إيقاع إيقاع discussion


4 views
مقال الدكتور فرج النابي عن رواية إيقاع في الحياة اللندنية

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

Wagdy El komy مقالتي عن رواية إيقاع لوجدي الكومي
'إيقاع' رواية عن مهمشي الثورة المنسيين
جريدة العرب اللندنية:السبت 08/08/2015، العدد: 10001، ص(17)]
ممدوح فرّاج النّابي
لا يني الكاتب الشّاب وجدي الكومي يواصل حفرياته لقراءة ما وراء الظواهر الجديدة التي استشرتْ في مجتمعنا، كما فَعَلَ من قبل في روايته «خنادق العذراوات»، حيث قدّم توليفة سردية عن منطقة «بين السّرايات» مزج فيها بين واقعية القاع في سوداويته والتاريخيّ في مفارقاته وإدهاشاته، متنقلاً بين عالَم الهامش كشاهِدٍ على فداحة الواقع وقسوته، وتزييف التاريخ وانتكاساته، هنا في روايته الجديدة «إيقاع» الصَّادرة عن دار الشروق 2015، يعود إلى نفس منطقته الأثيرة «بين السّرايات»، ليستكمل مسيرة الهامش وهم يروون مأساتهم، ومأساة الوطن وهو ينحدر إلى أسوأ من القاع الذي نشأوا فيه. لا يقفُ الكاتب عند منطقة بين السرايات، وما انتابها من تغيّرات وإحلالات، بل يتعداها إلى ما وصل إليه المجتمع المصري في سنيه الأخيرة من محاولات لتجريف هُويته الثقافية، في مرثية لهذا المآل وأيضًا لواقعنا برمته، ولهذه المنطقة التي أخذت اسمها من السّرايات التي كان يُقيم بها أبناء محمد علي، ثمّ انحدارها إلى منطقة عشوائية بامتياز لا تتوازى مع رمزية الجامعة، التي تقفُ شاهدةً على هذا الانهيار في مفارقةٍ لوظيفتها ودورها التنويري؛ حيث العشوائية والألفاظ السُّوقيّة والبلطجة، وأيضًا الاضمحلال الثقافي الذي تمثّل في صورة أحمد خريشة أحد نماذج أغاني المهرجانات، كدليلٍ حيٍّ على الإسفاف الذي انقاد إليه المجتمع.
الهامش متنًا
يَعرض الكاتب للتغيُّرات التي حلّت على المنطقة بسيطرة الإسلاميين عليها وهو ما تبدّى في تغيير ديموغرافيتها كما جاء على لسان خريشة «فوجئت بأهالي بين السّرايات يكتبون عبارات دينيّة متوعدة على لافتات أسماء الشوارع، تحذيرية وعبارات تحثّ على التمسُّك بالعبادة ʺالحجاب عفة وطهارةʺ»، ثمّ ما صاحبها مِن تغيير للزي فَهَجَرَ أصحاب المكتبات «البنطلون والقميص إلى الجلابيب البيضاء» (ص، 29)، وهو ما انتهى بها لأن تكون ظهيرًا للجماعات الإسلامية في منطقة كرداسة، فآل بالأحداث التي وصلت ذروتها في فض اعتصام النهضة إلى ما آلت إليه.
