فى مجموعتها القصصية (فعل مؤنث منتصب) الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2014م، والفائزة فى المسابقة الأدبية المركزية تأخذ القاصة دينا سليمان ركنا سرديا خاصا وتشكل خصوصية خطابها القصصى، داخل حدود الشعرية المتمردة على الحكاية النمطية وتتجاوز حدودها المألوفة، تنتج خطابا قصصيا ترسم ملامحه بلغة محسوبة بحساب الشعراء وميزانهم، لغة قد لا تتوافر لكثير من الشعراء المجيدين. هنا نحن أمام نصوص أدبية تستعصى على التجنيس، وتؤكد على أن الإبداع هو دائما الذى يقول الكلمة الأولى والأخيرة فى قضية تداخل الأنواع الأدبية وليس النقد. فهذه المجموعة القصصية تشير نحو نوع جديد من التعامل مع القص والتعامل مع اللغة وكيفية جديدة لولوج عالم الشعرية الرحب من باب السرد القصصى. جمالية سرد دينا سليمان القصصى ليست نابعة فقط من اللغة الشعرية، بل من عدة روافد ومرتكزات بارزة لأن قصصها القصيرة برغم محدودية النص كميًّا وتكثيف اللغة وقلة الأحداث المروية تتشكل من الأسطورة وتتاخم الحلم والرؤية الكونية الأوسع والمنفتحة على الخرافة والأسئلة الوجودية العامة، أسئلة الحب والرجل والمرأة والحياة والمتعة والألم والموروث والاندثار والنهاية. فى قصة (يوم الثور) التى تدور حول دور الجدة فى الأفراح تسائل جوهر العلاقة بين الرجل والمرأة، أو بالأحرى علاقة الذكر بالأنثى وحاجة كل منهما للآخر. وترتكز على المفارقة والتحول المفاجئ من الشىء إلى نقيضه لتصنع حالا من الدهشة، فبعد أن شكلت ملامح أسطورة قصتها المبنية على سحر خبز الجدة وأثره فى تشكيل المرأة بين يدي الرجل بعد الزواج وتميمة العجن التى يحرص عليها أهل القرية فى أفراحهم تتحول مباشرة إلى اللعنة، لتندمج فى الإطار نفسه اللعنة بالفرحة، ولعل هذا المقطع يكشف عن ذلك المزج والاندماج المدهشين تقول: ( كانت أفراح القرية لا تنقطع كما رائحة خبز الجدة، حتى أصابتنا اللعنة، أصبحنا لا نشهد فرحا إلا وتصير الزوجة بعد ساعات قليلة أرملة! وهكذا ترمل نصف نساء القرية، والجدة تحرق العرائس فلا تزول العين. لم تبق لدي الجدة أى حيل، وصرنا لا نحتفل إلا بالموت!). فإذا ما تجاوزنا أو مررنا سريعا بجمالية الجملة القصيرة المكثفة التى تختزل مشاهد كاملة وأحداثا ممتدة ونظرنا إلى النص بامتداده العام وصورته الكلية نجد هذا التحول المفاجئ من الشىء إلى نقيضه يمثل سمة عامة وهواية الساردة دينا سليمان ليصبح عنصرا من عناصر الإدهاش فى مجموعتها القصصية. التحول من الصمت إلى البوح بالأسرار، ومن الجمود إلى النشاط والصخب، ومن الموت إلى الحياة ومن الحياة إلى الموت. من العنكبوت الذى يعشش ببيوته ويهيمن على المكان إلى النظافة وإجلاء التراب عن الهواء وليس عن المكان، من السذاجة إلى ألم الوعي. وتعين الكاتبة على تفعيل المفارقة لغةٌ خاصة تملك استعاراتها وتشبيهاتها الجديدة النابعة من أسئلتها هى ورؤيتها الجديدة للأشياء وللكون وإحساسها الخاص بالحياة ومصادر القلق فيها وبخاصة رؤيتها للمرأة الباحثة عن الحب والمعتصمة به من الوحدة وشكوكها. وبرغم لجوئها للغرائبي فإنها لا تبتعد عن الأسئلة القديمة الجديدة/المعتادة، أسئلة الحب والبحث عن الاستقرار والمتعة. ولا تغيب عن خطابها القصصي الواقعية التى تصنع التشويق وتربط المتلقى بأسئلة النص وقضاياه، فالإنسان لديها سواء كان رجلا أو امرأة يحاول الانتصار على متاعبه