هشام أصلان أحد هؤلاء المبدعين المهمومين بحرفة الكتابة، استطاع أن ينتقل بخفة طائر من عالم الصحافة الجاد والتقريري إلى روح الكتابة الإبداعية. مجموعته القصصية الأولى "شبح طائرة ورقية" الصادرة أخيرا عن دار "العين"، سلطت الضوء على مساحاتٍ جديدة من الثقافة والإبداع ليه. ولد أصلان في القاهرة عام 1979، وبدأ عمله في مجال الصحافة الثقافية بجريدة "البديل"، قبل أن ينتقل للعمل بجريدة "الشروق"، كما نشر مقالات في دوريات عربية مثل الحياة اللندنية، السفير، الدوحة، نزوى، والثقافة الجديدة.
وكان لـ"دوت مصر" هذا الحوار معه.
-يُلاحظ أن هناك حالة من العزلة الداخلية تعاني منها شخوص هذه المجموعة، هل قصدت أن توحي للقارئ بأن مقتضيات الزمن هي السبب؟
- الزمن والمكان في آن. وإن كانت مقتضيات الزمن، كما تقول، لها الأثر الأكبر في هذا الأمر. أنا الآن أفكر معك أنك أمام شخصيات، في أغلبها، اكتشفت وصولها، سريعا، إلى منطقة ما بعد الونس، سواء كانت هذه الشخصية تعيش أواخر حياتها، أو أنها في بداية الحياة، لكنها تفتقد لما يحيط بها من أسباب للدفء. والنوع الثاني من الشخوص لديه مشكلة أخرى، هي عدم إدراكه إلى أنه لا شيء يبقى على حاله، وأنه، رغم افتقاده لاستقرار المحيطات الحياتية من حوله، هو لديه حياة مقبلة ستتجدد خلالاها الأمور بالتأكيد، ويستعيد أسباب هذا الاستقرار عبر محيطات حياتية مختلفة.
- هل ترى أننا أصبحنا نكتفي بتلك اللحظات المزيَّفة أو القصيرة من السعادة في مجريات حياتنا اليومية؟
- أتصور هذا. فعندما تتوالى عليك الصدمات في ما يخص ما تأمله، أو ما تتصور أنه سيحدث بعدما فعلت ما فعلت من أجله، تنتابك واحدة من حالتين أو ثلاث، إما أن يصيبك الإحباط، أو الاعتياد الذي ربما يصل إلى البلادة، أو أنك تقاوم عبر ما يهيأ لك أنه مؤثر في ما هو حولك، وهو ما يتقاطع جدا، في رأيي، مع النزول بسقف التطلع، وأتحدث عن التطلع إلى الحياة بوسعها، والتعايش مع حياة تفتقد للكثير. أتذكر هنا مقولة ديستويفيسكي إن "السخرية هي الملاذ الأخير لشعب متواضع وبسيط".
- "أنا من يفتح الأبواب، ولا يعرف كيف يغلقها، وينام" بهذه الإشارة الذكيّة إلى سركون بولص، هل ترى أن تلك الحروب الفكرية يصعُبْ على من يشعلها أن ينهيها؟
- نحن أمام نهايات مفتوحة طيلة الوقت، أو، بوصف أدق أمام لانهايات طيلة الوقت، وربما يكون هذا هو الحافز الخفي الأكثر تأثيرا في فكرة الاستمرار أملاً في استكمال مشوار معين. هذا المشوار هو حروب فكرية عند البعض، برجماتية عند البعض، هذا مستوى للتلقي، وربما تجد مستوى أبسط قليلا للتلقي وربما أكثر إنسانية عند آخرين يستهدفون الاكتمال في أشكال معينة للعلاقات، أو في مشاريع حياتية، قد تكون كبيرة جدا، وقد تصل في بساطتها لفتى يخطط للتعرف بفتاة، مشاريع يهيئ لأصحابها أنهم على طريق تحقيقها بمجرد الجلوس والتفكير في أنها ستتحقق لو أنهم فعلوا كذا وكذا، ويمر الوقت دون تحقيق شيء.
