من أوج حياته بدأ، ونهض من قمم أحسها، أعطى كل ما يستحق أن يعطى ثم ترامى بين نفسه والحياة دون قصد أو دعوة ،من هنا بدأ مشوار حياة شادي،حياته التي فَرَطَتْ وجرت على الأرض قافزة حبةً تلو حبةٍ ، وبقي هو خيطاً يتلوى على الأرض عسى أن يلملم ما فرط.
نام شادي على صراع بينه وبين ديسمبر ، وبخه توبيخاً لا محال، وكأنه ينتقم من إحدى أعدائه.... فقد كان يستحق! أليس من اللامنطقي أن يمر هذا العام مرور الكرام؟! ها هو يقترب العام الجديد بشكل عنيف. وستدق شهادة ميلاده كمنبه الصباح، ويزداد عمره ،و يكبر عام .يكبر بحسبة خاطئة، وهو لم يعش كما كان يخطط!
نااااام شادي على ضيق التوبيخ، وعلى ضيق الأيام والكبر .... وعلى خيط أمل !
(2)
أَسرتنا المطله على أسرةِ أخواتنا هي أَسرةٌ تحت الرهن
سجل شادي دخوله على موقع التواصل الإجتماعي،صفن في عبق الصور ...انكمش على حائط مكتبه حتى لا يفضح جنون مشاعره ففي أقل من ثانية رصد غليان جسده، ودار عمره بمقدار سرعة ما يُدور فرجاره!
ابتسم ...
ضحك ...
ثم انفصم كعادته ومثل الأمر" بأمر عادي" فهي مجرد صور ! وكعادته الثانية ثمة كذب بعد الإنفصام فقرر أن يكتب حتى لا يكذب.
كيف كُنَّا هكذا ؟ أهي الطفولةُ؟! ليستْ الطفولةَ فحسبْ بل هي أرواح طفولتنا ... كنتُ دائماً وما زلت مقتنعاً بأننا "الغير" وبأن أرواحنا تنامت بين الحُبِّ والألفةِ وكبرت بين الطهارة والقوة .علَّمنا بعضنا البعض أننا لبعض وأننا مع بعض، تبادلنا الأخوة المشتركة وبما أنها مشتركة تباعدنا كشق بين صفيحتين في قشرة أرضية فاهتزت قلوبُنا وما كنا نستوعبُ بعد بأننا كبرنا وبدأنا نتحرك ونتجاوز بعضنا.
وبدأت الملاحظات،الأَوامر، النَّصائح، التحذيرات،العُقوبات، التشجيعاتُ والتنبيهات .... وباشرنا بأخذ الحِصص الحيواتيةِ بمحاضراتها من دونِ علامات وتجاوزْنا بعضَنا أكثر حتـــى تجاوزْنا أهلنا تماماً موضِّحين لهم عن بعد بأنَّهم نسوا ومن دون عزم أن يعلموننا بأنَّ الجامعة أصعبُ من المدرسةِ، واختبار الجامعة أثقلُ من اختبار الثانويةِ العامة وبأن عقاب مدير المدرسةِ أهون من عقاب مدير العملِ، نسوا أن يدونوا في عقولنا بأن عقاب الزوج موجعٌ أكثر من عقاب الأب، وبأن حضن الأب سيأتي مكانه حضن الزوج، نسوا أن يعلموننا بأن بيت الأُسرة هو بيتٌ لا دائم وبأن غُرفَ نومنا مع أخواتنا هي غرفٌ مؤقتةٌ استأجروها لنا من الزمن وبأن أَسرتنا المطله على أسرةِ أخواتنا هي أَسرةٌ تحت الرهن .نسوا أن يعلموننا بأنهم سيكبروا
دقت الأوجاع على شادي،وزاره شجن الحاجات ...تمنى لو أنه يخالص مامضى ويصافيه ،كان بحاجة شديدة لتوازن يستوعب فيه الماضي والحاضر، وما يمضي بينهما.
سيطرت الأشياء على نفسه كأمشاج تلتف حوله... وبدأ من سالب خط الأعداد، وكأنه أصيب بمرض النسيان، نسي كل شيء وكلما نسي كلما ازداد بُعده عن موجب خط الأعداد.