ولعناته ويصر على القفز عليها وتجاوزها، فالمرأة التى تعانى من غريب الأطوار العجوز فى العمل لا تختلف عن الرجال الذين حاولوا التغلب على مصيرهم بعد إصابة القرية باللعنة، فمنهم من يسعى لأن يتزوج سرا ومنهم من يهجر الزوجة عن عمد حتى تزول اللعنة، ومنهم كذلك الذين امتثلوا لوصفة الجدة وطريقتها فى التخلص من اللعنة بأن حجزوا الرجال فى بيت على أطراف القرية وامتنعوا عن نسائهم لمدة أربعين يوما. فهناك دائما من يحاول ويقاوم، وتبدو هنا المرأة معادلا للحياة كلها بامتدادها الزمني والنوعي، فهى ليست ذلك الإنسان المؤنث، بل هى الذاكرة والإرادة وأحيانا اليقين، فهى الجدة الواثقة من خطواتها فى المجهول الذى يحيط بالأشياء وتبرز منه أسئلة غير متناهية. فى قصة (بنت وَرْدان) تبدو المرأة نموذجا للمقاومة بشكل منفرد، تقاوم الوحدة والجمود، والتكرار والتلوث والخوف، لكنها فى النهاية تحت وطأة صراع لا أمل فى نهايته تتهاوى وتستسلم، وتظفر بورقة أخيرة تحمل ختم التحويل. لكن يكفيها أنها حاولت، هزمت على الأقل بيوت العنكبوت وأزالتها، حاولت التحدث والتواصل مع غريب الأطوار الذى يتلاشى بين الملفات المنتفخة ويفنيه العمل أو يميته ويخرج به من الحياة إلى الموت فيبدو بلا أى فائدة. على أن هذه المقاومة كانت ملفوفة بحال من الاغتراب المهيمنة، وهذا الاغتراب فى تلك الحياة غير المتسقة يلجئها إلى فكرة التناسخ والحلول التى تبدو مهربا للروح من هذه الغربة إلى حيث تجد سرها وتسكنه أو تستقر فيه ويستقر فيها. وفى قصة (موجة عرضية) هى هى نفسها المرأة التى تتمرد على المرحلة التى كانت فيها تنبهر بأشياء ساذجة وتخدعها كلمات الغزل، وتشعر بالراحة حين تتخطى تلك المرحلة التى تراها مبتذلة. وإذا كان الرجل هو المعيار الثابت الذى تقيس عليه تطورها ونضجها فإنه هنا ليس عدوا بقدر ما هو معادل لصورة الحياة بما تطرح وتفرض من التجارب القاسية فى كثير من الأحيان فتضطرها للتعلم. فجملة الحبيب الثابتة (هو أنا ليه مصرختش وسط الناس وقلت بحبك) فى قصة (موجة عرضية) هذه الجملة المتكررة والثابتة فى سياقات مختلفة تمثل المسطرة التى تقيس عليها تنامي وعيها واختلاف رؤيتها للأشياء الثابتة بمرور الأيام وتغير وضعياتها مع الزمن. فتتلقى الجملة فى وقت بحس الحبيبة المكتشفة لأول مرة للذة الحب وأن تكون معشوقة، وفى وقت آخر تتلقاها بحس المعتادة عليها، وفى وقت آخر يبدأ الشك فتسأل سؤالا على السؤال وتتشكك فى كلمات الغزل التى أيقنت بها من قبل، ثم تصل إلى المرحلة التى تعرف فيها الإجابة عن الأسئلة القديمة والجديدة، أسئلة الذات وأسئلة الآخر الذى ربما اعتاد خداعها. فى مستوى البنية الشكلية تعتاد دينا سليمان على نسج ما يشبه المطلع أو المدخل لقصتها القصيرة، فيها تقدم صورة إجمالية ملخصة ومكثفة عن الحال التى تقاربها فى قصتها، وهو ما فعلته فى قصة (يوم الثور) وقصة (مسمار معقوف على زاوية الحلم) وكذلك قصة موجة عرضية. وهذا الاعتياد على التقديم يصنع شكلا تطريزيا أو توشيحا للقصة ولا يجعلها تمضى فى مسار واحد رتيب، بحيث تشبه هذه المقدمة المدخل أو المطلع/ مطلع القصيدة أو الموشحة أو الجوقة فى المسرحية. تعلو عن الأحداث التفصيلية وتقدم رؤية إجمالية كلية مفعمة بالشاعرية وثرية بالتكثيف الدلالي. وهذه المقدمات أو المطالع تدعم فكرة التحول من الكلي إلى الجزئى ومن العام إلى الخاص، وتبدو كذلك