- يلعب الصوتُ دورًا كبيرًا في هذه المجموعة القصصيَّة، هل ترى أن تعدّد الأصوات وتشابكها وأحيانًا إصابتها بالتشوّه، يدل على ما نعانيه من تشتت وارتباك في حياتنا اليومية؟
- بشكل كبير جدا. هناك ضوضاء دائمة مشوشة على كل شيء، لكنك أيضا أمام محاولة مستمرة لالتقاط الصوت المريح والذي ينسجم مع ذائقتك من قلب هذا التشويش، هذه المحاولة تبدأ من مجرد الإنصات إلى صوت تحاول تمييزه من قلب الضوضاء الهستيرية الصادرة من حول دمية عملاقة تطوّح بسلاسل يتعلق بها بشر، ومحاولات دائمة تصل إلى حد التلصص على سيدتين تقفان على شاطئ البحر لسماع ما تقوله وتمييزه من صوت الأمواج.
- هل يُمكننا القول إن الفقد يتحول بالوقت من طاقة حركية إلى كامنة تظل عالقة بالمكان، تمامًا كما حدث في قصة "على واجهة السبيل"؟
- تيمة الفقد رئيسية في المجموعة. لكنني أتصور أن الأمر يبدأ وينتهي في الأساس، بالمكان والأشياء الثابتة. الفقد المتناول في القصة التي ذكرتها تترسخ طاقته أكثر بفعل ورقة تركتها البطلة على واجهة سبيل معدني، حتى الخصيصة التي تميز تلك السيدة في طريقتها للكتابة ينساها المارة في رواحهم ومجيئهم من أمام السبيل، بل إن علاقة السيدة ذاتها بالراوي لا يعمل على استمرارها داخله سوى صورة في برواز مزخرف يستعيده خياله بين الحين والآخر. غير أن السؤال الإنساني في رأيي يأخذ منحى آخر عندما يحيلك إلى العلاقة بالمكان من زاوية أخرى، إذا فكرت، مثلا، فيما طرأ على السيدة نفسها من تغيرات، ومدى قدرتها على تجاوز ما فقدته في مكانها الأول بداية من زوج جارتها التي كتبت بيدها ورقة تطلب الفاتحة والدعاء له وانتهاء بانتشائها لإدراكها شكل الحضور الروحي والأنثوي الذي تمثله في هذا المكان الذي تركته.
- المدينة حاضرة بكل قسوتها وتفاصيلها كدميةٍ هائلةٍ تسحق الأفراد وتبتسم، هل قصدت تمرير هذا الشعور بالاغتراب إلى نفس القارئ؟
- حاولت بالفعل التعامل مع هذه الفكرة إضافة إلى ما يمثله المركز من طغيان على ما حوله، وشعور البعض بالخطر وهم في مكان معين من هذا المركز، في مقابل طمأنينة، قد تكون كاذبة، للبعض الآخر وهم في مكان آخر من هذا المركز. غير أنك ستجد المدينة أيضا حاضرة في مناطق أخرى، بوصفها مأمول الاكتشاف والتعرف على أشياء جديدة في هذا العالم، وذلك النفور من المشاهد التي تشترك فيها المدن فتجعلها متشابهة، في مقابل البحث عن الأحياء الخلفية التي تكشف روح المدن وبالتالي العالم.
- في قصة "ابتعاد خفيف" لاحظنا أن هناك صراعًا متواصلاً بين الغريزة والترويض من خلال عنصر "الكلب" الذي ضلَّ طريقه في غربة مكانية، هل هذا صحيح؟
- صحيح. نحن في أحيان كثيرة نقع في تلك الحيرة التي تصل أحيانا لحد الإزعاج الشديد، أنت مخير بين ما تريد فعله من ناحية وبين ما تستطيع فعله، بفعل الغريزة، من ناحية أخرى.
