تعطي الإسكندرية، كمدينةٍ كوزموبوليتانية، امتيازاً للمتأثِّرين بها؛ إمّا بفعل المولد والنشأة أو نتيجة السكن فيها، ويسميها المنتمون إليها مدينة الربّ. مرّ بها وكتب عنها: كفافيس اليوناني، والإنجليزي لورانس داريل، والصعيدي إدوار الخراط، وآخرون. كانت المدينة شابّةً، ومثلما المدن الكبيرة تشيخ، يتغيّر وجهها ويطغى الرماد الإسمنتي على الجدران البيضاء للبنايات القديمة في أقدّم مدينة مصرية.
يكتب محمود حسن عن المدينة وعن الجدّ وعن أشياء أخرى في مجموعته «بقايا حكايات لما جرى» (دار مقام للنشر، القاهرة)، عن مدينة الإسكندرية في لحظات احتضارها وفي لحظات الجدّ قبل الموت، وما بينهما من شبهٍ في المسار والنهاية.
المدينة تغوي أبناءها و كُتّابها، تفاصيل المدينة الصغيرة في كلّ مراحلها، لمّا كانت قِبلةً للفنون والتجارة قبل يوليو52، ولمّا بدأت في الانحدار بعده، وهروب مَنْ فيها من غير المصريين؛ مسلمين، ومسيحيين. فقدت المدينة انفتاحها وقبولها للعالم، وبدأت تأكل نفسها. مثلاً كتب إدوار الخراط عن مدينته في مقدِّمة متتاليته القصصية/روايته «ترابها زعفران»: «هي وَجْد، وفقدان، بالمدينة الرخامية، البيضاء -الزرقاء، التي ينسجها القلب باستمرار، ويطفو دائماً على وجهها المُزبِد المضيء. إسكندرية، يا إسكندرية، أنتِ لستِ، فقط، لؤلؤة العمر الصلبة في محارتها غير المفضوضة.».
يرصد محمود حسن تداعي مدينة الرجل العجوز، بربطٍ واضحٍ بين المدينة والجدّ. الجَدّ مات محترقاً، والمدينة –مدينة الملائكة- تتهدَّم علاماتها المعمارية لتصعد مكانها أبراج إسمنتية.
يكتب محمود: «حين كانت الجريمة الأولى على سطح الأرض أراد الربّ أن يُخفّف عن آدم وأبناء هابيل وطأة الدمّ الأوّل الذي سال، فهداهم أخيراً إلى الإسكندرية». يأخذ بيدك لتتمشّى مع أبناء هابيل المسالمين في شوارع المدينة، ويذكِّرك بوصية الربّ للمسالمين ساكني المدينة وأصحابها من أبناء هابيل: «أن عيشوا فيها في ظلّ الحبّ، وألا تكسروا قلوب المحبّين إذا أحبّوا». كما يذكّرك بأنّ الربّ حرّم المدينة على أبناء قابيل الدمويين، وكتب ألا يقربوها بمسافة ألفِ ألف ميل. ولأن أهل المدينة كسروا قلب المُحبّ، غضب الربّ، وسمح لأبناء قابيل بدخول المدينة. فكانت بداية سرطان المدينة الذي يأكل كلّ تفاصيلها: الترام، وبيوت الملائكة التي تهوي، لتصعد مكانها بنايات أبناء قابيل الشاهقة.
تتهاوى سعادة المدينة مع كل التحوُّلات الديموغرافية والبنائية فيها؛ صعود أبناء الانفتاح ورأس المال، وهبوط جماليات المدينة، وبنائها وتفاصيلها الصغيرة الحالمة. رأس المال لا يعرف الحلم، رأس المال لا يعرف الحُبّ، مثله مثل أبناء قابيل الذين تكلّم محمود حسن عنهم.
تساقطت المدينة العجوز كما تساقط الجَدّ العجوز. الجّد الذي انكسر ولازم الفراش. وبعصبية العجائز والمرضى، كانت الدنيا ثقيلةً على روحه. الجدّ الذي سعى في البلاد، وماتت زوجته، وانكسر، وأُقعد في الفراش يدخِّن، ويبصق، ويصرخ في المحيطين به، وينادي الزوجة المتوفّاة، ليموت محترقاً في النهاية.