يبدأ الكاتب روايته بأحمد خريشة وينتهي به أيضًا بعد فضّ اعتصامي رابعة والنهضة ورفضه السّفر إلى الخارج وعودته مِن المطار، هو صاحب دي جي في المنطقة يؤسِّس به لغناء المهرجانات الذي انتشر في الأونة الأخيرة، ثمَّ تحوّل إلى لعبة السياسة التي جرفته وأحرقته بنارها سريعًا وَفَقَدَ كلَّ شيءٍ حتى شخصيته التي كان يهابُهَا الجميع في المنطقة والمناطق المجاورة باعتباره أشهر دي جي ضاعت. تبدأ الأحداث به لكنها تفارقه إلي شخصيات تتولَّد تِبَاعًا وتتشابك مصائرها بعلاقات يجمعها لقاء المكان الأوّل في الفرح، فتأتي شفق مع زوجها أثناء فرح ابن شكري المحامي إلى المنطقة حاملة ما لديها من وثائق تُثبت ملكيتها لـ «عزبة الوقف» التي ورثها جدها من الخديوي، لتدخلنا في علاقة بين الأقباط والمسلمين. تأخذنا شفق في مسار علاقتها بزوجها المهندس عزيز بطرس فيني، الثري الذي نشأ في كندا لأب متهتك له علاقاته نسائية وأخرى مشبوه وتأثير هذا على الابن، إضافة إلى تربية خادمه المُتشدّدة هيسلوب وما أن تتبدَّل شفق بعد لقائها بالمحامي الشيخ حمزة أبو أنور فتهرب في واقعة يفتح من خلالها الكاتب عبر وعي سردي وإلمام بتفاصيل الوقائع، الملفات الشائكة التي أخمدها البابا السّابق، ليظهر لنا لعبة الدين والسّياسة، وكيف أن لا لقاء في مسارهما، وإذا التقيا احترق أحدهما.
مسلم ومسيحي يتطهّران
تروم الرواية عبر شخصيتيّ الأنبا (المجهول الاسم) وزهران في اعترافاتهما إلى تفكيك الخطاب الدينيّ المتشدّد؛ الكنسيّ والإسلاميّ على حدّ سواء، فالأنبا يدخل في منولوجات مع نفسه يقدّم من خلالها انتقادات لأوضاع الكنيسة وخطاب أعلى مُمَثِّل لهيئة الكرسي البابوي، مُظهرا تناقض أقول البابا الرّاحل شنودة وهو ينشدُ الإصلاح إلا أنّه لم يفِ بما وَعَدَ بل دخل في صِرَاعٍ مع غريمه السّياسيّ السّادات، ففشل البابا في إصلاح أحوال قطيع الرّب وصفّق لرجال الدولة رغم تعنتهم وسلبيتهم في قضايا الكنيسة والطائفيّة وهروب القبطيات، وفشل الأخر في أن يكون على قدر الطموح الذي ارتجاه الشّعب منه، فخلع عباءته السياسية وارتدى العباءة الدينيّة، ليقودا شعبهما إلى «صدام مع قطار أهوج يطيل قائده السجود أثناء انطلاقه السّريع» على حدّ تعبير الأنبا نفسه في منولوجه (ص، 109)
لم تقتصر الانتقادات على تعنُّت البابا في قضايا مصيرية مثل الطلاق، وإنما أيضًا موقفه السّلبي من المشاكل التي أحدثتْ صدامًا حقيقيًّا بين المسلمين والمسيحيين، وكان آخرها تفريط البابا الجديد في دماء المسيحيين في أحداث ماسبيرو. اللافت أن ميدان التحرير كان الخلاص للتحرّر من قبضة وجبروت البابا مثلما كان فرصة َالخلاصِ من ديكتاتورية مبارك، ويا للعجب! أن تزامنت وقائع هزيمة مبارك وسقوطه وهو يُلقي خطابات الاستجداء، علّه يُمْنَح فرصة أخيرة، مع مرض البابا نفسه وهو ما وجدها الأقباط فرصة للخروج ضدّ سياساته فكان ميدان التحرير هو نقطة اللّقاء بين الكارهين لسياسيات مبارك والسّاخطين على سياسات البابا.