شادي لم ينسى هو فقط مصاب بالأرق!
كأمشاق لونت الذكريات أمامه، شعر كأن هناك سياطٌ سيضرب به، وهو كالحزين يقفز من فوقه يعاني ليس وجعاً بل لأنه ليس هو الذي يخاف الضرب أو يُضرب ، ومع حالته النفسيه، تخدر ... وتذكر وجه أمه !
ارتمى على سريره كسنبلة تنشل من حصادها، تجول فكره بسقف الغرفة، شرحه بنظراته.
وراح يدورعلى أمه، في الفراغ.
(3) مع من تتقاسمين الحياة يا أمي ؟!
وحيدٌ هو شادي !كطعام صليف وكملح لا ملوحة له.... عاش الحياة دون حياة ،ثقيل الروح مع بساطة النفس.
راح فكره لناطور البناية الذي أصبح (فجأة) يتقاسم الحياة معه!
من منا يَسع أن يُخبر غيره بتفاصيل حياته ؟!يعطيه ممَّا أفرحه في الصباح، يشكو له قليلاً مما أضمره في ساعات العمل،يقاسمه طرفة أضحكته بعفوية لا مرد لها.
من منا لديه القدرة على أن يعود مساءً إلى فراشه ويحادثَ تقريره اليومي لأخر؟أو أن يحاكي أحد بشيء أشبه بما كنا نفعل مع أمهاتنا؟!!!! ....
نعودُ من المدرسةِ متجهينَ إليهنَّ، وهنَّ خلفَ حوضِ غسيل الآواني،نحادثُهنَّ وكأننَّا قضينا أسبوعاً في الخارج.
نعود من المدرسة نطيح بحقائبنا على مَدخل البيت، نصعد لاهثين على سطحه وهن منهمكات بنشر ثيابنا،ونحنُ نروي تفاصيل التفاصيل ....من قابلنا في طريق المدرسة،وعن شابٍ أزعجنا، وآخر صدَّ إزعاجه عنَّا.نخبرُهن برنامجَ الإذاعةِ المدرسيةِ وأخطاءَ بثِّها أو أجملَ ما ألقينا ...وشعورنا ونحن نختم ذبذبات الإذاعة بأسمائِنا... وهنَّ يسمعْنَ ويسألن ؟ ماذا تناولنا في الفسحة ؟ وماذا حصَّلنا من علامات ؟ ينظرن إلينا ويعرفن ما سنقوله قبل أن نقوله .... يسقطُ من حديثنا كل ضحكة ضحكناها خارج البيت ،وكل فرحة وذرةِ ضيق. وكلَّ المشاعر ... والأوجاعِ .... والحاجات ... كنا نغيبُ من بيتنا ساعات، وكأنَّنا غبنا سنوات.... ونعودُ بكل ما فينا ،نحملُ في جُعبتنا أشياء لبيت ينبضُ بقلب (أم) والآن بعدما أصبح بعدنا عن منازلنا يعد بالسنواتِ..... لم نعد نصب أحداثنا اليومية لأيٍ كان.
هنا ناطحاتُ سحابٍ على فَمها ناطورٌ هنديٌ يعرفُ عنْك َكل تفاصيل حياتك دون أن تحادثه بها....موعد ساعات عملك ،ويوم إجازتك،يعرف مطاعمك المفضلة (التي فضلتها حيث لا بديل لها)،يعرف مواعيد قدوم أصدقائك (الذين هم ليسوا بأصدقائك) وحالما نظرت به يسترسل إن كنت تريد خبزاً من البقالة، ويدرك أن عليه مسح غبار سيارتك، أو جلب ثيابك من مغسلة الملابس ... الناطورُ الهندي، هو الوحيد الذي حينما تعودُ منكوباً على رأسك يمتصك إن لم ترد عليه السلام،الوحيد الذي يُفرح مصاعد البناية زهواً لحظة ما يراك مبتسماً ! جيسن الهندي الذي أطاحه مغترباً،وبدأ بتقبيله لحظة ما علم بأنه رزق بطفل وأصبح أباً.