هنا، الجَدّ وهذه المدينة متشابهان؛ الشباب والسعي في الأرض، ثم الوهن والفقد. أبناء يهربون، ويخلّفون شعوراً بمرارة الفَقْد، ثم النهاية بالموت؛ إمّا احتراقاً وكلّ إمارات الخوف والتمسّك بحياةٍ رُفضت من قبل، أو الموت بالهدم والحرق والتغييرات المنطقية في الزمان الأسود.
تبدو ملامح الزمان الأسود واضحةً في فصول المجموعة، فقد كتب حسن عن الناس. والناس هنا؛ شيخٌ ضرير يستجدي لمسةَ فتاة لعبور الطريق، وعسكري أمنٍ مركزي ينفِّذ أوامر قائده بالقتل من دون تفكير بمخالفة الأمر: اقتل أو تُقتَل. سوادُ الزمان في وحدة الشخوص، وفي برودة العلاقة بين صديقين سافر أحدهما، وفي روح المدينة المتآكلة، وتهاوي الانتماء. انتماء المريض الذي استفاق ليسأل هل فاز الاتحاد؟ قبل السؤال عن فخذه المكسور.
يكتب حسن عن انتماءاته، عن الجَدّ والصديق والحي والمدينة، وعن فقْدها كلّها: الجدّ الذي انكسر ومات، الصديق الذي هرب من جحيم المدينة وعاد إليها شخصاً آخر، وعن مدينة الملائكة التي سكنها أبناء القاتل قابيل، وأكثروا فيها الفساد. سلسلة طويلة من الفقد وتدوينه، ومن تدوين المدينة التي كانت جنّةً لكفافيس وللخراط، وصارت جحيماً للكاتب ولجيل الألفية الجديدة. هكذا يمرّ الزمان الأسود على تفاصيل الحياة؛ الحبيبة والصديق والجدّ والمدينة. كلّها تنتهي، ولا مذاق لحلو سكّري. قلتُ لنفسي بعد القراءة: اللهمّ لا تجعلنا من شهود سقوط المدن في الزمان الأسود، اللهمّ نجِّنا من الذكرى.
تعطي الإسكندرية، كمدينةٍ كوزموبوليتانية، امتيازاً للمتأثِّرين بها؛ إمّا بفعل المولد والنشأة أو نتيجة السكن فيها، ويسميها المنتمون إليها مدينة الربّ. مرّ بها وكتب عنها: كفافيس اليوناني، والإنجليزي لورانس داريل، والصعيدي إدوار الخراط، وآخرون. كانت المدينة شابّةً، ومثلما المدن الكبيرة تشيخ، يتغيّر وجهها ويطغى الرماد الإسمنتي على الجدران البيضاء للبنايات القديمة في أقدّم مدينة مصرية.
يكتب محمود حسن عن المدينة وعن الجدّ وعن أشياء أخرى في مجموعته «بقايا حكايات لما جرى» (دار مقام للنشر، القاهرة)، عن مدينة الإسكندرية في لحظات احتضارها وفي لحظات الجدّ قبل الموت، وما بينهما من شبهٍ في المسار والنهاية.
المدينة تغوي أبناءها و كُتّابها، تفاصيل المدينة الصغيرة في كلّ مراحلها، لمّا كانت قِبلةً للفنون والتجارة قبل يوليو52، ولمّا بدأت في الانحدار بعده، وهروب مَنْ فيها من غير المصريين؛ مسلمين، ومسيحيين. فقدت المدينة انفتاحها وقبولها للعالم، وبدأت تأكل نفسها. مثلاً كتب إدوار الخراط عن مدينته في مقدِّمة متتاليته القصصية/روايته «ترابها زعفران»: «هي وَجْد، وفقدان، بالمدينة الرخامية، البيضاء -الزرقاء، التي ينسجها القلب باستمرار، ويطفو دائماً على وجهها المُزبِد المضيء. إسكندرية، يا إسكندرية، أنتِ لستِ، فقط، لؤلؤة العمر الصلبة في محارتها غير المفضوضة.».
يرصد محمود حسن تداعي مدينة الرجل العجوز، بربطٍ واضحٍ بين المدينة والجدّ. الجَدّ مات محترقاً، والمدينة –مدينة الملائكة- تتهدَّم علاماتها المعمارية لتصعد مكانها أبراج إسمنتية.