ومثلما تطهّر الأنبا باعترافاته تطهّر زهران أيضًا باعترافاته مُظْهِرًا كيف أنّ رجال الدين استغلوا فقر الشَّباب وجعلوهم في مَرمى النيران، فتصبح الاعترافات التي جاءت على لسان زهران هي الموازي لاعترافات الأنبا في نقد الخطاب الإسلاميّ المتشدِّد، وفضح ألاعيب الشيوخ، وهذه الانتقادات تأتي أهميتها أنها تأتي من الداخل في الحالتين وعن تجارب معاشاة، وهو يمثِّل وثيقةً مهمّة في معرفة كيفيّة تفكير هذه الجماعات والتي قادتْ إلى التطرُّف في الحالتيْن، بل وتطرح أسباب الانقياد إلى هذا الدرب وأهمّها الفقر كما جاء على لسان زهران «لم أجدْ قوتَ يومي ويطالبوني بأنْ أثبت جَلَدي، وقوة إيماني، وَتسيل دمائي على الأسفلت وَيُعَقِّبُون أنتَ تُجاهد بروحِكَ ونفسِكَ في سبيل الله» (ص، 259). كما يشرّح موقف القيادات التي تركن إلى الظل وتدفع بهم إلى أتون المعركة، كما يقدّم لنا صورة من داخل ميدان رابعة وأجواء الحماسة والخطابات الارتجالية والانفعالية، فلا يتوانى زهران في ترديد أسماء مرجعية مثل البلتاجي وخطاباته التحريضيّة داخل الميدان، وكأنّه يقدِّم شهادة عمّا جرى يتوحّد صوت زهران في انتقاده للجماعة مع صوت عزيز في انتقاده للكنيسة في صرخته أمام الأنبا.«فاكرين روحكم إيه؟ معاكم مفاتيح أبواب السما؟ هه، اشتريتم أسهما في الجنة؟ ولا زرعتم نصف فدادينها لحساب الكنيسة؟ إيه التسلُّط ده؟» (ص، 119).
ثنائيات وانتقادات
تنحو بنية الرِّواية الظاهرية إلى تسجيل فن المهرجانات الذي ظهر في الأونة الأخيرة، إلا أن بنيتها العميقة تضرب بهذا الاتجاه وتكون رواية عن الثورة، بل تقدّم الأسباب التي آلت إليها، والأصدق هي رواية عن مُهمّشي الثوّرة أو بمعنى أدق عن وقود الثوّرة وحطبها، هؤلاء الذي شاركوا في الثوّرة فداستهم عجلتها. لذا يميل السّرد في كثير من جوانبه إلى أن يكون سردًا؛ حيث سَرَدَ الرّاوة البوليفونيون الأحداث الواقعية التي أعقبت الثورة، وفي بعضها توثيقيًّا، حيث يقدِّم الرّواة ــ أيضًا ــ معلومات موثَّقة خاصّة ما جاء على لسان الدكتور الألماني شاندور أثناء بحثه في التاريخ، أو ما جاء على لسان عزيز عن الأقباط والأحداث التي تعرّض لها الأقباط خاصّة في الكشح ثمّ أحداث كنيسية القديسين وأحداث ماسبيرو الأخيرة. لكن ثمّة هيمنة على سرد غنائي عبر منولوجات متعدِّدة مِن مُعظم الشخصيات، هي أشبه باعترافات.
لا يبقى الزمن أسيرًا لأحداث الحكاية التي تشغل أربع سنوات أو أكثر بقليل، وإنما ينفك عنها إلى أزمنة قديمة قد تعود في كثير منها إلى تأسيس الإسلام السّياسيّ كما في حكاية حمزة أبو أنور الذي يذهبُ وهو يسردُ حكايته إلى زمن الخلافة والغزوات التي قَامَ بها أبناء محمد علي، وتهديدهم للسطان العالي في قصره، ومنها ما يعود إلى زمن أحدث نسبيًا، حيث السّادات وضرب الشيوعيين بالإسلاميين، ومنها ما يعود إلى وقتنا الرَّاهِن. ومع طبيعة الزمن التي تبدو استرجاعيّة، إلا أن هذا لا يمنع أن ثمّة أزمنةً يُمرِّرها الكاتب؛ أهمها هو الزمن الاستباقي حيث دائمًا يَذْكُر أنّ عزيزًا سيقترف جريمةَ قتلٍ، وبالمثل عندما يرصد الأنبا أحداث الثورة، ومطالبة البابا بعدم تلبية النداء وعدم الخروج، بعدها يقفز الزمن إلى زمن الرئيس الحالي وهو الذي جاء بعد حكم المجلس العسكري ثم حكم الرئيس مرسي، عبر تهنئة يكتبها الأنبا على صفحته باختيار الشعب له، وهو ما يعني أن الأحداث قفزت أكثر من 4 سنوات
