النهايات المفتوحة الحافز الأكثر تأثيراً في فكرة الاستمرار
الأسر مأساة إنسانية حتى لو كان الواحد أسير ذكرياته الحلوة
كتاب ما بعد الألفية يحققون فكرة الجيل الأدبي بعد الستينيات
بعد ثلاث سنوات من التردد في الانتقال من عالم الصحافة إلى الكتابة الإبداعية، تخلص الكاتب الشاب هشام أصلان من هواجسه المرتبطة بوضعه في مقارنة مع والده الكاتب الكبير إبراهيم أصلان وأصدر مجموعته القصصية الأولى “شبح طائرة ورقية” التي بدأ الكتابة فيها منذ عام 2011 عن دار العين.
ولد أصلان في القاهرة عام 1979، وبدأ عمله الصحفي بجريدة البديل في القسم الثقافي وبعدها انتقل للعمل بجريدة الشروق.
حول عمله الأول كان ” للبديل” هذا الحوار معه….
صدر عملك الأول ” شبح طائرة ورقية” وسط حالة من الاحتفاء به من قبل النقاد والمثقفين… هل يمكن أن نقول أن هشام أصلان تخلص من أشباحه وهواجسه المرتبطة بالخوف من المقارنة بوالدك الكاتب الكبير إبراهيم أصلان؟
ربما حدث هذا بشكل نسبي. ولكن أنا بطبيعتي شخص لا يميل لفكرة الاطمئنان الكامل، والكاتب، في تصوري، إذا وصل لصيغة الارتياح والتصالح مع محيطه العام بنسبة مئة في المئة، فهو إذن تخلص من الأسباب التي تدعوه إلى اللجوء إلى الكتابة من الأساس. أنت تكتبين لأن بداخلك عالم مليء بأسئلة ومحاولات للفهم، بل إنك تحتاجين إلى عمل شيء من التوازن النفسى بين العالم الذى بداخلك وبين العالم الخارجي، مع محاولة الوصول إلى بعض الفهم بإشراك آخرين فى الأمر، أملاً أن تتوفر بعض المتعة لهؤلاء الآخرين.
لم أكن قلقاً من تشابه عالمي مع عالم والدي، لأنه مهما تشابه العالم ستكون هناك اختلافات الزمن على الأقل،بل كنت قلقاً من التأثر بطريقة كتابته لأنني كنت أرى أن كتابة إبراهيم أصلان هي الكتابة الحلوة والعظيمة، لكن في الحقيقة، رحيل والدي على المستوى الجسدي ربما يكون ساهم في اتساع دائرة علاقاتي والاطلاع على كتابات أخرى، وبالتالي أدركت أن هناك كتابة عظيمة تأتي من منطقة أخرى مختلفة عن عالم أبي، ومن هنا تجاوزت بعض الأشياء التي تثير مخاوفي، والدليل على ذلك أن تقنيات الكتابة في المجموعة مختلفة بشكل كبير عن التقنيات التي كان يستخدمها إبراهيم أصلان.
هل انعكست بعض هواجسك الشخصية على الشخصيات في قصص المجموعة؟
أنت أمام شخصيات، في أغلبها، عادية، لا تتمتع بصفات بارزة تجعلها جاهزة للكتابة، لكنك بزاوية نظر ذات خصوصية، استخلصت منها ما يدعو للتأمل والتعامل معها فنياً. بالطبع أحاول تحييد نفسي طيلة الوقت، بل إنني أتمرن على هذا، ولكن هذه الهواجس الشخصية، تمثل مساحة كبيرة مما يشغلك من أسئلة إنسانية، وربما أنا أراها شخوصا قلقة مهجوسة، ويراها آخر ليست كذلك.