نوعا من التفصيل بعد إجمال. فهى بعدما تلخص مثلا الحال بين الرجل والمرأة اللذين يبدوان بصورة الشىء ونقيضه، لأنها تهوى الكاكاو الساخن وتنهيه بسرعة قبل بدء الرجل فى قهوته، تلجأ بعد ذلك إلى التفصيل مع جمعه للمسامير التى تفرّ من ثباتها، ليبدو الرجل بصورة المعين على رفع العقبات والمضرات أو هو ذلك الشغوف بإكمال الأشياء التى تتأرجح وتتذبذب بين الحياة والموت، بين النفع والضرر، كأنه يضع النقاط على الحروف دائما ويملك القدرة على اتخاذ القرار، بخلافها هى فى توقفها وانتظارها. ثم يتحول الأمر معه إلى ما يشبه الغواية بالمسامير القديمة المستخدمة ويعزف عن تلك البكر الجديدة وينفر منها، وهى علامة يمكن التدقيق فى جانبها الرمزي ومقاربتها سيميولوجيا وفق منطق النص أو المجموعة القصصية كلها، فيصعب المرور بغفلة على قول البطل (المسامير دى لسه بكر متلزمنيش). على أن الكاتبة بحس بارع تصطنع نوعا من التمهيد الفنى المناسب فى نظرنا لعملية التحول من المقدمات أو المطالع إلى بقية أجزاء القصة، فتخترع شكلا من العناوين الفرعية التى أحيانا تكون تفصيلية نوعا ما أو هى عبارة عن جملة قد تطول أو مفردات وعلامات دالة تسهم فى تشكيل دلالة النص القصصي وتساعد على التدرج فى الانتقال من المطالع إلى الأجزاء اللاحقة من القصة التى غالبا ما تنقسم إلى مقاطع أو مشاهد أو فقرات. وهذه العناوين الفرعية تنبني على خاصية التقابل أو المفارقة ومن أمثلتها (الظل/ الحركة/ التمنى) (الظل/ الحركة/ التمنى مرة أخرى) (الخديعة/ الابتسامة) (الخروج/ الوهم) (الوعد/ الصباح). فتبدو المفارقة أو التقابل جزءا من رؤية الكاتبة التى ترى الحياة فى إطار من هذا التصارع المستمر بين الأشياء والأقدار، والصراع الداخلى النابع من التحول من الشىء إلى نقيضه ومن حال إلى حال، وتبدو قصصها كما لو كانت ديوانا شعريا يصدر عن حال واحدة متسقة ونابعة من شعور واحد ممتد بغير رتابة أو تكرار. وفى مقابل المطلع أو المدخل الذى اعتادت عليه فإنها تلجأ كذلك إلى نوع من الخارجة التى تتشابه مع السابقة فى إجمال المعنى وتكثيفه، وتصب فيها شظايا النص ومشاهده الكثيرة المختزلة فى لغة مكثفة، ومثال ذلك هذا المقطع الذى تنهي به قصتها (مسمار معقوف على زاوية الحلم): يوما ما سيذكر أحدهم أن هناك فتاة تجلس بعكس اتجاه البحر، وحيدة مع الكاكاو.. تبدأ برشفة واحدة من كوب الماء، ولا تعود إليه ثانية. تلقى بتفاصيلها فى زوايا المكان، يلتقطها المارة ويرحلون، فلا يثمر لها شىء. على أن هذا المقطع الختامي له دور آخر من ناحية البنية الزمنية، إذ به يتحدد زمن الجزء السابق من بنية النص القصصى، ويحيل هذا المقطع الأخير مرة أخرى على بقية النص وقد يجبر على مسار آخر للقراءة فيبدأ القارئ مضطرا لقراءة جديدة للنص من أوله فى ضوء هذا المقطع الأخير الذى يكشف زمن الأجزاء السابقة من النص ويبرز أنها جاءت فى إطار التذكر، وأن مصيرها الآنى هو الذى يعبر عنه آخر النص ويجعل بنية القصة أشبه باللغز أو المتاهة التى تضيء وتنكشف فى آخرها. قد تبدو الحكاية/ الحدوتة فى قص دينا سليمان فى الكادرات الهامشية، منزاحة قليلا عن بؤرة النص أو تبدو روحا عامة تسري بلطف ودون ضجيج، الحكاية هنا ليست جوهر بينة النص القصصى، بل إنها الدلالة والتشكيلات اللغوية الجديدة الباحثة فى الحقيقة والمقاربة للمعنى. لغة تصارع لتثبت نفسها وربما هى من القوة