جيسن الهندي الناطور ....هو أكثر من حارس بناية هو كل شيء ويعرف عني كل شيء!يعرف أني رغم مقاسمته حياتي لا أطيقه أحياناً ،صانعاً عذراً لي! فهو يفهم ويدرك بأننا بغربة لا نتقاسم الحياة بها إلا مع ذاتنا فنضجر أحياناً وننخنق مراراً!
أيا ترى مع من تتقاسمين الحياة يا أمي ؟!
(3)
أم شادي
على نسمات الهواء الباردة، وخجل شروق الشمس المحير، راحت أم شادي
تصلي ركعتي الضحى...
ترحمت على والديها،وزوجها، ودعت لبناتها وأزواجهن وأطفالهن.... ولشادي، وقامت تحضر إبريق شاي يكفي لعائلة!
جلست على مقعد خشبي كان يجلس عليه شادي - تذكر كيف كان يجره بلامبالاة من مطبخ البيت للحديقة مستقبلاً أصحابه - . غطت أم شادي شيب شعرها بطاقية صوف، كان قد تركها شادي في خزانته وقت سفره.
دارت أم شادي أرجاء الحديقة ، سقت الشجيرات، ومسحت باب كراج البيت،متمعنة سيارة شادي التي لم تتحرك منذ عامين تقريباً ،مندهشة بعش حمام استراح بين انظارها ....
عادت أم شادي لمقعدها الخشبي، يتدلى من بين أناملها قطعة حرير...سرحت بخيوطها، وبين غرزة وغزرة تسقط دمعة فيها رائحة شادي ...ورعشة قلب متخيلة صوته يُسعد أرجاء البيت .
كبرت أم شادي كثيراً ، ووهن جسدها، وكلما كبرت كلما رق قلبها وحنت لشادي وبناتها اللواتي ما عادت تراهن إلا في نهاية الأسبوع.نهاية الأسبوع التي تطيل حينما تقبل، وتنتهي حالما أقبلت!
انحنت الشمس، وانحنت أم شادي وسحبت كرسي ابنها الخشبي ، وثنت قطعة القماش، أغلقت باب المطبخ المطل على الحديقة، وراحت تتأمل هاتفاً بأزرار وسلك كان قد اشتراه لها أبا شادي في ذكرى زواجهم الاول . خلدته ذكرى من ذكريات أيام قد مضى عليها الزمن ولم تمضي هي عنها.
نامت أم شادي على أطراف كنب الصالة، كان نومها كطفلة صغيرة (ينقصها الحنان ) ...
طبطبت على نفسها، وغطت جسدها بلحاف شادي ، تحاول أن تشتري النوم، علها رأت ملامح ابنها التي تغيرت قسماته في بحر الغربة.
(4)
رحلة إياب
ومرت الأيام ...صباحاً تلو صباح، وإبريق شاي تلو آخر.... ذكرى عقبي ذكرى .... وحشرجات صدر على أمل اللقاء ....
حتى عاد شادي وهو محمل بمشاعر شوق لحضن أمه وكأنه لم يسبق له أن احتضنها بحياته.
مر شادي على أسوار البيت رويداً رويداً، محاولاً أن يدهش أمه مُفرحاً إياها ....
يا ترى أهي بين الجارات؟ أم بين الأخوات؟... أو أنها تخيط كعادتها ؟.
وإذ به يرى حال أمه من صوب السور ...
وهن جسدٌ منكمشٌ تحت أشعة الشمس، دمعات تذرف كقطرات الرهام دمعة تلو الآخرى ... وقف منتصباً لا يكاد يصدق وحشة تعيش بها أمه.... لا يجمعها إلا الفراغ ...ولا يمر عنها سوى نسمة هواء أو حفيف شجر ...
فتح باب الكراج ، قائلاً:-
" يمه أنا جيت " ...ارتمى بين قدميها قابضاً على يديها، يتعبق رائحتها، وكلما انفك عنها... كلما عاد واحتضنها. كفكف دموعه مقارناً وحدته بوحدتها.
حال شادي
من أوج حياته بدأ، ونهض من قمم أحسها، أعطى كل ما يستحق أن يعطى ثم ترامى بين نفسه والحياة دون قصد أو دعوة ،من هنا بدأ مشوار حياة شادي،حياته التي فَرَطَتْ وجرت على الأرض قافزة حبةً تلو حبةٍ ، وبقي هو خيطاً يتلوى على الأرض عسى أن يلملم ما فرط.
