هشاشة هشاشة discussion


4 views
عن هشاشة في جريدة القدس العربي

Comments Showing 1-2 of 2 (2 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 2: by Ines (new) - added it

Ines تأتي المجموعة القصصية ‘هشاشة’ للكاتبة التونسية إيناس عباسي، التي صدرت مؤخراً في حوالى مئة صفحة من القطع المتوسط، عن دار الفارابي- بيروت، وصمم غلافها فارس غصوب، كباكورة أولى لإصداراتها في مجال السرد، بعد مجموعتين شعريتين أوليين هما: أسرار الريح 2004- أرشيف الأعمى-2007، حيث يضم الكتاب عشر قصص قصيرة هي: حين رأيت جثتها- زوج أقراط- أونلاين- ذاكرة الملح- طائر النحس وأشياء أخرى- الأريكة- قصة حب- أريد كلية- حرب- نسخة أصلية، بالإضافة إلى تصدير، مكثف، في بضع كلمات، مستلٌّ من مقولة للفيلسوف نيتشة، وهو ‘لسنا صادقين تماماً إلا في أحلامنا’، بعد إهداء كتابها إلى ابنتها، وزوجها، وسولارا الصباح صديقة الروح والكلمة.
تقدم الكاتبة في قصة ‘حين رأيت جثتها’، بطلها غسان الذي يغادر تونس، إلى بلد خليجي، تسميه ‘ق’، كي يواجه الإحساس بغربة شديدة، نتيجة ابتعاده عن مسقط رأسه، وإن كان سيردد مقولة أستاذ علم الأحياء، كلما توغل في الغربة، عندما حدثه وزملاءه طلاب المدرسة، عن ‘التأقلم والاندثار’ ليجعل منها ‘تعويذة’ العبارة الني كان قالها ذلك المدرس حيئنذ ‘واصفاً بها تأقلم الحيوانات التي إذا ما وضع أحدها في بيئة مغايرة لبيئته، يكتسب خاصيات تتلاءم مع المحيط الجديد وإلا يموت وتنقرض سلالته تدريجياً’، رغم أنه لم يتـأقلم مع بيئته الجديدة، حيث أنه لم يعد يبدأ نهاره، بالاستماع إلى صوت فيروز، خشية الوقوع في مصيدة الحنين، كما أنه لا يتابع تلفزيون بلده، وذلك، لئلا يسمع الأخبار الملفقة، المكررة، التي تمجد النمو الاقتصادي الوهمي، بيد أنه لم يفلح أيضاً في صداقات العمل، وذلك لأنها كانت مثل ‘الوجبات السريعة’، غير مفيدة، لأنها مبنية على المجاملة، وأسسها واهية، ما عمق وحدته، وإن نجده يهرع لاكتساب عادات جديدة، كالسباحة، والرياضة، إلى أن تقع عيناه على ظل امرأة في البناية المقابلة، ما يبعث شعاع الأمل في حياته، بعضاً من الزمن، إلى أن يكلف بمهمة سريعة إلى خارج المدينة، لمدة أسبوع، يحس خلاله، بثقل مرور الزمن، لاسيما أنه سيحل ضيفاً على مكان، لن يرافقه إليها، ظلُّ امرأة البناية المقابلة، حيث سيشعر بالقلق، عندما يفتقد ظل تلك المرأة، بعد عودته، وتتأزم حالته عندما ‘يهيأ’ له، أنها قد شنقت نفسها، وذلك عندما يبدو له أن جسدها متدلٍّ من السقف، تقول الكاتبة ‘نزل بسرعة، واتَّجه بخطوات واسعة نحو عمارتها، توقف تحت نافذتها ورفع رأسه، ضوء خافت في بيتها عكس ظل جسد معلق في نقطة من السقف. فرك عينيه ثم عادود النظر. كان جسداً غير واضح المعالم بسبب الزجاج المظلل بالسواد للتخفيف من حدة الشمس نهاراً..تراها شنقت نفسها؟،ثم يتوجه نحو الباب، يطرقه، ليتأكد أن ساكنة البيت انتقلت إلى مكان آخر، وأن ثلاثة ‘باكستانيين’ باتوا يسكنونه، بل والأهم، أن ما هو معلق بالسقف، ليس إلا مجرد ثياب مغسولة، تقول الكاتبة: ‘كان هناك حبل غسيل علق عالياً في سماء الغرفة. كان الحبل مزدحماً بالملابس، وعند مستوى النافذة تدلت الجثة القماشية..’
وإن كانت الكاتبة العباسي قد اعتمدت هنا، عناصر القصة، في إهابها السردي، كي يصل الحدث ذروته، وكان من الممكن ألا تلجأ إلى شروحات نهاية تصوراتها، فإنها تتمكن وعبر لغة تطفح بالشعرية على كتابة قصتها، كما فعلت في ‘ذاكرة الملح’ التي راحت بطلتها تنتقم من آخر من شخص بريء، مأخوذاً بجريرة آخر لا علاقة له به، وهو انتقام رمزي من نسق الانتهاكات التي تتم في ظل وحشية بعضهم. القصة عند العباسي تكتب هكذا- عبر لغة تنوس بين شعريتها، شعرية أرومة كتاباتها الأولى، وشروط السرد التي لابد منها، وإن كانت -هنا وهناك- تستطيع جذب متلقيها، إلى خطابها، سواء أكان عبر اللغة المدهشة، السلسة، الشفافة، البعيدة عن ضروب التعقير، أو عبر اهتمامها بعناصر مخبرها القصصي، لاسيما في ما يتعلق بالشخصية، وخيط الحدث الذي لا يفتأ يتمدد بالتوازي مع شريط اللغة، محققاً المعادلة الفنية، في اللعبة القصصية التي تأتي بدورها، موازية للواقع، ملتبسة به.
وإذا كانت العباسي قد عنونت مجموعتها-هذه- بـ’هشاشة، فإن قارئها، لن يجد أية قصة بهذا العنوان، ما يمكن أن يحيل الناقد المتعمق في استقراء تجربة الكاتبة، إلى مظانِّ المفردة، وبواعثها، ومدلولاتها،بما يتطابق مع ألم الذاكرة الجريحة، وهي تحاول لم كساراتها، من خلال إعادة خلقها- كي تكون الكتابة البديل عن المفقود، بما يلئم جراحات الروح، ويعوض عن هزائمها، ويحقق التوازن الناجم عن انكساراتها، وإحباطاتها، وهو مضي بها- أي بمثل هذه الكتابة- إلى ذروة ما هو مطلوب من الفن، حيث توأمة ما هو جمالي وما هو معرفي، بعيداً عن أية رؤى تطالب بمجرد أحد جناحي الإبداع، دون غيره، حيث لا تكتمل المعادلة الجمالية..


back to top