وبمناسبة الغربة التي ذكرتها، أنت هنا أيضا أمام سؤال حول المفهوم الحقيقي للغربة، وتنوعها بين غربة "مكانية" قريبة تسبب بعض الإزعاج للكائن "سواء بشر أوحيوان" وبين غربة أخرى بمعناها الأوسع حيث مكان بعيد جدا وأجواء تصيبه بالفزع، فضلا عن وحدة حقيقية، ويبقى السؤال حول القدرة على اعتياد الأمر.
- يبدو أن مهمة الكتابة هنا تُترك للغة البصريَّة بدلاً من السرد الكلامي، ما تعليقك؟
- لو أنك تقصد الاعتماد على الوصف المكاني، فهذا لأن مسألة الكتابة، في تصوري، هي أنك في النهاية تنتج ما أنت محتقن به والبحث عن إجابات لما يشغلك من أسئلة إنسانية، وبالنسبة لي، على الأقل حتى الآن، يروح الأمر كثيرا إلى الأماكن وعلاقتها بساكنيها وزوارها، ومحاولة طرح نظرة مغايرة لتلقي تلك الأماكن. فأنت سوف تجد راوي، على سبيل المثال، يشعر بالملل من أماكن يعتبرها البعض ساحرة، ويرنو إلى زوايا نظر تمثل له نوافذ حقيقية للتلصص على الحياة، التلصص ليس بوصفه، فقط، فعلا غريزيا، بل بوصفه أداة حقيقية، غير مملة، لكشف الفروق بين أرواح الأماكن وبعضها البعض.
- هل تؤمن بأن تلك المفردات البسيطة في الحياة تختزلُ خلفها حيواتٍ معذبة لمجموعة من المهمشين؟
- أؤمن بهذا، وإذا تحدثت في العموم فأعتقد أن المفردات البسيطة تختزل خلفها الحياة عموما بمختلف أشكالها، وليس فقط ما يخص المهمشين.
- نستشفُ من المجموعة أن هناك حالةً من المرض تسيطرُ على الأحلام الصغيرة التي تنفلتُ من بين أصابعنا. لماذا تلك النظرة المتشائمة؟
- لا أرى نظرة متشائمة بقدر ما هي انعكاس لطبيعة الأحوال الزمنية والمكانية للحكاية، بل ولطبيعة السؤال الإنساني المطروح عبر هؤلاء الشخوص، والرواي الذي ستجده أحيانا مجرد طفل يمر بمشاهد ساهمت في تكوين لا يعول كثيرا على نجاح ما يريد، بداية من عدم تمتعه بحرية مطلقة فيما يريده من لهو أو اقتناء حيوان أليف، ومرورا بحياة داخل منزل معرض للانهيار مما يجعله مشغولا بتخيل سيناريوهات ما بعد هذا الانهيار، وانتهاء بشيخوخة مفاجئة يراها في أحدهم حيث لم يكن ملتفتا إلى ما أصابه هو من تقدم في العمر.
- على الرغم من تنوع القصص داخل المجموعة وتعدد مستويات السرد فإن هناك وحدة انطباع تقبض بخيطٍ أساسي على خط سير المجموعة. ما تعليقك؟
- هذا مقصود بالطبع، أنت تحاول تقديم عمل متماسك بشكل ما، وكون هذا العمل يصنف كمجموعة قصصية لا ينفي عنه صفة "الكتاب" الذي من المفترض أنك تطمح إلى تلقّي حالته "على بعضه" بشكل متكامل.
