الاختفاء العجيب لرجل مدهش الاختفاء العجيب لرجل مدهش discussion


9 views
مقال د. شاكر عبد الحميد - اخبار الأدب

Comments Showing 1-2 of 2 (2 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

Ossama Allam http://www.dar.akhbarelyom.com/issuse...
«الاختفاء العجيب لرجل مدهش‮»‬

روح مونتريال الموحشة

07/06/2014 11:01:19 ص

د.شاكر عبد الحميد




أسامة علام روائي مصري يعيش في كندا حيث يقوم بإكمال دراساته العليا في الطب في مونتريال(مرحلة الدكتوراة‮ )‬،‮ ‬و هناك له حضوره الثقافي و الانساني البارز،‮ ‬و من قلب تلك المدينة،‮ ‬و معايشته لسكانها،‮ ‬و من خلال ثقافته و خياله و رؤيته الخاصة للعالم هناك،‮ ‬كتب روايته‮ »‬الاختفاء العجيب لرجل مدهش‮«(‬2013‮).‬

‮ ‬داخل مدينة مونتريال تعيش هذه الشخصية العجيبة،‮ ‬شخصية‮ "‬فرنسوا ليكو‮"‬،‮ ‬مزين الموتي،‮ ‬شخصية‮ ‬غريبة ونادرة في الأدب،‮ ‬تجمع بين الموت والحياة،‮ ‬تقوم بتزين الموتي وتجميلهم،‮ ‬واللعب مع الأطفال وإسعادهم،‮ ‬علي الرغم من انه،هو نفسه،‮ ‬ليس سعيدًا‮. ‬فنان شوارع يمثل في المهرجانات‮ (‬أحيانًا‮) ‬عروضًا قصيرة مضحكة،‮ ‬هي ليست مهنته.انه،‮ ‬مهووس بكثرة العمل،ومهووس بعدم القدرة علي الإنجاز لشيء تام‮ (‬مثل دافنشي في الكثير من اعماله و لوحاته‮ ‬غير المكتملة‮). ‬و قد كان و قبل الشروع في عمله الخاص الغريب هذا،‮ ‬يطلب صورًا فوتوغرافية للمتوفي في أكثر لحظات حياته سعادة،‮ ‬ويحاول مستخدما براعته الفنية ومهاراته الابداعية أن يظهره أمام المودعين له في أبهي صوره،‮ ‬وكما لو كان يعيده الي الحياة من جديد؛ يعيده أبهي و اجمل و اكثر سعادة و حضورا و ألقاً‮ ‬من حضوره السابق العابر القديم‮. ‬هكذا تحول الموت،‮ ‬لديه،‮ ‬إلي فن،فن للاحتفاء بالموتي وإسعادهم،‮ ‬وإسعاد من يرونهم للمرة الأخيرة،‮ ‬هنا أصبحت الحياة موجودة في الموت،‮ ‬الموت الذي قد يكون-لدي البعض‮ -‬غاية الحياة،‮ ‬و كما كان فرويد يقول‮.‬

يقول بعض النقاد إن ما أثار الاضطراب لدي أفلاطون في أعمال بعض الفنانين هو أن هذه الأعمال التشكيلية كانت تتعلق بأشخاص موتي،‮ ‬لكنهم،‮ ‬بفعل ما يقوم به الفنان ومهارته،‮ ‬يبدون كأنهم أحياء،‮ ‬هذا ومن ثم بدت هذه الأعمال‮ ‬غريبة،ومخيفة،وكأنها تومئ إلي إمكانية عودة الموتي والأشباح الي الحياة.ولا ينطبق مثل هذا التحريم علي ما كان يقوم به فرانسوا ليكو،‮ ‬بل ان ما كان يقوم به كان مطلوبا و مرحبا به‮ ‬ويحصل ايضا علي اجر نظير قيامه به‮. ‬لقد كان يبالغ‮ ‬في بذل الجهد من اجل تزيين الميت حتي يبدو اكثر سعادة‮ ‬وبهجة و هو يغادر هذه الحياة الفانية،‮ ‬وقد كانت وسيلته الاساسية في اتقانه لعمله هذا هي تلك الصور التي كان المتوفي‮- ‬كما قلنا‮- ‬يبدو سعيدا فيها‮. ‬هكذا يصبح جسد المتوفي موجودا في صورة رمزية،‮ ‬موجودا كلوحة،‮ ‬او كصورة فوتوغرافية،‮ ‬وكما لو كان هنا-اي فرانسوا ليكو‮- ‬هنا هو المصور،‮ ‬او الخالق،‮ ‬الذي يعيد التكوين او التصوير للميت ويبعث فيه الحياة من جديد‮.‬