نام شادي على صراع بينه وبين ديسمبر ، وبخه توبيخاً لا محال، وكأنه ينتقم من إحدى أعدائه.... فقد كان يستحق! أليس من اللامنطقي أن يمر هذا العام مرور الكرام؟! ها هو يقترب العام الجديد بشكل عنيف. وستدق شهادة ميلاده كمنبه الصباح، ويزداد عمره ،و يكبر عام .يكبر بحسبة خاطئة، وهو لم يعش كما كان يخطط!
نااااام شادي على ضيق التوبيخ، وعلى ضيق الأيام والكبر .... وعلى خيط أمل !
(2)
أَسرتنا المطله على أسرةِ أخواتنا هي أَسرةٌ تحت الرهن
سجل شادي دخوله على موقع التواصل الإجتماعي،صفن في عبق الصور ...انكمش على حائط مكتبه حتى لا يفضح جنون مشاعره ففي أقل من ثانية رصد غليان جسده، ودار عمره بمقدار سرعة ما يُدور فرجاره!
ابتسم ...
ضحك ...
ثم انفصم كعادته ومثل الأمر" بأمر عادي" فهي مجرد صور ! وكعادته الثانية ثمة كذب بعد الإنفصام فقرر أن يكتب حتى لا يكذب.
كيف كُنَّا هكذا ؟ أهي الطفولةُ؟! ليستْ الطفولةَ فحسبْ بل هي أرواح طفولتنا ... كنتُ دائماً وما زلت مقتنعاً بأننا "الغير" وبأن أرواحنا تنامت بين الحُبِّ والألفةِ وكبرت بين الطهارة والقوة .علَّمنا بعضنا البعض أننا لبعض وأننا مع بعض، تبادلنا الأخوة المشتركة وبما أنها مشتركة تباعدنا كشق بين صفيحتين في قشرة أرضية فاهتزت قلوبُنا وما كنا نستوعبُ بعد بأننا كبرنا وبدأنا نتحرك ونتجاوز بعضنا.
وبدأت الملاحظات،الأَوامر، النَّصائح، التحذيرات،العُقوبات، التشجيعاتُ والتنبيهات .... وباشرنا بأخذ الحِصص الحيواتيةِ بمحاضراتها من دونِ علامات وتجاوزْنا بعضَنا أكثر حتـــى تجاوزْنا أهلنا تماماً موضِّحين لهم عن بعد بأنَّهم نسوا ومن دون عزم أن يعلموننا بأنَّ الجامعة أصعبُ من المدرسةِ، واختبار الجامعة أثقلُ من اختبار الثانويةِ العامة وبأن عقاب مدير المدرسةِ أهون من عقاب مدير العملِ، نسوا أن يدونوا في عقولنا بأن عقاب الزوج موجعٌ أكثر من عقاب الأب، وبأن حضن الأب سيأتي مكانه حضن الزوج، نسوا أن يعلموننا بأن بيت الأُسرة هو بيتٌ لا دائم وبأن غُرفَ نومنا مع أخواتنا هي غرفٌ مؤقتةٌ استأجروها لنا من الزمن وبأن أَسرتنا المطله على أسرةِ أخواتنا هي أَسرةٌ تحت الرهن .نسوا أن يعلموننا بأنهم سيكبروا
وبأننا سنكبر وبأن بعد الكِبر... البعدُ وبعدَ البُعدِ ... حركةُ فِرجارٍ تنتهي بدائرةٍ تمحوها دموعُنا!
دقت الأوجاع على شادي،وزاره شجن الحاجات ...تمنى لو أنه يخالص مامضى ويصافيه ،كان بحاجة شديدة لتوازن يستوعب فيه الماضي والحاضر، وما يمضي بينهما.
سيطرت الأشياء على نفسه كأمشاج تلتف حوله... وبدأ من سالب خط الأعداد، وكأنه أصيب بمرض النسيان، نسي كل شيء وكلما نسي كلما ازداد بُعده عن موجب خط الأعداد.
