبعد الضحكة أشياءُ فلسطينية تلفُّهما لفاً وتعبِّق حياتهما.
تتعبق كما كان يتعبق قاسم بكوفيته...
- قمباز :- اللباس التراثي الخاص بالرجل الفلسطيني
(2)
أخذ قاسم بيد عصفورة لزراعة الأرض...عاشا صيفاً حاراً وجافاً،شتاءً قارساً ومعتدلاً، وربيعاً بين الكروم، وخريفاً بين تساقط أوراق الليمون.
في كل يوم يمرُّ، كان قاسم يسقي عصفورة من النبع ويصلها قائلاً:-
" هيييييه يا عصفورة، أنا من دونك ما بعيشــــــــــش "
فتركض عصفورة حافية تاركة النبع وراءها، وفي جيبها برتقال وليمون وبعض أوراق قطفتها من الكروم...
نحيلةٌ دقيقة هي عصفورة....
صُفرةٌ ذهبيةٌ هي عصفورة....
عُصفورةٌ هي عصفورة....
كان لقاسم سرٌ عجيبٌ بين زوجته وأرضه....السنابل والزيتون، العنب والبرتقال والليمون، وكان له مع التين سرٌ غامض مأسور.
يجلس على الرصيف الذي تكوَّن من حصاد الأرض وحواف الطرقات،يرفع قماش قمبازه، يحرك ردة القماش قليلاً، يأخذ نفساً عميقاً قائلاً :- " ياااااا عصفورة جيبي قرطللي(1) التينات"
- قرطلي : السلة .
تلبي عصفورة زوجها مناولة إياه ما طلب، ويهم قاسم وأنامله تنبض حاجة لكل حبة تين، ثم يبدأ حكايته مع " تينات أشجاره" حانياً ظهره ليعد التين المجفف ... ليعد لها، ولأولاده، ولأهل الحي (القطين).
يمر العصر ....يرفع قاسم عينيه نحو السنابل مستنشقاً رائحة تراب مجدل فلسطين، والهواء المحمل برائحة الزعتر والميرمية يصلي فرضه ويبدأ أذكاره... وما أن تنسحب الشمس و إذ به أحدب الظهر، منجزاً عمله مع صوت آذان المغرب.
يتوجه قاسم لمسجد الحي، ثم يعود لداره.
يغلق الباب، وتنغلق معه كل أبواب الحي، تُسمع أصوات الدرافيل، واحدة تلو الأخرى تعطي موعداً لأهل القرية، تمر الدرافيل على خشب الزان وكأنها تحضر أبوابها لقوة أخرى، ولفجر يوم آخر ....ولحكاية متشابهة لكنها ( أخرى ) .
(3)
وانبثق الزمن يوماً تلو يوم.... وبينما كان يشق الفجر طريقه عبر السماء، قُبضت روح قاسم مستودعه بحر يافا، وجبال الخليل ، وكروم رام الله وتينات مجدل بني فاضل ...
...
...
امتد حزن عصفورة مع امتداد الفجر في الفناء.وبدأت عصفورة تعتصر في ثوبها، وحرير خيطان أكمام ثوبها تَّشرب دمع عينيها رشفة رشفة .
ومر العمر ،،، وما استطاعت عصفورة أن تعيد زمن التفاصيل الدقيقة، وما استطاع الزمن ولا من حولها أن يستحضر لها نقاوة تلك الأيام. باتت تعيش يومها محدبة الظهر تأخذ شكل زوجها ذاته مع تيناته، تؤمن قوت يوم أطفالها، وهي غارقة في حزن لا يفارقه البكاء... حتى جاء اليوم الذي تفقد فيه بصرها ، ثم تفقد فيه الحياة، تاركة وراءها علياً وعبدالرحمن وعبدالرحيم.
قصة قصيرة حبةُ تين بقلم : الكاتبة هبة الله جوهر
حَبَّةُ تِّين
انتهت تلك الأيام...تلك الأيام التي كانت آخر حكاياتها مع قاسمٍ وعصفورة.
حينما كان الزواج غنياً كالأرض، والحُب خَيَّراً كالثَّمر، حينما كان إنجاب الأطفال كالكروم عادياً،عادياً.
(1)
تزوج قاسم من عصفورة،واستمر العرس أسبوعاً أو أكثر،حُزم الحطب لم تنطفئ،والقهوة السَّادة صبت وصبت، صوت السَّحجة(1) ارتفع بقدر عدد رجال وصبيان القرية!
واستمر صوت " يا حلالي يا مالي " (2) ، واشتدت حوارات الزجل " الحداية " (3)
زفت عصفورة لبيت قاسم في هودج وضع على ظهر حصانٍ، أو بغل أو ربما حمار!..
