السهو والخطأ السهو والخطأ discussion


9 views
ضحكة الأنقاض

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

Tareq Imam "السهو والخطأ" في ظني مجموعة قصصية استثنائية وربما تكون أحد أفضل الكتب القصصية التي قرأتها في حياتي.
كقارئ قديم لأعمال حسن عبد الموجود، أعتقد أن "السهو والخطأ" تمثل نقلة في تجربته، والتي تجسدت في ثلاثة كتب سابقة، روايتي "عين القط"، و"ناصية باتا"، ومجموعة قصصية هي "ساق وحيدة". يملك حسن عبد الموجود علاقة خاصة جداً باللغة، فهو يتكئ على لغة تواصلية لا تستعصي أبداً على الهضم السلس، لغة فنية تضع القارئ على الدوام في اعتبارها، غير أنها في الوقت نفسه محملة بطاقات إيحائية عالية، وبقدرة استثنائية في ظني على تفجير إمكانات السخرية الهائلة من اللغة التي تبدو للوهلة الأولى لا مبالية. يندر أن تقرأ نصاً لحسن عبد الموجود، حتى لو كان مقالاً أو شهادة أو بورتريه عن صديق دون أن تلمح هذه القدرة على السخرية دون لي عنق اللغة. ودائماً ما اعتقدت أن حسن عبد الموجود وصل لذلك الجذر الصلب والذي يمثل شرط السخرية الفنية الأصيل: اللامبالاة واللغة التي لا تمد ذراعها أكثر من اللازم لتدعم سخريتها من العالم.
في "السهو والخطأ" يصل عبد الموجود بأدواته، في ظني، لحدود نجاعتها الأبعد. أولاً، هي كأغلب أعماله كتابة مدينة بامتياز، لكن يميزها هذه المرة أن المغترب لم يعد الوافد أو الطارئ على المدينة كما يمكن أن نلمح في بعض نصوص "ساق وحيدة" مثلاً، لكنه مغترب من داخل شروط المكان. البطل في هذه المجموعة يبدو دائماً كما لو كان ابناً للمكان غير أنه لا يعيشه، لذا يعيد إنتاجه ليصبح شيئاً فشيئاً مكاناً افتراضياً، رغم أنه ذات المكان الواقعي. يلعب عبد الموجود على التخييل برهافة، فلا يسمح للمعجزات بالتسلل إلى نصه، ولا ينحرف باتجاه اختراع عالم أو شخصية، بل يبدأ من المشهد اليومي، العابر، ليحوله عبر وعي أبطاله به لشيء لا يمكن تصديقه. في العمق هناك أسئلة حسن الكبيرة: السلطة القاهرة التي تدوِّر الأفراد بالغي الهشاشة في ترسها العملاق، سلطة غير محددة ولا متعينة، يمكن التعبير عنها بأمكنة غامضة غير واضحة الهوية وأشخاص مبتسرين يحركون العالم رغم ذلك. السلطة سؤال كبير عند حسن، بمعناها المتجاوز والذي يصعب رده إلى جذر بعينه في لحظة زمانية أو مكانية، وهو يشارك "كافكا" _ أحد كتابه الأثيرين_ ذلك الولع، غير أنه يضيف لـ"جدية" كافكا و"ثقله" خفة منبعها السخرية، والسخرية من الذات تحديداً وليس الآخرين. سخرية حسن الموجود تكتسب جدواها من أنها تنبع من أشخاص آخذين في تدمير أنفسهم، هم موضوع العالم وليس العالم هو موضوعهم كما تعمد النصوص الناقمة في أشكالها المتعارف عليها. أغلب قصص المجموعة مكتوبة بالضمير الأول "ضمير المتكلم"، والذي يضيق الفارق كثيراً في عملية القراءة بين السارد "المتخيل" والمؤلف "الواقعي". إنها لعبة إيهام يجيد حسن إحكامها، بحيث تبدو قصته اعترافاً أو نميمة أو تدويناً لواقعة، خاصة إذا ما أضفنا لذلك أن حسن يعشق الانطلاق من لحظات صفرية، حيث العالم في أقصى لحظات تماسكه وثباته، قبل أن تبدأ خلخلة ناعمة، بالضبط كذوبان مكعب سكر صلب في كوب شاي، لينتهي العالم في أشد صوره تهتكاً وجنوناً. في هذه المجموعة أيضاً يقدم حسن عبد الموجود قدرة فائقة على كتابة القصة الطويلة، وهي نادرة إلى حد كبير في الكتابة المصرية، فبينما ذهبت الروايات شيئاً فشيئاً نحو التضخم راحت القصص تنكمش بدورها شيئاً فشيئاً باتجاه الأقاصيص، لكن حسن يعيد الاعتبار للقصة القصيرة التي تميل للطول، والتي تقدم عالماً مشبعاً بالتفاصيل.


back to top