حليب وزنجبيل
discussion
حليب وزنجبيل .. طعم التنبؤات في رشفة قراءة
date
newest »
newest »
حليب وزنجبيلمجموعة قصصية
القصة الأولى
حليب وزنجبيل
بقلم عمار محمد العبود
ذاكرة سردية بأفاق رحبة قادرة على اِستِحضار كل الأحداث الاجتماعيَّة و الإنسانية والسياسية في قوالب فنية متقنة تقترب من المتلقي كثيراً وتستخدم تارة عبارات لغوية فصيحة وتارة عامية وأخرى تتطفل كلمة إنجليزية تائه بين بحيرة من نظيراتها العربية لتشكل لوحة فيسيفائة عن الكون الذي نعيشه ، فتبدأ من الذات و تنتهي إليه مناقشةً قضايا نعايشها يومياً بحسها الصحفي المفعم ، فلم تغفل قضية الخادمات بين مؤيد ومعارض والقصة تتجه رياحها صوب من يؤمن بأن الخادمات حملاً ثقيل ، وتتحدث كيف أصبحت وسائل التواصل الإجتماعية جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية بل قد تكون وجبة الإفطار الصباحية التي نفتتح بها يومنا ، ولم تخلو القصة من الطرفة في إيراد قضية بحيرة المسك ومزجها بما تبقى من رائحة من حمام بطلة القصة الصباحي ، ولم تغفل القاصة العنف الجسدي والجنسي الذي يتعرض له السيدات اللاتي يقعن تحت فريسة وحوش التنظيمات الإرهابية حيث هامت بطلة القصة بمخيتلها أنهم قدموا إليها وخيروها بين تسلم أبناءها و إما أن تفتديهم بنفسها وتكون أسيرة لشهواتهم ورغباتهم.
all discussions on this book
|
post a new topic

عمل بسيط يأتي ليصنع سياقه الخاص ضمن تجربة الكاتبة رحاب أبو زيد، فالمجموعة القصصية الأولى لهذه الروائية جاءت بتركيز يجعلها في النقطة الابعد عن السرد المجرد، لتتمثل النتيجة في كتاب يمكن ارتشافه قرائياً، ولكن ليس ابداً باعتيادية ارتشاف كوب الحليب بالزنجبيل، ولا بسهولة تخيل حوار فلسفي بين أشخاص يعيشون داخل فم بشري!
ثيمة هذا العمل مشروب شعبي موسمي يقوم في الأساس على صنع تجانس بين ماهو مسالم ومتمرد على مستوى الطعم، ومن هنا يمكن النظر للكتاب الذي يهادن انطباع القارئ في الوهلة الأولى، قبل أن يشرع في القراءة ليكتشف لذعة وأخرى بين السطور، وحينها لن يتفاجأ بانهيار الهدنة الذهنية بقدر ما سيتفاجأ كيف يحدث هذا بكل هذه البساطة.
ثمان نصوص مختلفة، بالإضافة إلى (حليب وزنجبيل) الذي جاء متمرحلاً على ثلاثة مشاهد متفرقة في بداية ومنتصف ونهاية الكتاب، لتصنع منه الكاتبة –كما قد يفعل مخرج فيلم-ذلك الخط الدرامي الموازي لسير المجموعة ككل، أو تلك النغمة الأساسية التي تتم استعادتها في كل مرة للاحتفاظ بهوية مقطوعة موسيقية، كما قد يفعل مايسترو.
في هذا النص، تدور الأحداث في بيئة منزلية معتادة، حيث يتم اختزال مجموعة من الوجوديات الكامنة في الحديث الذاتي لشخصية متعددة الأفكار والمسؤوليات، شخصية تعيش في حالة صراع أزلي مع فقدان سيطرة محتمل في كل لحظة، لا يجدر بها أن تنسى شيئا، ويكاد يمر عليها شريط الحياة كاملاً بينما تحاول إيقاظ أبنائها فقط.
الحقيقة أن (حليب وزنجبيل) كانت أساس اللعبة الذهنية التي مارستها رحاب أبو زيد مع قارئها، لتخبرهم ضمنياً بأن هذا النص بمثابة الأم الافتراضية التي فرضت قانون هذه المجموعة، لتترك بقية النصوص تستيقظ فيما بعد بطريقتها الخاصة، وتمارس تمردها الخاص، ضمن إطار هذا البيت المكون من 90 صفحة، وعدد لا محدود من النوافذ.
بنسب متفاوتة، يحضر الحس الاجتماعي في القصص الأخرى ولا يغيب التأمل المحض، تحضر اللغة الشعرية ولا تغيب السخرية، قصة (إكي دنيا) تثير سؤالاً عن العين التي تعرضت لخيانة في أمنياتها حينما تم تجميلها دون تجميل العالم الذي تراه، الأمنية هنا تختلف عن أمنية جذب رجل باستخدام رموش صناعية كما في (رموش غنادير)، والخيانة هنا مختلفة عن تلك التي قام بها رجل في قصة (خبز الضنك)!
في قصص (تعليب) و(فيجي) و(عندما ترعد مزون) تستدعي الكاتبة مجموعة من اليوميات الاجتماعية وتدير الحوارات وأبعادها النفسية ضمن بيئة من الحبكة القصصية ذات النهايات المحكمة، لقد سمحت هذه القصص للمواقف والشخصيات بأن تكون في أقصى طاقتها الغرائبية، في إلماحة إلى أن في الواقع من التناقضات ما لا يتطلب سوى النظر إليه فحسب.
في جانب آخر، تقترح قصة (رجل من برج الأسد) حواراً في ظهر الغيب، وفي أثناء ذلك تخبئ مفارقة زمنية ودرامية في جيب معطف أدب الرسائل، وفيما بعد ستقرر رحاب أبو زيد استخدام التجريب في تصعيد اللعبة الذهنية إلى اقصى حد ممكن عبر نص (طق حنك) والذي يعد طفل المجموعة الذي لا يمكن التأكد من نومه، ولا التنبؤ بموعد استيقاظه ابداً.
الكتاب تجربة تحمل من روح الفن عفوية اجتراحه دون شروط مسبقة، لقد جاء بهذا الشكل تحديداً، تماما كمحاولة أولى ووحيدة بلا تراجع أو رجعة، شبيهاً برشفة واحدة لا يمكن الشعور في اثنائها بفوارق ملموسة في الطعم بين تجانس حليبها و لذعات زنجبيلها، كان التنوع واضحاً، ولكن تفصيله وتأويله بدا كمسافة شبه معدومة لالتقاط الأنفاس داخل رشفة.
الكتابة موقف لحظي وأبدي في الوقت ذاته، قد تكون هذه إحدى مقترحات (حليب وزنجبيل) فقد كان هو طريقة رحاب أبو زيد في الذهاب بقارئها إلى المنطقة التي تلي عادية التلقي، طلبت منه أن لا يستبعد وجود أي شيء في هذا الكتاب، حتى لو كان هذا الشيء "حواراً فلسفياً بين اشخاص يعيشون داخل فم بشري".