افتتحت المجموعة بمقطع من قصيدة الشاعر الكبير سركون بولص ” أنا من يفتح الأبواب ولا يعرف كيف يغلقها، وينام” هل أردت أن تقول أننا أمام نهايات مفتوحة طيلة الوقت؟
دعيني أصارحك أولا أنني استسغت هذا التصدير لكونه يتسق مع طبيعتي الشخصية بشكل كبير، وترددت فيه كثيراً، غير أنه، بسرعة، أحالني إلى عمومية الحالة واتساقها مع المجموعة ومع المحيط من حولنا. نحن أمام نهايات مفتوحة طيلة الوقت، أو، بوصف أدق، أمام لا نهايات طيلة الوقت، وربما يكون هذا هو الحافز الخفي الأكثر تأثيراً في فكرة الاستمرار أملاً في استكمال مشوار معين. هذا المشوار هو حروب فكرية عند البعض، برجماتية عند البعض، وربما هناك مستوى أبسط قليلاً للتلقي أو أكثر إنسانية عند آخرين يستهدفون الاكتمال في أشكال معينة للعلاقات، أو في مشاريع حياتية، قد تكون كبيرة جداً وقد تصل في بساطتها لفتى يخطط للتعرف بفتاة، مشاريع يهيء لأصحابها أنهم على طريق تحقيقها بمجرد الجلوس والتفكير في أنها سوف تتحقق لو أنهم فعلوا كذا وكذا، ويمر الوقت دون تحقيق شيء.
هناك روح واحدة جامعة للمجموعة تجعلها تبدو كمتتالية قصصية… هل كانت هناك قصص أخرى كنت مقرر ضمها للمجموعة وتراجعت عن هذا للحفاظ على هذه الحالة؟
هذا صحيح. حاولت تقديم عملاً متماسكاً بشكل ما، وكون هذا العمل يصنف كمجموعة قصصية لا ينفي عنه صفة “الكتاب” الذي من المفترض أنه يطمح إلى أن يتم تلقيه. وكنت قد بدأت فى كتابة هذه النصوص نهاية 2011، غير أنها انتهت إلى شكل يختلف تماما عما بدأت به، حيث كنت أكتب المشاهد مع حيرة كبيرة فيما سوف تؤول إليه من تصنيف، ثم تعرضت هذه النصوص للكثير من الحذف، أو استقطاع فقرات من نصوص لإضافتها إلى نصوص أخرى، إلى أن وصلت فى النهاية لشكلها الأخير.
ذكريات الطفولة حاضرة بقوة في معظم قصص المجموعة برأيك هل نحن أسرى لذكريات طفولتنا؟
الأَسر مأساة إنسانية حتى لو كان الواحد أسير ذكرياته الحلوة. أتفق معك بالطبع أن هذه المنطقة لها حضور خاص في المجموعة، لكنني اشتغلت كثيراً على ألا تتحول المسألة إلى مجرد كتابة ذكريات، بوصف أدق، عملت على “وعي الطفل” تجاه ما يحيط به من عالم وأماكن وألعاب ونساء، حتى علاقة هذا الوعي بأمور مثل الفقد والتلصص، غير أن هناك تيمات أخرى في الكتاب، على صغر حجمه، تتعامل مع العلاقة بمفهوم الحرية المطلقة والشيخوخة المفاجئة التي يراها أحدهم، وهكذا.
رصدت في قصة “ابتعاد خفيف” أكثر من اشكالية من بينهم مدى ايماننا باختياراتنا و الدفاع عنها… كيف ترى هذه الاشكالية؟
المشكلة ليست في مدى الإيمان بما يختاره الواحد. الأزمة الحقيقية هو أنه هناك فرق دائماً بين ما تريدين تحقيقه من ناحية وبين ما تستطيعين تحقيقه من ناحية أخرى، وما تقدرين على دفعه أو التنازل عنه في مقابل رغباتك. وربما هناك سؤالاً آخر يخص الاستطاعة في الوقت غير المناسب ومدى ما تحققه من رضى نفسي. حاولت أيضاً، في هذا النص، التعامل مع مفهوم الغربة وتنوعها بين غربة “مكانية” قريبة تسبب بعض الإزعاج للكائن “سواء بشر أوحيوان” وبين غربة أخرى بمعناها الأوسع حيث مكان بعيد جداً وأجواء تصيبك بالفزع، فضلا عن وحدة حقيقية، ويبقى السؤال حول القدرة على الاعتياد.