بما يجعلها فى صورة المصارع لإثبات الوجود فى حين أنها ليست كذلك. لغة تستند على البلاغة التقليدية والانزياحات والاستعارات والصور الجديدة كما لو كانت قد نسيت تماما أنها فى دائرة القص، لغة تفر إلى شعرية جامحة غير مبالية بالأسوار والحدود التجنيسية، ولا تعترف بالحدود الفاصلة بين شعر أو قصة. (المسامير تفر من ثباتها) (الحقيقة دائما باتجاه البحر) (يظهر الشغف المحمل بالرسائل)، (لم أصنع للموت حذاءه) (من منبتها سيشق لها جناحان. ترويهما كل صباح بدموعها)، (لم ينته الطريق، لكن أرجلنا انتهت). وتستند هذه اللغة الثرية فى مواضع كثيرة على صور النص المقدس/ القرآن وتسترفدها وتعيد توظيفها فى دائرتها القصصية الخاصة وداخل بنيتها اللغوية الجديدة، لكن تبقى الصلة بالصورة الموروثة واضحة. ومثال ذلك (خلع نعليه بالوادي المقدس) (آكلوا التفاح لا يدخلون الجنة) (رب لا تذرني فردا) (لا تقصص رؤياك إلا على العشاق، ومن حيث خرجت فولِّ وجهك شطر قلب الحبيب) (إن بعد العسر حبا، إن هذا العسرَ حبّ). لتصنع نوعا من الحوار مع الصوت المقدس، لتبدو صورها الخاصة فى الحب قدرية كلها وكأنها مفروضة من السماء أو هكذا أحستها، جزءا من مصير الإنسان المكلف بتحمل المتعة والعذاب ممتزجين. وفى قصة (قدم الموت) تطابق مسار القصيدة ومقامها من أول كلمة فى القصة حتى نهايتها، فعبر لغة ثرية بانزياحات واستعارات جديدة تشكل عالما جديدا، ليس له من القصة إلا التنامي السردي والحركة، لكن الخيال المجاوز والبنية اللغوية لا يمكن إلا أن تكون للقصيدة الشعرية فى أوج اندفاعها وجموحها الشعري. فهذه البداية (لم أصنع للموت حذاءه فغضب علىّ) تؤسس لخيال شعري ولغة مقتصدة مكثفة تناسب القصيدة وتجعل المتلقى مجاوزا فى تلقيه لحدود الواقع وأحداثه وتفاصيله ليرتفع عنها إلى مسار تلقي القصيدة. ويسهم التجانس الموسيقى أو التناغم الإيقاعي الناتج عن توازن تقطيع الجمل وتكرار بعض الأصوات والكلمات فى إكمال هذه الحال الشعرية، وهو ما يتجلى فى هذا المقتبس (أقسم أن يأخذها منّى، وأقسمت على قسمه، وصار القسمان معلقين فى كفَّيها، تزنهما لترى أيا منها سيثقل وزنه، وتدمع ضحتها حين أخبرها ببخل جارنا). ليصنع التكرار نوعا من الحركة الدائرية فى الإيقاع أو التناغم بما يجعل القصة أقرب للقصيدة، وتكتمل الحال بالتصوير المجاوز، وهى صور قد تسكن الأسئلة، وتجعل اللغة الإنشائية لها مساحتها غير القليلة، تقول: لم قد يحتاج الموتُ لحذاء؟ هل يملك قدمين؟ للموت قدم واحدة ذات إصبع واحد كبير. فردة حذاء واحدة تكفيه. فهذه الصور الغرائبية تنتج شعرية النص وتنتج جمالية اللغة وثراءها. ليجتمع للنص شعرية الشكل متمثلة فى الأصوات والتناغم والإيقاع وشعرية الأفكار والمضمون الأسطوري أو الحالم المتجاوز لرتابة الواقع وتفاصيله الأرضية المزعجة. وتميل القاصة إلى ضمير الغائب/ الرواي العليم الأكثر مناسبة لهذا القص الجامع إلى الأسطوري والغرائبى والمحلق بعيدا حيث تناسخ الأرواح والأمانى القصية، والشخصية الجامحة الباحثة عن خلاصها فى عالم جديد تحاول اكتشافه أو إعادة بنائه وتشكيله وفق منطقها الخاص، ويسهم الضمير فى التكريس للرؤية الإجمالية التى تصر القاصة على بثها فى عملها. وهى برغم تغليبها للراوي العليم تملك القدرة على التحول وتغيير وضعيات السرد فى النص الواحد يساعدها فى ذلك تجزئة القصة إلى مقاطع تبدو مستقلة، فتستخدم الرواى العليم ثم المتكلم/ أو المشارك