- هل ارتأيت أن المزج بين ضميري المتكلم والغائب هو الأنسب لبناء هذه المجموعة المتنوعة في عوالمها وحالاتها؟
- دعني أصارحك بشيء. هذه المجموعة لم تقف عند أول الطريق الصحيح للانتهاء منها إلا عندما اقتنعت بأن عليّ الخضوع لما يريده كل نصّ من طريقة للكتابة، بمعنى أن كل قصة اختارت لنفسها ما يلائمها من ضمير. فعليك ألا تغالي في معركتك مع الكتابة حتى لا تقع في فخ ليّ الأمور الذي لن ينطوي، بالتأكيد، على المتلقي. وهذا كان أحد أسباب تأخر النشر، حيث كنت بدأت كتابة هذه النصوص نهاية 2011، غير أنني كنت أكتب المشاهد مع حيرة كبيرة فيما سوف تؤول إليه من تصنيف، ثم كثير من الحذف، أو استقطاع فقرات من نصوص لإضافتها إلى نصوص أخرى، إلى أن وصلت لشكلها النهائي.
- هناك لغة شعرية تتخلل آليات السرد القصصي بالمجموعة، هل ترى أن اللغة الشعرية هي الأسرع على التعبير والأصدق في النصّ القصصي؟
- لم أفكر في الأمر بهذا الشكل، بمعنى أنه لم أقرر استخدام هذه اللغة لأنها تناسب القصة ولا تناسب الرواية مثلا. اللغة هي أداة الكاتب الأساسية وهي إما أداة ضعيفة أو قوية، لذا أعتقد أنك تكتب باللغة التي تتيح لك إمكانياتك الكتابة بها وتستطيع التعبير بها، غير أنها تخضع طوال الوقت للتطوير بتطور صاحبها.
- ما هي مشاريعك الإبداعية في الفترة المقبلة؟ هل نحن بصدد أول رواية؟
- كما ذكرت لك، في بداية كتابة هذه النصوص، كانت عندي حيرة كبيرة في ما ستنتجه، وفكرت في صياغتها بعمل روائي قبل وصولى لقناعة أن الشكل القصصى هو الأنسب، غير أنني بالفعل لا أزال مشغولا ببعض عوالمها، وأتصور أن بعض الشخوص ما زالت تحتمل توسيعها فى عمل روائي مقبل، لا أدري، لم أقرر بعد.
هشام أصلان أحد هؤلاء المبدعين المهمومين بحرفة الكتابة، استطاع أن ينتقل بخفة طائر من عالم الصحافة الجاد والتقريري إلى روح الكتابة الإبداعية. مجموعته القصصية الأولى "شبح طائرة ورقية" الصادرة أخيرا عن دار "العين"، سلطت الضوء على مساحاتٍ جديدة من الثقافة والإبداع ليه. ولد أصلان في القاهرة عام 1979، وبدأ عمله في مجال الصحافة الثقافية بجريدة "البديل"، قبل أن ينتقل للعمل بجريدة "الشروق"، كما نشر مقالات في دوريات عربية مثل الحياة اللندنية، السفير، الدوحة، نزوى، والثقافة الجديدة.
وكان لـ"دوت مصر" هذا الحوار معه.
-يُلاحظ أن هناك حالة من العزلة الداخلية تعاني منها شخوص هذه المجموعة، هل قصدت أن توحي للقارئ بأن مقتضيات الزمن هي السبب؟
- الزمن والمكان في آن. وإن كانت مقتضيات الزمن، كما تقول، لها الأثر الأكبر في هذا الأمر. أنا الآن أفكر معك أنك أمام شخصيات، في أغلبها، اكتشفت وصولها، سريعا، إلى منطقة ما بعد الونس، سواء كانت هذه الشخصية تعيش أواخر حياتها، أو أنها في بداية الحياة، لكنها تفتقد لما يحيط بها من أسباب للدفء. والنوع الثاني من الشخوص لديه مشكلة أخرى، هي عدم إدراكه إلى أنه لا شيء يبقى على حاله، وأنه، رغم افتقاده لاستقرار المحيطات الحياتية من حوله، هو لديه حياة مقبلة ستتجدد خلالاها الأمور بالتأكيد، ويستعيد أسباب هذا الاستقرار عبر محيطات حياتية مختلفة.