قصص المجموعة مزدحمة بالتفاصيل وملئية بالفراغات … هل أردت تقديم رؤية سردية جديدة؟
هذه المفارقة لم تكن في ذهني أثناء الكتابة، غير أنها ملاحظة مهمة في الحقيقة. لكن كما قلت لك من قبل، أنا أعمل على ما يشغلني من أسئلة وما أحتقن به من مشاهد، وأحاول معالجته عبر طريقة سردية ما. هذه المحاولات وحتى إيجاد الصيغة الأنسب لمعالجة انشغالاتك، ربما تقدم رؤية سردية جديدة، وربما لا، هذا ليس هو أهم شيء بالنسبة لي، الأهم هو الوصول للمتلقي عبر أدق ما يمكنني التعبير به.
رصدت التغييرات التي حدثت في المدينة في العقود الماضية. برأيك هل تحولت العاصمة لدمية تقتل أرواحنا بكتلها الإسمنتية؟
هذا على أقل تقدير، فأرواحنا طيلة الوقت عالقة بالأماكن، وهو ما يجعلك تتشبثين، على سبيل المثال، بسنواتك السابقة في أماكن أروق وأقل ضرراً. الحقيقة أيضا أنني حاولت التعامل مع ما يمثله المركز من طغيان على ما حوله، وشعور البعض بالخطر وهم في مكان معين من هذا المركز، في مقابل طمأنينة، قد تكون كاذبة، للبعض الآخر وهم في مكان آخر من هذا المركز. غير أنك سوف تجد المدينة، أيضا، حاضرة، في مناطق أخرى، بوصفها طموح للاكتشاف والتعرف على أشياء جديدة في هذا العالم.
في الأعمال الأولى عادة ما تطغى ذكريات الطفولة على الكاتب، وبعد أن يفرغ ما في جعبته من ذكريات تبدأ مهمة التأليف والخلق في الأعمال التالية… هل توافق على هذا الطرح؟
هي مسألة ملتبسة بعض الشيء، أنا أوضحت لك وجهة نظري في مسألة ذكريات الطفولة فيما يخص هذه المجموعة، ولكن بشكل عام، أتصور أن اعتماد الكاتب، فقط، على النقل من الذكريات، لن تكون مشكلته، فقط، إفراغ جعبته، ولكنني أتصور أزمة حقيقية في مفهوم الكتابة واستطاعته التعامل معها بشكل عام، حتى في كتابه الأول الذي نقل عبره تلك الذكريات. السؤال أيضا، ما الذي تتسم به ذكريات الكاتب من أهمية تستحق الكتابة، ولا تتسم به ذكريات أي شخص آخر؟ لا شيء على الإطلاق، كل ما هنالك أن الكاتب يرى نفس ما يراه شخص آخر، ولكن بزاوية نظر مختلفة، باختصار أكثر، هناك فرق كبير بين كتابة الذكريات، وبين كتابة عالم خاص تحفزه بعض العوامل منها الذكريات.
كيف ترى الكتابة الجديدة أو جيل ما بعد الألفية – إذا جاز لنا التعبير؟
أعتقد أن كتاب ما بعد الألفية هم الذين يحققون فكرة الجيل الأدبي بعد جيل الستينيات، ليس لأنهم الأفضل، بل لأنه جيل كبير شديد التنوع، ساهمت في تشكيلة ظروف سياسية وأحداث ثورية كبيرة، أما الفترة بين جيل الستينيات وما بعد الألفية، فلم تظهر فيها سوى حركات أدبية مهمه بالطبع، لكنها لم تمثل جيلاً أدبياً، ينطبق هذا الأمر على التسعينيات، فرغم بهاء حالة تلك الفترة، إلا أنها لا تمثل جيلاً بل هي حركة أدبية مهمه جداً، وكذلك السبعينيات.