جمالية سرد دينا سليمان القصصى ليست نابعة فقط من اللغة الشعرية، بل من عدة روافد ومرتكزات بارزة لأن قصصها القصيرة برغم محدودية النص كميًّا وتكثيف اللغة وقلة الأحداث المروية تتشكل من الأسطورة وتتاخم الحلم والرؤية الكونية الأوسع والمنفتحة على الخرافة والأسئلة الوجودية العامة، أسئلة الحب والرجل والمرأة والحياة والمتعة والألم والموروث والاندثار والنهاية. فى قصة (يوم الثور) التى تدور حول دور الجدة فى الأفراح تسائل جوهر العلاقة بين الرجل والمرأة، أو بالأحرى علاقة الذكر بالأنثى وحاجة كل منهما للآخر. وترتكز على المفارقة والتحول المفاجئ من الشىء إلى نقيضه لتصنع حالا من الدهشة، فبعد أن شكلت ملامح أسطورة قصتها المبنية على سحر خبز الجدة وأثره فى تشكيل المرأة بين يدي الرجل بعد الزواج وتميمة العجن التى يحرص عليها أهل القرية فى أفراحهم تتحول مباشرة إلى اللعنة، لتندمج فى الإطار نفسه اللعنة بالفرحة، ولعل هذا المقطع يكشف عن ذلك المزج والاندماج المدهشين تقول: ( كانت أفراح القرية لا تنقطع كما رائحة خبز الجدة، حتى أصابتنا اللعنة، أصبحنا لا نشهد فرحا إلا وتصير الزوجة بعد ساعات قليلة أرملة! وهكذا ترمل نصف نساء القرية، والجدة تحرق العرائس فلا تزول العين. لم تبق لدي الجدة أى حيل، وصرنا لا نحتفل إلا بالموت!).
فإذا ما تجاوزنا أو مررنا سريعا بجمالية الجملة القصيرة المكثفة التى تختزل مشاهد كاملة وأحداثا ممتدة ونظرنا إلى النص بامتداده العام وصورته الكلية نجد هذا التحول المفاجئ من الشىء إلى نقيضه يمثل سمة عامة وهواية الساردة دينا سليمان ليصبح عنصرا من عناصر الإدهاش فى مجموعتها القصصية. التحول من الصمت إلى البوح بالأسرار، ومن الجمود إلى النشاط والصخب، ومن الموت إلى الحياة ومن الحياة إلى الموت. من العنكبوت الذى يعشش ببيوته ويهيمن على المكان إلى النظافة وإجلاء التراب عن الهواء وليس عن المكان، من السذاجة إلى ألم الوعي. وتعين الكاتبة على تفعيل المفارقة لغةٌ خاصة تملك استعاراتها وتشبيهاتها الجديدة النابعة من أسئلتها هى ورؤيتها الجديدة للأشياء وللكون وإحساسها الخاص بالحياة ومصادر القلق فيها وبخاصة رؤيتها للمرأة الباحثة عن الحب والمعتصمة به من الوحدة وشكوكها.
وبرغم لجوئها للغرائبي فإنها لا تبتعد عن الأسئلة القديمة الجديدة/المعتادة، أسئلة الحب والبحث عن الاستقرار والمتعة. ولا تغيب عن خطابها القصصي الواقعية التى تصنع التشويق وتربط المتلقى بأسئلة النص وقضاياه، فالإنسان لديها سواء كان رجلا أو امرأة يحاول الانتصار على متاعبه ولعناته ويصر على القفز عليها وتجاوزها، فالمرأة التى تعانى من غريب الأطوار العجوز فى العمل لا تختلف عن الرجال الذين حاولوا التغلب على مصيرهم بعد إصابة القرية باللعنة، فمنهم من يسعى لأن يتزوج سرا ومنهم من يهجر الزوجة عن عمد حتى تزول اللعنة، ومنهم كذلك الذين امتثلوا لوصفة الجدة وطريقتها فى التخلص من اللعنة بأن حجزوا الرجال فى بيت على أطراف القرية وامتنعوا عن نسائهم لمدة أربعين يوما. فهناك دائما من يحاول ويقاوم، وتبدو هنا المرأة معادلا للحياة كلها بامتدادها الزمني والنوعي، فهى ليست ذلك الإنسان المؤنث، بل هى الذاكرة والإرادة وأحيانا اليقين، فهى الجدة الواثقة من خطواتها فى المجهول الذى يحيط بالأشياء وتبرز منه أسئلة غير متناهية.