يكتب محمود: «حين كانت الجريمة الأولى على سطح الأرض أراد الربّ أن يُخفّف عن آدم وأبناء هابيل وطأة الدمّ الأوّل الذي سال، فهداهم أخيراً إلى الإسكندرية». يأخذ بيدك لتتمشّى مع أبناء هابيل المسالمين في شوارع المدينة، ويذكِّرك بوصية الربّ للمسالمين ساكني المدينة وأصحابها من أبناء هابيل: «أن عيشوا فيها في ظلّ الحبّ، وألا تكسروا قلوب المحبّين إذا أحبّوا». كما يذكّرك بأنّ الربّ حرّم المدينة على أبناء قابيل الدمويين، وكتب ألا يقربوها بمسافة ألفِ ألف ميل. ولأن أهل المدينة كسروا قلب المُحبّ، غضب الربّ، وسمح لأبناء قابيل بدخول المدينة. فكانت بداية سرطان المدينة الذي يأكل كلّ تفاصيلها: الترام، وبيوت الملائكة التي تهوي، لتصعد مكانها بنايات أبناء قابيل الشاهقة.
تتهاوى سعادة المدينة مع كل التحوُّلات الديموغرافية والبنائية فيها؛ صعود أبناء الانفتاح ورأس المال، وهبوط جماليات المدينة، وبنائها وتفاصيلها الصغيرة الحالمة. رأس المال لا يعرف الحلم، رأس المال لا يعرف الحُبّ، مثله مثل أبناء قابيل الذين تكلّم محمود حسن عنهم.
تساقطت المدينة العجوز كما تساقط الجَدّ العجوز. الجّد الذي انكسر ولازم الفراش. وبعصبية العجائز والمرضى، كانت الدنيا ثقيلةً على روحه. الجدّ الذي سعى في البلاد، وماتت زوجته، وانكسر، وأُقعد في الفراش يدخِّن، ويبصق، ويصرخ في المحيطين به، وينادي الزوجة المتوفّاة، ليموت محترقاً في النهاية.
هنا، الجَدّ وهذه المدينة متشابهان؛ الشباب والسعي في الأرض، ثم الوهن والفقد. أبناء يهربون، ويخلّفون شعوراً بمرارة الفَقْد، ثم النهاية بالموت؛ إمّا احتراقاً وكلّ إمارات الخوف والتمسّك بحياةٍ رُفضت من قبل، أو الموت بالهدم والحرق والتغييرات المنطقية في الزمان الأسود.
تبدو ملامح الزمان الأسود واضحةً في فصول المجموعة، فقد كتب حسن عن الناس. والناس هنا؛ شيخٌ ضرير يستجدي لمسةَ فتاة لعبور الطريق، وعسكري أمنٍ مركزي ينفِّذ أوامر قائده بالقتل من دون تفكير بمخالفة الأمر: اقتل أو تُقتَل. سوادُ الزمان في وحدة الشخوص، وفي برودة العلاقة بين صديقين سافر أحدهما، وفي روح المدينة المتآكلة، وتهاوي الانتماء. انتماء المريض الذي استفاق ليسأل هل فاز الاتحاد؟ قبل السؤال عن فخذه المكسور.
يكتب حسن عن انتماءاته، عن الجَدّ والصديق والحي والمدينة، وعن فقْدها كلّها: الجدّ الذي انكسر ومات، الصديق الذي هرب من جحيم المدينة وعاد إليها شخصاً آخر، وعن مدينة الملائكة التي سكنها أبناء القاتل قابيل، وأكثروا فيها الفساد. سلسلة طويلة من الفقد وتدوينه، ومن تدوين المدينة التي كانت جنّةً لكفافيس وللخراط، وصارت جحيماً للكاتب ولجيل الألفية الجديدة. هكذا يمرّ الزمان الأسود على تفاصيل الحياة؛ الحبيبة والصديق والجدّ والمدينة. كلّها تنتهي، ولا مذاق لحلو سكّري. قلتُ لنفسي بعد القراءة: اللهمّ لا تجعلنا من شهود سقوط المدن في الزمان الأسود، اللهمّ نجِّنا من الذكرى.
عبد الله غنيم
http://www.aldohamagazine.com/article...