التعدُّد هو سمّةٌ غالبةٌ على النَّصِّ سواء على مستوى الشَّخصيات، التي تأسَّست بنيتها على لُعبة الثنائيات: قبطي / مُسْلِم / مُثقف / مهمّش / بلطجي / ثوّري، لكن في الحقيقة المؤلف لا يأخذ بهذه الثنائيات ليظهر التعارّض كما هو معروف وإنما كحيلة يظهر من خلالها توحُّد الرؤية، فمع هذه البنية التعارضية لتركيبة الشخصيات إلا أنّها جميعها جاءت لتقدّم صورة واحدة ومتكاملة من مُختلِف الزوايا والرؤى والأيديولوجيات، بمثابة الصُّورة الصّحيحة ـ أو تكاد ـ للثوّرة التي سُلِبَتْ وَضَاعَتْ، وتفرّقت دماؤها فوحَّد مأساتها على الجميع. كما لا ترتبط الشخصيات والتي تتشابك مع بعضها البعض عن طريق المكان الذي جمّعهم وحسب أو حتى عن طريق حكاية بيع عزبة الوقف، وإنما الجامع بين هذه الشخصيات المختلفة أيديولوجيا ومكانيًا (مصر / ألمانيا / كندا)، سوى القهر الذي وقع على جميع الشخصيات مع اختلاف طبيعة القهر والقاهر معًا، لا فرق بين القهر الذي وقع على خريشة بعدما اعترك السّياسة وهو في وضعية الهامش مع القهر الذي وقع على عزيز (وهو نقيضه طبقيًا) سواء القهر النّفسي بسبب العجز عن الانجاب، والقهر الذي مارسه الأنبا عليه بفرض تعليمات الكنيسة علاوة على القهر الذي سبّبه هروب شفق. ومن قهر جوجو بسبب عدم قدرته على الإفصاح عن اسمه (أيوب لويس مسيحة) إلى القهر الذي مُورس على الدكتور شاندور منذ أن نزل إلى القاهرة وما تعرّض له مِن سرقةٍ، ثمّ الزجّ به في قصّة أرض عزبة الوقف مع شفق، إلى القهر الذي عانى منه زهران، فراح يفرد جراحه على صليب عذابه في مونولوج مؤلم.
وأيضًا التعدُّد على مستوى اللغة، فثمّة تداخل في الشريط اللغوي بين اللُّغة الفصيحة التي كانت مُعبِّرَة وَبعيدة عن التكلُّف والأهمّ أنّها سليمة، مع اللّغةِ العاميةِ التي جاءت كأدةٍ تعبيريةٍ لفئة الهامش، ورغم فجاجتها في بعض المواقف إلا أنّها كانت دالةً على واقعٍ جديدٍ بدأتْ تتشكّل مفرداته إلى جانب معالم هذا الواقع نفسه الذي كان يُنبي عن عالمٍ تشكّل في غيبة الدولة صارتْ له كلمته أيضًا.
ثمّة انتقادٌ واضحٌ من قبل الألماني شاندور أستاذ التاريخ الزائر في كليّة الآثار للأحوال في مصر، خاصة بعد معايشته الناس وما تعرّض من احتيالٍ واختطافٍ، وهو ما دفعه لأن يعترفَ بأن «هذه البلاد تبتلع أهلها أكثر مما كنا نظن، الآلاف ماتوا وقتلوا بدم بارد في ثلاث سنوات. ولم تتمّ محاكمة شخصٍ واحدٍ» (ص، 139)، ويتمادى في توصيف الحالة بقوله إنّه «اكتشفَ أن البؤس أضعاف مُضاعفة، بل إنه هنا ينمو ويمتدّ مثل السافانا» رغم قسوة الوصف، وهو ما قد يراه البعض مزايدة، وقد ترتفع الحناجر لتخوين الكاتب، لكن هي الحقيقة التي يرانا بها الآخر سواء اعترفنا أم لم نعترف، فالكاتب لم يفعل سوى أن رفع غلالة الكذب عن أعيننا وقال: ها انظروا إلى ما وصلنا إليه، ها هو حالنا ... كجوابٍ على سؤال مضمر عن سبب متاهة المسار الذي سلكته الثورة!! فهلا أبصرنا، أم مازلنا في غياهب التخوين والمؤامرة حتى تأتي الطامة الكبرى،عندئذ لن تُدركنا زرقاء اليمامة ولا حتى اللَطْم.


back to top