فى قصة (بنت وَرْدان) تبدو المرأة نموذجا للمقاومة بشكل منفرد، تقاوم الوحدة والجمود، والتكرار والتلوث والخوف، لكنها فى النهاية تحت وطأة صراع لا أمل فى نهايته تتهاوى وتستسلم، وتظفر بورقة أخيرة تحمل ختم التحويل. لكن يكفيها أنها حاولت، هزمت على الأقل بيوت العنكبوت وأزالتها، حاولت التحدث والتواصل مع غريب الأطوار الذى يتلاشى بين الملفات المنتفخة ويفنيه العمل أو يميته ويخرج به من الحياة إلى الموت فيبدو بلا أى فائدة. على أن هذه المقاومة كانت ملفوفة بحال من الاغتراب المهيمنة، وهذا الاغتراب فى تلك الحياة غير المتسقة يلجئها إلى فكرة التناسخ والحلول التى تبدو مهربا للروح من هذه الغربة إلى حيث تجد سرها وتسكنه أو تستقر فيه ويستقر فيها. وفى قصة (موجة عرضية) هى هى نفسها المرأة التى تتمرد على المرحلة التى كانت فيها تنبهر بأشياء ساذجة وتخدعها كلمات الغزل، وتشعر بالراحة حين تتخطى تلك المرحلة التى تراها مبتذلة. وإذا كان الرجل هو المعيار الثابت الذى تقيس عليه تطورها ونضجها فإنه هنا ليس عدوا بقدر ما هو معادل لصورة الحياة بما تطرح وتفرض من التجارب القاسية فى كثير من الأحيان فتضطرها للتعلم. فجملة الحبيب الثابتة (هو أنا ليه مصرختش وسط الناس وقلت بحبك) فى قصة (موجة عرضية) هذه الجملة المتكررة والثابتة فى سياقات مختلفة تمثل المسطرة التى تقيس عليها تنامي وعيها واختلاف رؤيتها للأشياء الثابتة بمرور الأيام وتغير وضعياتها مع الزمن. فتتلقى الجملة فى وقت بحس الحبيبة المكتشفة لأول مرة للذة الحب وأن تكون معشوقة، وفى وقت آخر تتلقاها بحس المعتادة عليها، وفى وقت آخر يبدأ الشك فتسأل سؤالا على السؤال وتتشكك فى كلمات الغزل التى أيقنت بها من قبل، ثم تصل إلى المرحلة التى تعرف فيها الإجابة عن الأسئلة القديمة والجديدة، أسئلة الذات وأسئلة الآخر الذى ربما اعتاد خداعها.
فى مستوى البنية الشكلية تعتاد دينا سليمان على نسج ما يشبه المطلع أو المدخل لقصتها القصيرة، فيها تقدم صورة إجمالية ملخصة ومكثفة عن الحال التى تقاربها فى قصتها، وهو ما فعلته فى قصة (يوم الثور) وقصة (مسمار معقوف على زاوية الحلم) وكذلك قصة موجة عرضية. وهذا الاعتياد على التقديم يصنع شكلا تطريزيا أو توشيحا للقصة ولا يجعلها تمضى فى مسار واحد رتيب، بحيث تشبه هذه المقدمة المدخل أو المطلع/ مطلع القصيدة أو الموشحة أو الجوقة فى المسرحية. تعلو عن الأحداث التفصيلية وتقدم رؤية إجمالية كلية مفعمة بالشاعرية وثرية بالتكثيف الدلالي. وهذه المقدمات أو المطالع تدعم فكرة التحول من الكلي إلى الجزئى ومن العام إلى الخاص، وتبدو كذلك نوعا من التفصيل بعد إجمال. فهى بعدما تلخص مثلا الحال بين الرجل والمرأة اللذين يبدوان بصورة الشىء ونقيضه، لأنها تهوى الكاكاو الساخن وتنهيه بسرعة قبل بدء الرجل فى قهوته، تلجأ بعد ذلك إلى التفصيل مع جمعه للمسامير التى تفرّ من ثباتها، ليبدو الرجل بصورة المعين على رفع العقبات والمضرات أو هو ذلك الشغوف بإكمال الأشياء التى تتأرجح وتتذبذب بين الحياة والموت، بين النفع والضرر، كأنه يضع النقاط على الحروف دائما ويملك القدرة على اتخاذ القرار، بخلافها هى فى توقفها وانتظارها. ثم يتحول الأمر معه إلى ما يشبه الغواية بالمسامير القديمة المستخدمة ويعزف عن تلك البكر الجديدة