في هذه الرواية ايضا نجد الولع بالأشياء،‮ ‬بالأجساد،‮ ‬بالموتي،‮ ‬نزعة أقرب إلي النيكروفيليا،‮ ‬ممارسة الجنس مع الجثث،‮ ‬هنا نواجه علي نحو لافت بذلك الولع بالموتي والعزوف عن الأحياء،‮ ‬إلا من لم يتلوثوا بعد منهم،‮ ‬وبخاصة الأطفال،‮ ‬هنا نجد الولع بالأحذية،‮ ‬بالجثث،‮ ‬بالألحان التي تسيطر علي بعض الشخصيات بشكل قهري،‮ ‬بالأسماء،‮ ‬كما كان حال تلك الغانية التي تضع أسماء عشاقها علي جسدها.هنا تتجسد الذات في أشياء لأنها لا تستطيع أن تتجسد في آخر،‮ ‬وهنا نوع من الهوس المستحوذ،‮ ‬الهوس بالأشياء،‮ ‬بالآخرين،‮ ‬بالجمال‮. ‬هنا نجد‮ "‬نينا جانيون‮" ‬المرأة المولعة بالأقدام والأحذية‮. ‬هنا نجد أن الأشياء كما لو كانت مفعمة بالحياة،‮ ‬وفيها أرواح تحركها ربما أكثر من البشر،‮ ‬كما ان أرواح الآخرين تعود ايضا من خلال الأشياء‮.‬

و مونتريال كما يصفها أسامة علام في روايته هذه‮ "‬مدينة شابة موسومة بطيش المراهقات،‮ ‬مدينة باردة تعطيك الانطباع بأنها لن تسمح لك بأن تحبها؛ لأنها لا تعرف كيف تحب،‮ ‬وهي بذلك لا تطلب منك ذلك أبدًا،‮ ‬مدينة الانضباط والسعادة،‮ ‬المدينة المشبعة بالأحلام،‮ ‬يأتي إليها المفعمون بالحلام ويبقون فيها جريًا وراء دفع الضرائب والفواتير التي لا تنقطع أبدًا وكذلك الانتحار‮".‬

هنا،‮ ‬في هذه المدينة،‮ ‬نجد الموت المادي والموت المعنوي أو الرمزي،‮ ‬موت المشاعر وموت الحب موت الإنسان،‮ ‬والموت كمهنة،‮ ‬و كيف يصبح الإنسان في ألفة مع شيء‮ ‬غير مألوف‮ (‬الموت‮) ‬وعلي‮ ‬غير ألفة مع المألوفين‮ (‬البشر‮).‬هنا نواجه تلك الحياة الموجودة في الموت،و يواجهنا عالم الأرواح والأشباح،‮ ‬البشر الأحلام‮. ‬فالبشر الذين لا يتحققون في الحياة،‮ ‬يتحولون إلي أحلام خاصة بهم أو خاصة بغيرهم‮.‬