الأسر مأساة إنسانية حتى لو كان الواحد أسير ذكرياته الحلوة
كتاب ما بعد الألفية يحققون فكرة الجيل الأدبي بعد الستينيات
بعد ثلاث سنوات من التردد في الانتقال من عالم الصحافة إلى الكتابة الإبداعية، تخلص الكاتب الشاب هشام أصلان من هواجسه المرتبطة بوضعه في مقارنة مع والده الكاتب الكبير إبراهيم أصلان وأصدر مجموعته القصصية الأولى “شبح طائرة ورقية” التي بدأ الكتابة فيها منذ عام 2011 عن دار العين.
ولد أصلان في القاهرة عام 1979، وبدأ عمله الصحفي بجريدة البديل في القسم الثقافي وبعدها انتقل للعمل بجريدة الشروق.
حول عمله الأول كان ” للبديل” هذا الحوار معه….
صدر عملك الأول ” شبح طائرة ورقية” وسط حالة من الاحتفاء به من قبل النقاد والمثقفين… هل يمكن أن نقول أن هشام أصلان تخلص من أشباحه وهواجسه المرتبطة بالخوف من المقارنة بوالدك الكاتب الكبير إبراهيم أصلان؟
ربما حدث هذا بشكل نسبي. ولكن أنا بطبيعتي شخص لا يميل لفكرة الاطمئنان الكامل، والكاتب، في تصوري، إذا وصل لصيغة الارتياح والتصالح مع محيطه العام بنسبة مئة في المئة، فهو إذن تخلص من الأسباب التي تدعوه إلى اللجوء إلى الكتابة من الأساس. أنت تكتبين لأن بداخلك عالم مليء بأسئلة ومحاولات للفهم، بل إنك تحتاجين إلى عمل شيء من التوازن النفسى بين العالم الذى بداخلك وبين العالم الخارجي، مع محاولة الوصول إلى بعض الفهم بإشراك آخرين فى الأمر، أملاً أن تتوفر بعض المتعة لهؤلاء الآخرين.
لم أكن قلقاً من تشابه عالمي مع عالم والدي، لأنه مهما تشابه العالم ستكون هناك اختلافات الزمن على الأقل،بل كنت قلقاً من التأثر بطريقة كتابته لأنني كنت أرى أن كتابة إبراهيم أصلان هي الكتابة الحلوة والعظيمة، لكن في الحقيقة، رحيل والدي على المستوى الجسدي ربما يكون ساهم في اتساع دائرة علاقاتي والاطلاع على كتابات أخرى، وبالتالي أدركت أن هناك كتابة عظيمة تأتي من منطقة أخرى مختلفة عن عالم أبي، ومن هنا تجاوزت بعض الأشياء التي تثير مخاوفي، والدليل على ذلك أن تقنيات الكتابة في المجموعة مختلفة بشكل كبير عن التقنيات التي كان يستخدمها إبراهيم أصلان.
هل انعكست بعض هواجسك الشخصية على الشخصيات في قصص المجموعة؟
أنت أمام شخصيات، في أغلبها، عادية، لا تتمتع بصفات بارزة تجعلها جاهزة للكتابة، لكنك بزاوية نظر ذات خصوصية، استخلصت منها ما يدعو للتأمل والتعامل معها فنياً. بالطبع أحاول تحييد نفسي طيلة الوقت، بل إنني أتمرن على هذا، ولكن هذه الهواجس الشخصية، تمثل مساحة كبيرة مما يشغلك من أسئلة إنسانية، وربما أنا أراها شخوصا قلقة مهجوسة، ويراها آخر ليست كذلك.
