يغلق الباب على ضجر يغلق الباب على ضجر discussion


3 views
عندما يغلق الباب على ضجر - د.سليمان الشطي

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by باسمة (new)

باسمة العنزي مباركة تلك الكتب التي تنتزع الملل والضجر والكسل.. مباركة وهي تنشر دفء لمستها لنافذة يتسلل منها خيطها الرقيق إلى شغاف قلب مفتوح الجوانب، تفتحه بمهارة، تلسعه فينتفض مستجيبا متعاطفا مع لفحات رياح الحياة الحارة الهوجاء، لحظة إذن يشتعل العقل توهجا، يطرح أسئلته الحارقة الحافرة: لماذا، كيف، ومتى ينتهي هذا الضجر وينفتح الباب المغلق؟ تحاول عيني التوغل في سطور مجموعة باسمة العنزي، تتضاءل الألقاب، «يُغلق الباب على ضجر»، تفتح كلمات إهدائها لي ذلك التجاذب بين الصمت عندي بالضجر عندها، ثم تلح في جذبها لي بتلك الكلمات من قصيدة كوليردج، الملاح القديم: الحلم بالدلاء الفارغة وقد امتلأت بالندى.. وعند الصحو يسقط المطر.. بيني وكوليردج ألفة قديمة، منذ أن تفتحت على حديثه عن الخيال الثانوي، خيال الفن والإبداع، الذي يذيب ويحطم ويلاشي لكي يخلق من جديد، هي كذلك تذيب وتحطم لكي تخلق هذا العالم الفني النافذ المخترق لجلد الظاهر إلى عظم الحقيقة. التقطت فهمي ذلك التجاذب بين هذا الملاح القديم الذي تحدث عنه كوليردج وذلك «الشاهين في مربطه»، تقول الرواية لنا إن الصقور، بعد انتهاء موسم قنصها، تُهجر في مربط الصقور، تستقبل تقلبات الزمن وتعرجات الحياة بحزن شفيف، تنقلنا المؤلفة لنظرتها اللاقطة، أبوسند، الصقار القديم، العجز، الشلل، «فراغ الغرفة البيضاء يشي بصرخة معلقة في المسافة ما بين الروح والجسد، دموع تفيض من مقلتي المسن الذي يشعر بهشاشته يوما بعد آخر، منذ يومين وهو يرفض بشدة الجلوس على مقعده المخملي الهزاز قرب سريره الطبي ذي الحواجز المعدنية المتحركة». الرتابة المنتظمة تسيطر على الجو، التناص الجميل مع نص كوليردج «من خلف الزجاج الصقيل، يمد يده الهزيلة المليئة بالقشور البيضاء، ملوحا للعالم الخارجي بما يشعر به، يرسل إشارات مبهمة من سطح سفينته الموشكة على الغرق، يود لو أن الصرخة المعلقة بين روحه وجسده تتحرر وتصل للممر المفضي إلى غرفة نوم سند في الدور العلوي..». هذا نصيب أبي سند، بينما سيكون نصيب الملاح القديم «الحياة في الموت»، كما يرى عبدالوهاب المسيري، أن يمر برحلة العذاب إلى أن يتطهر من آثامه. ويبقى الدعاء بمفارقته الساخرة: «متَّع الله أيامك» ألم يضغط بعناد على عصب الاحتمال في جسد يخبو ولا ينتظر موسم القنص الآتي.. ماذا عن حصة النائية؟ في المساء «تتحول الفتاة البريئة الخرساء إلى مخلوقة لا مرئية، تمارس تحولاتها السرية ببراعة جنية طيبة، تملك الكثير من الود.. تدخل البيوت متجولة بخفة كائن مسالم، قبل أن تعود لقدرها البشري المرتبك..». أهل الحي يقسمون أنهم شاهدوا جنية مألوفة في حلم ليلة البارحة، تحول المنغصات بعصاها الفضية إلى شحنات فرح منعشة.. الكل يلمسه هذا الانبثاق الذي تطلقه حصة، يرحلون بعيدا عن زمنهم المرتبك الموحل إلا شخصا واحدا، والدها، الذي «يفكر في مصير ابنته الوحيدة التي لم تذكر له أن جنية ما داعبت أمنياتها، أو مرت مصادفة في مساءاتها الطويلة».. يتشكل السرد في لغة تحلق بين غيوم يشتبك جمالها بغموضها، وتتلاعب بالساردين، توزع الأحداث والعلاقات بحنكة «خبث محب»، ففي قصة «الغرفة 13» تأتي بسرد الجيران للأحداث، وهو سرد ينبعث من الفضول والحيرة والمعرفة الناقصة، فتتناثر الاحتمالات الكثيرة عن شخصية الأب الغائب، المختفي منذ خمس سنين. وفي مقابل هؤلاء الرواة الذين يقدمون العرض القائم على التخمين، تأتي الرواية التي تعرف الوجه الآخر، حقيقة الأب في عالمه المنفصل: الطب النفسي ـ رواية تنظر وتحكي من زاوية العالم بكل شيء يخفيه ويترك للآخرين قولهم مفتوحا حتى الختام ليأتي القول حاملا إضاءته.. وهذا «الخبث المحبب» في السرد يتجلى بقوة في مأساة «يذبل التين»، والتين هنا ذلك الرحم المنتعش المنتظر لزخم الحمل والولادة، ولكن الحدث المنتظر لا يأتي، والتفسيرات لا تكفي ولا تقدم حلا، فليس الفهم الشعبي الغيبي «أنها مكبوسة» بقادر على حل اللغز وكذلك عجزت العيادات والعرافات وجلسات الطب الشعبي والنذور وأضرحة الأولياء ـ لا يأتي الحمل، يجف التين، يزحف السرطان.. ولكن لم يكن هذا كل شيء فعند السارد وجه آخر يقلب المعادلة.. ومثل هذا التناول تجده في قصة «عيد معتوق: ألعاب نارية». يحتفظ الراوي بالحقيقة التي ينتظرها عيد، تُرك قلقا، ولو عرف الخبر لأطلق ألعابه النارية. أنظر هذا الجانب المخفي هناك في مجموعة باسمة العنزي التي أظهرت وأخفت، ففي هذه المجموعة: قدمت لنا حكايات اثني عشر بيتا، اختارت لكل بيت رقما، ولكل قصة عنوانين، والعنونة هنا تحتاج إلى تأمل متأمل راسخ الفهم دقيق الملاحظة، وستعثر عليه حتما عند ملتقى هذه المجموعة من الأذكياء حين يقتحمهم التساؤل. ولنا أن ننتظر حكاية البيت الثالث عشر حيث تسكن هذه العين الرائية والراوية. وبعد، أيها القارئ، لقد أعطيتك رشفة من السطح الذي وصلت عليه، وهذا ما سمح به هذا الحيز من المساحة، وعليك أن تُبحر وحدك في محيط الجمال العميق. اقرأ واحفظ الشكر لي و.. للمؤلفة: باسمة العنزي!


back to top