والشخصيات في هذه الرواية شخصيات بينية الطابع،‮ ‬تقف أو توجد علي العتبة في المسافة الفاصلة بين الحياة والموت،‮ ‬الحلم وعدم تحققه او تحوله الي كابوس،‮ ‬هنا عالم البشر،‮ ‬وعالم الأشباح،‮ ‬وعالم البشر الاشباح،‮ ‬والاشباح البشر‮. ‬ومثلما هي شخصيات بينية من حيث تكوينها،‮ ‬وشبحية من حيث وجودها في هذا العالم،‮ ‬فهي كذلك،‮ ‬في معظم الاحوال،‮ ‬مغتربة وغريبة،‮ ‬جاءت لتحقق أحلامها فضاعت أحلامها وضاعت هي معها‮. ‬إنها شخصيات‮ ‬غير مستقرة،‮ ‬بلا مأوي،‮ ‬إلا بيت العجائز،‮ ‬أو في الحياة مع الموتي،‮ ‬او الاستغراق في المعتقدات الودونية والشامانية‮. ‬وهكذا فإن الشخصيات هنا موجودة في منطقة بينية تقع بين التحقق والإحباط،ثم الآمال والتوقعات وتحطم الآمال وانكسار التوقعات أو ارتطامها بواقع مؤلم شديد القسوة،‮ ‬ينتهي بعدد كبير منهم الأمر بالعمل في مهرجانات ومدن ملاهي وارتداء أقنعة وافتعال الضحك أو الانتحار والمرض والموت أو العيش في اقبية الذات وكهوفها المظلمة‮. ‬هنا شخصيات فرت من مكانها الأصلي لتذهب إلي مكان جديد لا يعترف بها ولا يهتم،‮ ‬ومن ثم فإنها تتحول تدريجيا إلي شخصيات منقسمة أيضًا بين ماضيها وحاضرها،‮ ‬ثم انها تواجه مستقبلها من خلال الاستعادة لماضيها،‮ ‬أو الاستسلام لمصيرها المحتوم‮.‬

في هذه الرواية نجد عالم التنكر والسيرك،‮ ‬عازفي الطبول الإفريقية،‮ ‬فنانات السيرك،‮ ‬والبهلوانات وعمليات التنكر‮ (‬وهي آلية ترتبط بالتهكم‮) ‬حيث إخفاء الوجه الحقيقي والإظهار لوجه آخر‮ (‬الباكي‮) ‬بالأشياء كبدائل للعلاقات الإنسانية،‮ ‬ونجد ايضا الحديث مع الموتي،‮ ‬إقامة علاقات كاملة معهم‮: ‬علاقات جنسية أو روحية،‮ ‬أو حتي الإقامة في عالمهم والعودة منه،‮ ‬كما لو كانت هناك‮ "‬طقوس عبور‮" ‬تجعل الشخص يمر من عالم إلي عالم،‮ ‬كما في نهاية الرواية،‮ ‬وهناك ايضا حالات الخروج من الجسد،‮ ‬الوجود خارج الجسد،‮ ‬العيش في عالم الموتي والأشباح،‮ ‬العيش معهم،‮ ‬الحوار معهم،‮ ‬تناول الطعام معهم.و في هذه الرواية نجد تجليات عديدة ايضا للغياب و الاختفاء