افتتحت المجموعة بمقطع من قصيدة الشاعر الكبير سركون بولص ” أنا من يفتح الأبواب ولا يعرف كيف يغلقها، وينام” هل أردت أن تقول أننا أمام نهايات مفتوحة طيلة الوقت؟
دعيني أصارحك أولا أنني استسغت هذا التصدير لكونه يتسق مع طبيعتي الشخصية بشكل كبير، وترددت فيه كثيراً، غير أنه، بسرعة، أحالني إلى عمومية الحالة واتساقها مع المجموعة ومع المحيط من حولنا. نحن أمام نهايات مفتوحة طيلة الوقت، أو، بوصف أدق، أمام لا نهايات طيلة الوقت، وربما يكون هذا هو الحافز الخفي الأكثر تأثيراً في فكرة الاستمرار أملاً في استكمال مشوار معين. هذا المشوار هو حروب فكرية عند البعض، برجماتية عند البعض، وربما هناك مستوى أبسط قليلاً للتلقي أو أكثر إنسانية عند آخرين يستهدفون الاكتمال في أشكال معينة للعلاقات، أو في مشاريع حياتية، قد تكون كبيرة جداً وقد تصل في بساطتها لفتى يخطط للتعرف بفتاة، مشاريع يهيء لأصحابها أنهم على طريق تحقيقها بمجرد الجلوس والتفكير في أنها سوف تتحقق لو أنهم فعلوا كذا وكذا، ويمر الوقت دون تحقيق شيء.
هناك روح واحدة جامعة للمجموعة تجعلها تبدو كمتتالية قصصية… هل كانت هناك قصص أخرى كنت مقرر ضمها للمجموعة وتراجعت عن هذا للحفاظ على هذه الحالة؟
هذا صحيح. حاولت تقديم عملاً متماسكاً بشكل ما، وكون هذا العمل يصنف كمجموعة قصصية لا ينفي عنه صفة “الكتاب” الذي من المفترض أنه يطمح إلى أن يتم تلقيه. وكنت قد بدأت فى كتابة هذه النصوص نهاية 2011، غير أنها انتهت إلى شكل يختلف تماما عما بدأت به، حيث كنت أكتب المشاهد مع حيرة كبيرة فيما سوف تؤول إليه من تصنيف، ثم تعرضت هذه النصوص للكثير من الحذف، أو استقطاع فقرات من نصوص لإضافتها إلى نصوص أخرى، إلى أن وصلت فى النهاية لشكلها الأخير.
ذكريات الطفولة حاضرة بقوة في معظم قصص المجموعة برأيك هل نحن أسرى لذكريات طفولتنا؟
الأَسر مأساة إنسانية حتى لو كان الواحد أسير ذكرياته الحلوة. أتفق معك بالطبع أن هذه المنطقة لها حضور خاص في المجموعة، لكنني اشتغلت كثيراً على ألا تتحول المسألة إلى مجرد كتابة ذكريات، بوصف أدق، عملت على “وعي الطفل” تجاه ما يحيط به من عالم وأماكن وألعاب ونساء، حتى علاقة هذا الوعي بأمور مثل الفقد والتلصص، غير أن هناك تيمات أخرى في الكتاب، على صغر حجمه، تتعامل مع العلاقة بمفهوم الحرية المطلقة والشيخوخة المفاجئة التي يراها أحدهم، وهكذا.
رصدت في قصة “ابتعاد خفيف” أكثر من اشكالية من بينهم مدى ايماننا باختياراتنا و الدفاع عنها… كيف ترى هذه الاشكالية؟
المشكلة ليست في مدى الإيمان بما يختاره الواحد. الأزمة الحقيقية هو أنه هناك فرق دائماً بين ما تريدين تحقيقه من ناحية وبين ما تستطيعين تحقيقه من ناحية أخرى، وما تقدرين على دفعه أو التنازل عنه في مقابل رغباتك. وربما هناك سؤالاً آخر يخص الاستطاعة في الوقت غير المناسب ومدى ما تحققه من رضى نفسي. حاولت أيضاً، في هذا النص، التعامل مع مفهوم الغربة وتنوعها بين غربة “مكانية” قريبة تسبب بعض الإزعاج للكائن “سواء بشر أوحيوان” وبين غربة أخرى بمعناها الأوسع حيث مكان بعيد جداً وأجواء تصيبك بالفزع، فضلا عن وحدة حقيقية، ويبقى السؤال حول القدرة على الاعتياد.