شادي لم ينسى هو فقط مصاب بالأرق!
كأمشاق لونت الذكريات أمامه، شعر كأن هناك سياطٌ سيضرب به، وهو كالحزين يقفز من فوقه يعاني ليس وجعاً بل لأنه ليس هو الذي يخاف الضرب أو يُضرب ، ومع حالته النفسيه، تخدر ... وتذكر وجه أمه !
ارتمى على سريره كسنبلة تنشل من حصادها، تجول فكره بسقف الغرفة، شرحه بنظراته.
وراح يدورعلى أمه، في الفراغ.
(3)
مع من تتقاسمين الحياة يا أمي ؟!
وحيدٌ هو شادي !كطعام صليف وكملح لا ملوحة له.... عاش الحياة دون حياة ،ثقيل الروح مع بساطة النفس.
راح فكره لناطور البناية الذي أصبح (فجأة) يتقاسم الحياة معه!
من منا يَسع أن يُخبر غيره بتفاصيل حياته ؟!يعطيه ممَّا أفرحه في الصباح، يشكو له قليلاً مما أضمره في ساعات العمل،يقاسمه طرفة أضحكته بعفوية لا مرد لها.
من منا لديه القدرة على أن يعود مساءً إلى فراشه ويحادثَ تقريره اليومي لأخر؟أو أن يحاكي أحد بشيء أشبه بما كنا نفعل مع أمهاتنا؟!!!! ....
نعودُ من المدرسةِ متجهينَ إليهنَّ، وهنَّ خلفَ حوضِ غسيل الآواني،نحادثُهنَّ وكأننَّا قضينا أسبوعاً في الخارج.
نعود من المدرسة نطيح بحقائبنا على مَدخل البيت، نصعد لاهثين على سطحه وهن منهمكات بنشر ثيابنا،ونحنُ نروي تفاصيل التفاصيل ....من قابلنا في طريق المدرسة،وعن شابٍ أزعجنا، وآخر صدَّ إزعاجه عنَّا.نخبرُهن برنامجَ الإذاعةِ المدرسيةِ وأخطاءَ بثِّها أو أجملَ ما ألقينا ...وشعورنا ونحن نختم ذبذبات الإذاعة بأسمائِنا...
وهنَّ يسمعْنَ ويسألن ؟
ماذا تناولنا في الفسحة ؟
وماذا حصَّلنا من علامات ؟
ينظرن إلينا ويعرفن ما سنقوله قبل أن نقوله ....
يسقطُ من حديثنا كل ضحكة ضحكناها خارج البيت ،وكل فرحة وذرةِ ضيق.
وكلَّ المشاعر ...
والأوجاعِ ....
والحاجات ...
كنا نغيبُ من بيتنا ساعات، وكأنَّنا غبنا سنوات.... ونعودُ بكل ما فينا ،نحملُ في جُعبتنا أشياء لبيت ينبضُ بقلب (أم) والآن بعدما أصبح بعدنا عن منازلنا يعد بالسنواتِ..... لم نعد نصب أحداثنا اليومية لأيٍ كان.
هنا ناطحاتُ سحابٍ على فَمها ناطورٌ هنديٌ يعرفُ عنْك َكل تفاصيل حياتك دون أن تحادثه بها....موعد ساعات عملك ،ويوم إجازتك،يعرف مطاعمك المفضلة (التي فضلتها حيث لا بديل لها)،يعرف مواعيد قدوم أصدقائك (الذين هم ليسوا بأصدقائك) وحالما نظرت به يسترسل إن كنت تريد خبزاً من البقالة، ويدرك أن عليه مسح غبار سيارتك، أو جلب ثيابك من مغسلة الملابس ...
الناطورُ الهندي، هو الوحيد الذي حينما تعودُ منكوباً على رأسك يمتصك إن لم ترد عليه السلام،الوحيد الذي يُفرح مصاعد البناية زهواً لحظة ما يراك مبتسماً !
جيسن الهندي الذي أطاحه مغترباً،وبدأ بتقبيله لحظة ما علم بأنه رزق بطفل وأصبح أباً.