- هل ترى أننا أصبحنا نكتفي بتلك اللحظات المزيَّفة أو القصيرة من السعادة في مجريات حياتنا اليومية؟
- أتصور هذا. فعندما تتوالى عليك الصدمات في ما يخص ما تأمله، أو ما تتصور أنه سيحدث بعدما فعلت ما فعلت من أجله، تنتابك واحدة من حالتين أو ثلاث، إما أن يصيبك الإحباط، أو الاعتياد الذي ربما يصل إلى البلادة، أو أنك تقاوم عبر ما يهيأ لك أنه مؤثر في ما هو حولك، وهو ما يتقاطع جدا، في رأيي، مع النزول بسقف التطلع، وأتحدث عن التطلع إلى الحياة بوسعها، والتعايش مع حياة تفتقد للكثير. أتذكر هنا مقولة ديستويفيسكي إن "السخرية هي الملاذ الأخير لشعب متواضع وبسيط".
- "أنا من يفتح الأبواب، ولا يعرف كيف يغلقها، وينام" بهذه الإشارة الذكيّة إلى سركون بولص، هل ترى أن تلك الحروب الفكرية يصعُبْ على من يشعلها أن ينهيها؟
- نحن أمام نهايات مفتوحة طيلة الوقت، أو، بوصف أدق أمام لانهايات طيلة الوقت، وربما يكون هذا هو الحافز الخفي الأكثر تأثيرا في فكرة الاستمرار أملاً في استكمال مشوار معين. هذا المشوار هو حروب فكرية عند البعض، برجماتية عند البعض، هذا مستوى للتلقي، وربما تجد مستوى أبسط قليلا للتلقي وربما أكثر إنسانية عند آخرين يستهدفون الاكتمال في أشكال معينة للعلاقات، أو في مشاريع حياتية، قد تكون كبيرة جدا، وقد تصل في بساطتها لفتى يخطط للتعرف بفتاة، مشاريع يهيئ لأصحابها أنهم على طريق تحقيقها بمجرد الجلوس والتفكير في أنها ستتحقق لو أنهم فعلوا كذا وكذا، ويمر الوقت دون تحقيق شيء.
- يلعب الصوتُ دورًا كبيرًا في هذه المجموعة القصصيَّة، هل ترى أن تعدّد الأصوات وتشابكها وأحيانًا إصابتها بالتشوّه، يدل على ما نعانيه من تشتت وارتباك في حياتنا اليومية؟
- بشكل كبير جدا. هناك ضوضاء دائمة مشوشة على كل شيء، لكنك أيضا أمام محاولة مستمرة لالتقاط الصوت المريح والذي ينسجم مع ذائقتك من قلب هذا التشويش، هذه المحاولة تبدأ من مجرد الإنصات إلى صوت تحاول تمييزه من قلب الضوضاء الهستيرية الصادرة من حول دمية عملاقة تطوّح بسلاسل يتعلق بها بشر، ومحاولات دائمة تصل إلى حد التلصص على سيدتين تقفان على شاطئ البحر لسماع ما تقوله وتمييزه من صوت الأمواج.
- هل يُمكننا القول إن الفقد يتحول بالوقت من طاقة حركية إلى كامنة تظل عالقة بالمكان، تمامًا كما حدث في قصة "على واجهة السبيل"؟
- تيمة الفقد رئيسية في المجموعة. لكنني أتصور أن الأمر يبدأ وينتهي في الأساس، بالمكان والأشياء الثابتة. الفقد المتناول في القصة التي ذكرتها تترسخ طاقته أكثر بفعل ورقة تركتها البطلة على واجهة سبيل معدني، حتى الخصيصة التي تميز تلك السيدة في طريقتها للكتابة ينساها المارة في رواحهم ومجيئهم من أمام السبيل، بل إن علاقة السيدة ذاتها بالراوي لا يعمل على استمرارها داخله سوى صورة في برواز مزخرف يستعيده خياله بين الحين والآخر. غير أن السؤال الإنساني في رأيي يأخذ منحى آخر عندما يحيلك إلى العلاقة بالمكان من زاوية أخرى، إذا فكرت، مثلا، فيما طرأ على السيدة نفسها من تغيرات، ومدى قدرتها على تجاوز ما فقدته في مكانها الأول بداية من زوج جارتها التي كتبت بيدها ورقة تطلب الفاتحة والدعاء له وانتهاء بانتشائها لإدراكها شكل الحضور الروحي والأنثوي الذي تمثله في هذا المكان الذي تركته.