لم تكترث أبداً كان يكفيها أنها محمولة في الهودج،فوصلت سعادة قلبها أرجاء القدس،وبُث احمرار وجنتيها متدغدغاً في بحر يافا، وجبال الخليل، وكروم رام الله ، وكنائس بيت لحم، ثم وصل نابُلس وحط في قرية مجدل بني فاضل في عُقر دار قاسم.
- السَّحجة :- نوع من أنواع الدبكة الفلسطينية الشعبية.
- يا حلالي يا مالي :- أغاني من التراث الفلسطيني.
- الزجل :- نوعٌ من الأدب الشعبي تغْلب عليه العاميَّة المحكية يتميز بالمناظرة بين الزجالين.
تلك الدار التي كانت غرفة واحدة لا غير .
وشيءٌ يشبهُ النافذة!.
عاش قاسم مع عصفورة عمراً طويلاً، طويلاً ... بارك الله لهما في الأرض والذرية والحُب...
في كل يوم كان لعصفورة ضحكة من تلك النافذة تبعثها رائحة الزرع مختلطة برائحة قمباز(1)
زوجها.تفتح عينيها على وجهه وكأن الفجر عندها فجران فلها منه ضحكة...وبعد الضحكة أشياءُ فلسطينية تلفُّهما لفاً وتعبِّق حياتهما.
تتعبق كما كان يتعبق قاسم بكوفيته...
- قمباز :- اللباس التراثي الخاص بالرجل الفلسطيني
(2)
أخذ قاسم بيد عصفورة لزراعة الأرض...عاشا صيفاً حاراً وجافاً،شتاءً قارساً ومعتدلاً، وربيعاً بين الكروم، وخريفاً بين تساقط أوراق الليمون.
في كل يوم يمرُّ، كان قاسم يسقي عصفورة من النبع ويصلها قائلاً:-
" هيييييه يا عصفورة، أنا من دونك ما بعيشــــــــــش "
فتركض عصفورة حافية تاركة النبع وراءها، وفي جيبها برتقال وليمون وبعض أوراق قطفتها من الكروم...
نحيلةٌ دقيقة هي عصفورة....
صُفرةٌ ذهبيةٌ هي عصفورة....
عُصفورةٌ هي عصفورة....
كان لقاسم سرٌ عجيبٌ بين زوجته وأرضه....السنابل والزيتون، العنب والبرتقال والليمون، وكان له مع التين سرٌ غامض مأسور.
يجلس على الرصيف الذي تكوَّن من حصاد الأرض وحواف الطرقات،يرفع قماش قمبازه، يحرك ردة القماش قليلاً، يأخذ نفساً عميقاً قائلاً :- " ياااااا عصفورة جيبي قرطللي(1) التينات"
- قرطلي : السلة .
تلبي عصفورة زوجها مناولة إياه ما طلب، ويهم قاسم وأنامله تنبض حاجة لكل حبة تين، ثم يبدأ حكايته مع " تينات أشجاره" حانياً ظهره ليعد التين المجفف ... ليعد لها، ولأولاده، ولأهل الحي (القطين).
يمر العصر ....يرفع قاسم عينيه نحو السنابل مستنشقاً رائحة تراب مجدل فلسطين، والهواء المحمل برائحة الزعتر والميرمية يصلي فرضه ويبدأ أذكاره... وما أن تنسحب الشمس و إذ به أحدب الظهر، منجزاً عمله مع صوت آذان المغرب.
يتوجه قاسم لمسجد الحي، ثم يعود لداره.
يغلق الباب، وتنغلق معه كل أبواب الحي، تُسمع أصوات الدرافيل، واحدة تلو الأخرى تعطي موعداً لأهل القرية، تمر الدرافيل على خشب الزان وكأنها تحضر أبوابها لقوة أخرى، ولفجر يوم آخر ....ولحكاية متشابهة لكنها ( أخرى ) .
(3)
وانبثق الزمن يوماً تلو يوم.... وبينما كان يشق الفجر طريقه عبر السماء، قُبضت روح قاسم مستودعه بحر يافا، وجبال الخليل ، وكروم رام الله وتينات مجدل بني فاضل ...
...
...
امتد حزن عصفورة مع امتداد الفجر في الفناء.وبدأت عصفورة تعتصر في ثوبها، وحرير خيطان أكمام ثوبها تَّشرب دمع عينيها رشفة رشفة .
ومر العمر ،،، وما استطاعت عصفورة أن تعيد زمن التفاصيل الدقيقة، وما استطاع الزمن ولا من حولها أن يستحضر لها نقاوة تلك الأيام. باتت تعيش يومها محدبة الظهر تأخذ شكل زوجها ذاته مع تيناته، تؤمن قوت يوم أطفالها، وهي غارقة في حزن لا يفارقه البكاء... حتى جاء اليوم الذي تفقد فيه بصرها ، ثم تفقد فيه الحياة، تاركة وراءها علياً وعبدالرحمن وعبدالرحيم.
تاركة صبياناً رجالاً، وشجرة تين بجذع عاتٍ !...
هبة الله جوهر