جيسن الهندي الناطور ....هو أكثر من حارس بناية هو كل شيء ويعرف عني كل شيء!يعرف أني رغم مقاسمته حياتي لا أطيقه أحياناً ،صانعاً عذراً لي!
فهو يفهم ويدرك بأننا بغربة لا نتقاسم الحياة بها إلا مع ذاتنا فنضجر أحياناً وننخنق مراراً!
أيا ترى مع من تتقاسمين الحياة يا أمي ؟!
(3)
أم شادي
على نسمات الهواء الباردة، وخجل شروق الشمس المحير، راحت أم شادي
تصلي ركعتي الضحى...
ترحمت على والديها،وزوجها، ودعت لبناتها وأزواجهن وأطفالهن.... ولشادي، وقامت تحضر إبريق شاي يكفي لعائلة!
جلست على مقعد خشبي كان يجلس عليه شادي - تذكر كيف كان يجره بلامبالاة من مطبخ البيت للحديقة مستقبلاً أصحابه - . غطت أم شادي شيب شعرها بطاقية صوف، كان قد تركها شادي في خزانته وقت سفره.
دارت أم شادي أرجاء الحديقة ، سقت الشجيرات، ومسحت باب كراج البيت،متمعنة سيارة شادي التي لم تتحرك منذ عامين تقريباً ،مندهشة بعش حمام استراح بين انظارها ....
عادت أم شادي لمقعدها الخشبي، يتدلى من بين أناملها قطعة حرير...سرحت بخيوطها، وبين غرزة وغزرة تسقط دمعة فيها رائحة شادي ...ورعشة قلب متخيلة صوته يُسعد أرجاء البيت .
كبرت أم شادي كثيراً ، ووهن جسدها، وكلما كبرت كلما رق قلبها وحنت لشادي وبناتها اللواتي ما عادت تراهن إلا في نهاية الأسبوع.نهاية الأسبوع التي تطيل حينما تقبل، وتنتهي حالما أقبلت!
انحنت الشمس، وانحنت أم شادي وسحبت كرسي ابنها الخشبي ، وثنت قطعة القماش، أغلقت باب المطبخ المطل على الحديقة، وراحت تتأمل هاتفاً بأزرار وسلك كان قد اشتراه لها أبا شادي في ذكرى زواجهم الاول . خلدته ذكرى من ذكريات أيام قد مضى عليها الزمن ولم تمضي هي عنها.
نامت أم شادي على أطراف كنب الصالة، كان نومها كطفلة صغيرة (ينقصها الحنان ) ...
طبطبت على نفسها، وغطت جسدها بلحاف شادي ، تحاول أن تشتري النوم، علها رأت ملامح ابنها التي تغيرت قسماته في بحر الغربة.
(4)
رحلة إياب
ومرت الأيام ...صباحاً تلو صباح، وإبريق شاي تلو آخر.... ذكرى عقبي ذكرى .... وحشرجات صدر على أمل اللقاء ....
حتى عاد شادي وهو محمل بمشاعر شوق لحضن أمه وكأنه لم يسبق له أن احتضنها بحياته.
مر شادي على أسوار البيت رويداً رويداً، محاولاً أن يدهش أمه مُفرحاً إياها ....
يا ترى أهي بين الجارات؟ أم بين الأخوات؟... أو أنها تخيط كعادتها ؟.
وإذ به يرى حال أمه من صوب السور ...
وهن جسدٌ منكمشٌ تحت أشعة الشمس، دمعات تذرف كقطرات الرهام دمعة تلو الآخرى ... وقف منتصباً لا يكاد يصدق وحشة تعيش بها أمه.... لا يجمعها إلا الفراغ ...ولا يمر عنها سوى نسمة هواء أو حفيف شجر ...
فتح باب الكراج ، قائلاً:-
" يمه أنا جيت " ...ارتمى بين قدميها قابضاً على يديها، يتعبق رائحتها، وكلما انفك عنها... كلما عاد واحتضنها. كفكف دموعه مقارناً وحدته بوحدتها.
ماراً على ذاكرته ...أيام طفولته وشبابه ....
يوم لم تتركه يشعر بوحشة قط !.
"وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا"
ترى هل سيقطع شادي تذكرة عودة ؟!!!!