وينفر منها، وهى علامة يمكن التدقيق فى جانبها الرمزي ومقاربتها سيميولوجيا وفق منطق النص أو المجموعة القصصية كلها، فيصعب المرور بغفلة على قول البطل (المسامير دى لسه بكر متلزمنيش). على أن الكاتبة بحس بارع تصطنع نوعا من التمهيد الفنى المناسب فى نظرنا لعملية التحول من المقدمات أو المطالع إلى بقية أجزاء القصة، فتخترع شكلا من العناوين الفرعية التى أحيانا تكون تفصيلية نوعا ما أو هى عبارة عن جملة قد تطول أو مفردات وعلامات دالة تسهم فى تشكيل دلالة النص القصصي وتساعد على التدرج فى الانتقال من المطالع إلى الأجزاء اللاحقة من القصة التى غالبا ما تنقسم إلى مقاطع أو مشاهد أو فقرات. وهذه العناوين الفرعية تنبني على خاصية التقابل أو المفارقة ومن أمثلتها (الظل/ الحركة/ التمنى) (الظل/ الحركة/ التمنى مرة أخرى) (الخديعة/ الابتسامة) (الخروج/ الوهم) (الوعد/ الصباح). فتبدو المفارقة أو التقابل جزءا من رؤية الكاتبة التى ترى الحياة فى إطار من هذا التصارع المستمر بين الأشياء والأقدار، والصراع الداخلى النابع من التحول من الشىء إلى نقيضه ومن حال إلى حال، وتبدو قصصها كما لو كانت ديوانا شعريا يصدر عن حال واحدة متسقة ونابعة من شعور واحد ممتد بغير رتابة أو تكرار.
وفى مقابل المطلع أو المدخل الذى اعتادت عليه فإنها تلجأ كذلك إلى نوع من الخارجة التى تتشابه مع السابقة فى إجمال المعنى وتكثيفه، وتصب فيها شظايا النص ومشاهده الكثيرة المختزلة فى لغة مكثفة، ومثال ذلك هذا المقطع الذى تنهي به قصتها (مسمار معقوف على زاوية الحلم): يوما ما سيذكر أحدهم أن هناك فتاة تجلس بعكس اتجاه البحر، وحيدة مع الكاكاو.. تبدأ برشفة واحدة من كوب الماء، ولا تعود إليه ثانية. تلقى بتفاصيلها فى زوايا المكان، يلتقطها المارة ويرحلون، فلا يثمر لها شىء.
على أن هذا المقطع الختامي له دور آخر من ناحية البنية الزمنية، إذ به يتحدد زمن الجزء السابق من بنية النص القصصى، ويحيل هذا المقطع الأخير مرة أخرى على بقية النص وقد يجبر على مسار آخر للقراءة فيبدأ القارئ مضطرا لقراءة جديدة للنص من أوله فى ضوء هذا المقطع الأخير الذى يكشف زمن الأجزاء السابقة من النص ويبرز أنها جاءت فى إطار التذكر، وأن مصيرها الآنى هو الذى يعبر عنه آخر النص ويجعل بنية القصة أشبه باللغز أو المتاهة التى تضيء وتنكشف فى آخرها.
قد تبدو الحكاية/ الحدوتة فى قص دينا سليمان فى الكادرات الهامشية، منزاحة قليلا عن بؤرة النص أو تبدو روحا عامة تسري بلطف ودون ضجيج، الحكاية هنا ليست جوهر بينة النص القصصى، بل إنها الدلالة والتشكيلات اللغوية الجديدة الباحثة فى الحقيقة والمقاربة للمعنى. لغة تصارع لتثبت نفسها وربما هى من القوة بما يجعلها فى صورة المصارع لإثبات الوجود فى حين أنها ليست كذلك. لغة تستند على البلاغة التقليدية والانزياحات والاستعارات والصور الجديدة كما لو كانت قد نسيت تماما أنها فى دائرة القص، لغة تفر إلى شعرية جامحة غير مبالية بالأسوار والحدود التجنيسية، ولا تعترف بالحدود الفاصلة بين شعر أو قصة. (المسامير تفر من ثباتها) (الحقيقة دائما باتجاه البحر) (يظهر الشغف المحمل بالرسائل)، (لم أصنع للموت حذاءه) (من منبتها سيشق لها جناحان. ترويهما كل صباح بدموعها)، (لم ينته الطريق، لكن أرجلنا انتهت).