- المدينة حاضرة بكل قسوتها وتفاصيلها كدميةٍ هائلةٍ تسحق الأفراد وتبتسم، هل قصدت تمرير هذا الشعور بالاغتراب إلى نفس القارئ؟
- حاولت بالفعل التعامل مع هذه الفكرة إضافة إلى ما يمثله المركز من طغيان على ما حوله، وشعور البعض بالخطر وهم في مكان معين من هذا المركز، في مقابل طمأنينة، قد تكون كاذبة، للبعض الآخر وهم في مكان آخر من هذا المركز. غير أنك ستجد المدينة أيضا حاضرة في مناطق أخرى، بوصفها مأمول الاكتشاف والتعرف على أشياء جديدة في هذا العالم، وذلك النفور من المشاهد التي تشترك فيها المدن فتجعلها متشابهة، في مقابل البحث عن الأحياء الخلفية التي تكشف روح المدن وبالتالي العالم.
- في قصة "ابتعاد خفيف" لاحظنا أن هناك صراعًا متواصلاً بين الغريزة والترويض من خلال عنصر "الكلب" الذي ضلَّ طريقه في غربة مكانية، هل هذا صحيح؟
- صحيح. نحن في أحيان كثيرة نقع في تلك الحيرة التي تصل أحيانا لحد الإزعاج الشديد، أنت مخير بين ما تريد فعله من ناحية وبين ما تستطيع فعله، بفعل الغريزة، من ناحية أخرى.
وبمناسبة الغربة التي ذكرتها، أنت هنا أيضا أمام سؤال حول المفهوم الحقيقي للغربة، وتنوعها بين غربة "مكانية" قريبة تسبب بعض الإزعاج للكائن "سواء بشر أوحيوان" وبين غربة أخرى بمعناها الأوسع حيث مكان بعيد جدا وأجواء تصيبه بالفزع، فضلا عن وحدة حقيقية، ويبقى السؤال حول القدرة على اعتياد الأمر.
- يبدو أن مهمة الكتابة هنا تُترك للغة البصريَّة بدلاً من السرد الكلامي، ما تعليقك؟
- لو أنك تقصد الاعتماد على الوصف المكاني، فهذا لأن مسألة الكتابة، في تصوري، هي أنك في النهاية تنتج ما أنت محتقن به والبحث عن إجابات لما يشغلك من أسئلة إنسانية، وبالنسبة لي، على الأقل حتى الآن، يروح الأمر كثيرا إلى الأماكن وعلاقتها بساكنيها وزوارها، ومحاولة طرح نظرة مغايرة لتلقي تلك الأماكن. فأنت سوف تجد راوي، على سبيل المثال، يشعر بالملل من أماكن يعتبرها البعض ساحرة، ويرنو إلى زوايا نظر تمثل له نوافذ حقيقية للتلصص على الحياة، التلصص ليس بوصفه، فقط، فعلا غريزيا، بل بوصفه أداة حقيقية، غير مملة، لكشف الفروق بين أرواح الأماكن وبعضها البعض.
- هل تؤمن بأن تلك المفردات البسيطة في الحياة تختزلُ خلفها حيواتٍ معذبة لمجموعة من المهمشين؟
- أؤمن بهذا، وإذا تحدثت في العموم فأعتقد أن المفردات البسيطة تختزل خلفها الحياة عموما بمختلف أشكالها، وليس فقط ما يخص المهمشين.