قصص المجموعة مزدحمة بالتفاصيل وملئية بالفراغات … هل أردت تقديم رؤية سردية جديدة؟
هذه المفارقة لم تكن في ذهني أثناء الكتابة، غير أنها ملاحظة مهمة في الحقيقة. لكن كما قلت لك من قبل، أنا أعمل على ما يشغلني من أسئلة وما أحتقن به من مشاهد، وأحاول معالجته عبر طريقة سردية ما. هذه المحاولات وحتى إيجاد الصيغة الأنسب لمعالجة انشغالاتك، ربما تقدم رؤية سردية جديدة، وربما لا، هذا ليس هو أهم شيء بالنسبة لي، الأهم هو الوصول للمتلقي عبر أدق ما يمكنني التعبير به.
رصدت التغييرات التي حدثت في المدينة في العقود الماضية. برأيك هل تحولت العاصمة لدمية تقتل أرواحنا بكتلها الإسمنتية؟
هذا على أقل تقدير، فأرواحنا طيلة الوقت عالقة بالأماكن، وهو ما يجعلك تتشبثين، على سبيل المثال، بسنواتك السابقة في أماكن أروق وأقل ضرراً. الحقيقة أيضا أنني حاولت التعامل مع ما يمثله المركز من طغيان على ما حوله، وشعور البعض بالخطر وهم في مكان معين من هذا المركز، في مقابل طمأنينة، قد تكون كاذبة، للبعض الآخر وهم في مكان آخر من هذا المركز. غير أنك سوف تجد المدينة، أيضا، حاضرة، في مناطق أخرى، بوصفها طموح للاكتشاف والتعرف على أشياء جديدة في هذا العالم.
في الأعمال الأولى عادة ما تطغى ذكريات الطفولة على الكاتب، وبعد أن يفرغ ما في جعبته من ذكريات تبدأ مهمة التأليف والخلق في الأعمال التالية… هل توافق على هذا الطرح؟
هي مسألة ملتبسة بعض الشيء، أنا أوضحت لك وجهة نظري في مسألة ذكريات الطفولة فيما يخص هذه المجموعة، ولكن بشكل عام، أتصور أن اعتماد الكاتب، فقط، على النقل من الذكريات، لن تكون مشكلته، فقط، إفراغ جعبته، ولكنني أتصور أزمة حقيقية في مفهوم الكتابة واستطاعته التعامل معها بشكل عام، حتى في كتابه الأول الذي نقل عبره تلك الذكريات. السؤال أيضا، ما الذي تتسم به ذكريات الكاتب من أهمية تستحق الكتابة، ولا تتسم به ذكريات أي شخص آخر؟ لا شيء على الإطلاق، كل ما هنالك أن الكاتب يرى نفس ما يراه شخص آخر، ولكن بزاوية نظر مختلفة، باختصار أكثر، هناك فرق كبير بين كتابة الذكريات، وبين كتابة عالم خاص تحفزه بعض العوامل منها الذكريات.
كيف ترى الكتابة الجديدة أو جيل ما بعد الألفية – إذا جاز لنا التعبير؟
أعتقد أن كتاب ما بعد الألفية هم الذين يحققون فكرة الجيل الأدبي بعد جيل الستينيات، ليس لأنهم الأفضل، بل لأنه جيل كبير شديد التنوع، ساهمت في تشكيلة ظروف سياسية وأحداث ثورية كبيرة، أما الفترة بين جيل الستينيات وما بعد الألفية، فلم تظهر فيها سوى حركات أدبية مهمه بالطبع، لكنها لم تمثل جيلاً أدبياً، ينطبق هذا الأمر على التسعينيات، فرغم بهاء حالة تلك الفترة، إلا أنها لا تمثل جيلاً بل هي حركة أدبية مهمه جداً، وكذلك السبعينيات.
* البديل