وتستند هذه اللغة الثرية فى مواضع كثيرة على صور النص المقدس/ القرآن وتسترفدها وتعيد توظيفها فى دائرتها القصصية الخاصة وداخل بنيتها اللغوية الجديدة، لكن تبقى الصلة بالصورة الموروثة واضحة. ومثال ذلك (خلع نعليه بالوادي المقدس) (آكلوا التفاح لا يدخلون الجنة) (رب لا تذرني فردا) (لا تقصص رؤياك إلا على العشاق، ومن حيث خرجت فولِّ وجهك شطر قلب الحبيب) (إن بعد العسر حبا، إن هذا العسرَ حبّ). لتصنع نوعا من الحوار مع الصوت المقدس، لتبدو صورها الخاصة فى الحب قدرية كلها وكأنها مفروضة من السماء أو هكذا أحستها، جزءا من مصير الإنسان المكلف بتحمل المتعة والعذاب ممتزجين.
وفى قصة (قدم الموت) تطابق مسار القصيدة ومقامها من أول كلمة فى القصة حتى نهايتها، فعبر لغة ثرية بانزياحات واستعارات جديدة تشكل عالما جديدا، ليس له من القصة إلا التنامي السردي والحركة، لكن الخيال المجاوز والبنية اللغوية لا يمكن إلا أن تكون للقصيدة الشعرية فى أوج اندفاعها وجموحها الشعري. فهذه البداية (لم أصنع للموت حذاءه فغضب علىّ) تؤسس لخيال شعري ولغة مقتصدة مكثفة تناسب القصيدة وتجعل المتلقى مجاوزا فى تلقيه لحدود الواقع وأحداثه وتفاصيله ليرتفع عنها إلى مسار تلقي القصيدة. ويسهم التجانس الموسيقى أو التناغم الإيقاعي الناتج عن توازن تقطيع الجمل وتكرار بعض الأصوات والكلمات فى إكمال هذه الحال الشعرية، وهو ما يتجلى فى هذا المقتبس (أقسم أن يأخذها منّى، وأقسمت على قسمه، وصار القسمان معلقين فى كفَّيها، تزنهما لترى أيا منها سيثقل وزنه، وتدمع ضحتها حين أخبرها ببخل جارنا). ليصنع التكرار نوعا من الحركة الدائرية فى الإيقاع أو التناغم بما يجعل القصة أقرب للقصيدة، وتكتمل الحال بالتصوير المجاوز، وهى صور قد تسكن الأسئلة، وتجعل اللغة الإنشائية لها مساحتها غير القليلة، تقول: لم قد يحتاج الموتُ لحذاء؟ هل يملك قدمين؟ للموت قدم واحدة ذات إصبع واحد كبير. فردة حذاء واحدة تكفيه.
فهذه الصور الغرائبية تنتج شعرية النص وتنتج جمالية اللغة وثراءها. ليجتمع للنص شعرية الشكل متمثلة فى الأصوات والتناغم والإيقاع وشعرية الأفكار والمضمون الأسطوري أو الحالم المتجاوز لرتابة الواقع وتفاصيله الأرضية المزعجة.
وتميل القاصة إلى ضمير الغائب/ الرواي العليم الأكثر مناسبة لهذا القص الجامع إلى الأسطوري والغرائبى والمحلق بعيدا حيث تناسخ الأرواح والأمانى القصية، والشخصية الجامحة الباحثة عن خلاصها فى عالم جديد تحاول اكتشافه أو إعادة بنائه وتشكيله وفق منطقها الخاص، ويسهم الضمير فى التكريس للرؤية الإجمالية التى تصر القاصة على بثها فى عملها. وهى برغم تغليبها للراوي العليم تملك القدرة على التحول وتغيير وضعيات السرد فى النص الواحد يساعدها فى ذلك تجزئة القصة إلى مقاطع تبدو مستقلة، فتستخدم الرواى العليم ثم المتكلم/ أو المشارك
https://www.facebook.com/photo.php?fb....