- نستشفُ من المجموعة أن هناك حالةً من المرض تسيطرُ على الأحلام الصغيرة التي تنفلتُ من بين أصابعنا. لماذا تلك النظرة المتشائمة؟
- لا أرى نظرة متشائمة بقدر ما هي انعكاس لطبيعة الأحوال الزمنية والمكانية للحكاية، بل ولطبيعة السؤال الإنساني المطروح عبر هؤلاء الشخوص، والرواي الذي ستجده أحيانا مجرد طفل يمر بمشاهد ساهمت في تكوين لا يعول كثيرا على نجاح ما يريد، بداية من عدم تمتعه بحرية مطلقة فيما يريده من لهو أو اقتناء حيوان أليف، ومرورا بحياة داخل منزل معرض للانهيار مما يجعله مشغولا بتخيل سيناريوهات ما بعد هذا الانهيار، وانتهاء بشيخوخة مفاجئة يراها في أحدهم حيث لم يكن ملتفتا إلى ما أصابه هو من تقدم في العمر.
- على الرغم من تنوع القصص داخل المجموعة وتعدد مستويات السرد فإن هناك وحدة انطباع تقبض بخيطٍ أساسي على خط سير المجموعة. ما تعليقك؟
- هذا مقصود بالطبع، أنت تحاول تقديم عمل متماسك بشكل ما، وكون هذا العمل يصنف كمجموعة قصصية لا ينفي عنه صفة "الكتاب" الذي من المفترض أنك تطمح إلى تلقّي حالته "على بعضه" بشكل متكامل.
- هل ارتأيت أن المزج بين ضميري المتكلم والغائب هو الأنسب لبناء هذه المجموعة المتنوعة في عوالمها وحالاتها؟
- دعني أصارحك بشيء. هذه المجموعة لم تقف عند أول الطريق الصحيح للانتهاء منها إلا عندما اقتنعت بأن عليّ الخضوع لما يريده كل نصّ من طريقة للكتابة، بمعنى أن كل قصة اختارت لنفسها ما يلائمها من ضمير. فعليك ألا تغالي في معركتك مع الكتابة حتى لا تقع في فخ ليّ الأمور الذي لن ينطوي، بالتأكيد، على المتلقي. وهذا كان أحد أسباب تأخر النشر، حيث كنت بدأت كتابة هذه النصوص نهاية 2011، غير أنني كنت أكتب المشاهد مع حيرة كبيرة فيما سوف تؤول إليه من تصنيف، ثم كثير من الحذف، أو استقطاع فقرات من نصوص لإضافتها إلى نصوص أخرى، إلى أن وصلت لشكلها النهائي.
- هناك لغة شعرية تتخلل آليات السرد القصصي بالمجموعة، هل ترى أن اللغة الشعرية هي الأسرع على التعبير والأصدق في النصّ القصصي؟
- لم أفكر في الأمر بهذا الشكل، بمعنى أنه لم أقرر استخدام هذه اللغة لأنها تناسب القصة ولا تناسب الرواية مثلا. اللغة هي أداة الكاتب الأساسية وهي إما أداة ضعيفة أو قوية، لذا أعتقد أنك تكتب باللغة التي تتيح لك إمكانياتك الكتابة بها وتستطيع التعبير بها، غير أنها تخضع طوال الوقت للتطوير بتطور صاحبها.
- ما هي مشاريعك الإبداعية في الفترة المقبلة؟ هل نحن بصدد أول رواية؟
- كما ذكرت لك، في بداية كتابة هذه النصوص، كانت عندي حيرة كبيرة في ما ستنتجه، وفكرت في صياغتها بعمل روائي قبل وصولى لقناعة أن الشكل القصصى هو الأنسب، غير أنني بالفعل لا أزال مشغولا ببعض عوالمها، وأتصور أن بعض الشخوص ما زالت تحتمل توسيعها فى عمل روائي مقبل، لا أدري، لم أقرر بعد.
*دوت مصر