وليس الاختفاء العجيب لفرانسوا ليكو في نهاية الرواية،‮ ‬عندما اختطفه الموتي الذين كان يزينهم،‮ ‬و أخذوه الي عالمهم،و احتفوا به علي نحو كرنفالي؛ الشاهد الوحيد علي حالات الاختفاء او الغياب الموجودة بكثرة في هذه الرواية،‮ ‬فعمليات تزيين الموتي ذاتها فيها اخفاء لوجه الميت الشاحب الباهت وربما المخيف،‮ ‬واحضار بديل لوجهه الاخر الباسم السعيد‮. ‬كذلك تنطوي عمليات التنكر واخفاء ملامح الوجه التي يقوم بها المهرجون عبر الرواية علي آلية مماثلة ايضا،‮ ‬وغياب الشخصيات بالخطف او القتل او الموت او النسيان او الانكار ينطوي كذلك علي امر مماثل‮. ‬واخيرا فإن ذلك الاقصاء للمشاعر الانسانية و الاخفاء لها والولع بدلا منها بالاشياء فيه ايضا اختفاء لما هو حميم و احضار لما هو بارد او محايد او‮ ‬غير انساني وعلي نحو مخيف.ومثلما هناك احتفالية كارنفالية نعرفها في عالم الأحياء،‮ ‬فيها تحتشد الأقنعة والرقص والولائم والموسيقي والبهجة والفرح؛ فهنك أيضًا كارنفالية الموتي،‮ ‬مهرجان الموتي الأحياء والأحياء الموتي،‮ ‬عالم شبيه بذلك العالم الموجود في القسم الخاص بالحفلة في فيلم‮ ‬shining (تأليف ستيفن كينج،‮ ‬بطولة جاك نيكلسون،‮ ‬اخراج ستانلي كوبريك‮-‬1980‮). ‬هنا ايضا عالم شبحي،‮ ‬حيث الموسيقي ليست الموسيقي و الطعام ليس الطعام،‮ ‬لكن السعادة اكبر‮.‬

مع انفتاح بوابات الذاكرة،‮ ‬يكتشف كل شخص ماضيه ويكشف عن جرائمه و مآسيه‮. ‬هناك عوالم من الأساطير‮ ‬والاشباح و الظلال و الفلكلور الافريقي والكندي واستعادة للصدمات عبر الوعي واللاوعي والاحلام والهذيان من اجل الشفاء و امام المرآة.هناك داخل الرواية استطرادات‮ ‬غير ضرورية احيانا،‮ ‬كتلك الحكايات المشحونة بالذكريات والانطباعات التي ترويها ناتالي سان بير او تتذكرها عن والد الطفلة فرح الذي حمل معه الي كندا قوة الفراعنة و سحر كليوباترا و ذكاء الاسكندرية و قوة الرومان و حكمة العرب‮ ‬وجشع المماليك‮...‬الخ‮. ‬

وهناك آلية مهمة في هذه الرواية تتعلق بالتهكم،‮ ‬وروح التهكم والسخرية موجودة لدي‮ ‬الراوي،‮ ‬ولدي العديد من الشخصيات،‮ ‬لكن التهكم هنا له معنيان‮: ‬أولا كآلية في السرد،‮ ‬كأن يقول الشخص شيئًا ويقصد‮ ‬غيره وهذا هو التهكم السقراطي،‮ ‬أو،‮ ‬ثانيا،‮ ‬أن يحدث ذلك علي مستوي الشخصيات؛ كأن تبني الشخصية عالمًا ما وتصدقه وتقيم فيه ثم تأتي شخصية أخري لتنفيه وتهدمه وكما نجد ذلك القسمين‮ ‬4،‮ ‬5‮ ‬من الرواية،‮ ‬حين حدث ذلك التفاوت والاختلاف الجلي ما بين ما سرده فرنسوا ليكو وما سردته ناتالي سان بير حول وقائع كثيرة حدثت عبر الرواية،‮ ‬هنا يمكن أن يوجد ما أسميه‮ "‬التهكم عبر الشخصيات‮"‬،‮ ‬حيث تقوم بعض الشخصيات بالهدم لما تقيمه شخصية أخري وتؤسسه‮. ‬هكذا تضيع الحقيقة،‮ ‬الحقيقة هنا تتجلي علي أنحاء شتي،‮ ‬وهذه الأنحاء هي وجهات نظر الشخصيات،‮ ‬هكذا يحكي فرنسوا ليكو شيئًا ويقيم عالمًا من الأفكار والمشاعر والحقائق،‮ ‬ثم تأتي ناتالي وتنفيه فتضيع الحقيقة،‮ ‬تصبح منسية،‮ ‬أو لحظية،‮ ‬أو حتي‮ ‬غير موجودة‮.‬


Khaled Zohni تحليل متميز لرواية اكثر من رائعة


back to top